تنزيه الله عن مشابهة مخلوقاته

Oleh Lussi Maelussimah

قوله : ( ولا يشبهه الأنام ) .
ش : هذا رد لقول المشبهة ، الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ، سبحانه [ ص: 85 ] وتعالى ، قال عز وجل : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : 11 ) . وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة رحمه الله في الفقه الأكبر : لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه . ثم قال بعد ذلك : وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين ، يعلم لا كعلمنا ، ويقدر لا كقدرتنا ، ويرى لا كرؤيتنا . انتهى .
وقال نعيم بن حماد : من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه . وقال إسحاق بن راهويه : من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم . وقال : علامة جهم وأصحابه ، دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب : أنهم مشبهة ، بل هم المعطلة

[ ص: 86 ] وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف : علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة ، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها ، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة ، القرامطة والفلاسفة ، وقال : إن الله لا يقال له : عالم ولا قادر – : يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه ، لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه ، ومن أثبت الاسم وقال : هو مجاز ، كغالية الجهمية ، يزعم أن من قال : إن الله عالم حقيقة ، قادر حقيقة : فهو مشبه ، ومن أنكر الصفات وقال : إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا إرادة – قال لمن أثبت الصفات : إنه مشبه ، وإنه : مجسم . ولهذا كتب نفاة الصفات ، من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم ، كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة ، ويقولون في كتبهم : إن من جملة المجسمة قوما يقال لهم : المالكية ، ينسبون إلى رجل يقال له : مالك بن أنس ، وقوما يقال لهم الشافعية ، ينسبون إلى رجل يقال له : محمد بن إدريس ! حتى الذين يفسرون القرآن منهم ، كعبد الجبار ، والزمخشري ، وغيرهما ، يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات وقال [ ص: 87 ] بالرؤية – مشبها ، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف

ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين : أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات ، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات . بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما تقدم من كلام أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى يعلم لا كعلمنا ، ويقدر لا كقدرتنا ، ويرى لا كرؤيتنا . وهذا معنى قوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : 11 ) . فنفى المثل وأثبت الصفة .
وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات ، تنبيها على أنه ليس نفي التشبيه مستلزما لنفي الصفات .

ومما يوضح هذا : أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده ، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء ، فلا يجوز أن يمثل بغيره ، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها . ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية – لم يصلوا بها إلى اليقين ، بل تناقضت أدلتهم ، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب ، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها .

ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى ، سواء كان تمثيلا أو شمولا ، كما قال تعالى : ولله المثل الأعلى ( النحل : 60 ) . مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث ، لا نقص فيه بوجه من [ ص: 88 ] الوجوه ، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه : فالواجب القديم أولى به . وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر – : فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره ، وهو أحق به منه . وأن كل نقص وعيب في نفسه ، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال ، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات : فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى .

ومن أعجب العجب : أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات والأسماء ، ويقولون : واجب الوجود لا يكون كذا ولا يكون كذا – ثم يقولون : أصل الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ، ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني ، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : تخلقوا بأخلاق الله ، فإذا كانوا ينفون الصفات ، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم ؟ ! وكما أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته تعالى ، لا يشبهه شيء من مخلوقاته ، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى . ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له ، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته . فلذلك اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله : ولا يشبه الأنام ، [ ص: 89 ] والأنام : الناس ، وقيل ، كل ذي روح ، وقيل : الثقلان . وظاهر قوله تعالى : والأرض وضعها للأنام ( الرحمن : 10 ) . يشهد للأول أكثر من الباقي . والله أعلم .

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s