تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 1 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما هذا الدرس فهو درس عام لا نقرأ فيه من كتاب وإنما نفسر فيه الآيات ، وهو درس لجميع الإخوان من طلبة العلم ومن غيرهم من المتخصصين وغير المتخصصين يستفيد منه الجميع بإذن الله عز وجل .

وبذلك لم أربطه بكتاب معين لئلا نشتغل بعبارات المؤلف مناقشة وتقريراً أو رداً وما إلى ذلك ، وإنما يذكر في هذا المجلس معاني القرآن الكريم وما يحتاج إلى معرفته ويذكر ما فيه من العبر والفوائد والمعاني البديعة وما إلى ذلك مما يحتاج إلى معرفته في كتاب الله تبارك وتعالى ، فهذا القرآن أودع الله عز وجل فيه من العلوم والمنافع وألوان الهدايات ما لا يقادر قدره وما لا يحصيه إلا الله تبارك وتعالى ، وكل يأخذ منه بحسب ما أعطاه الله عز وجل من الفهم وما فتح عليه من العلم .

وما كل غائص وقانص    يظفر منه بالدر والآلئي

فكل إنسان يأخذ بحسب ما عنده من الملكات والقدر وما عنده من آلة العلم التي يكون بها الاستنباط .

لعلنا نبدأ الآن أفسر لكم الاستعاذة والبسملة ثم أفسر لكم فاتحة الكتاب .

نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته .

الاستعاذة أيها الإخوان بالإجماع ليست من القرآن ولكن نحن نفسرها هنا لأننا مطالبون بقراءتها بين يدي التلاوة، فالله عز وجل يقول ، يأمرنا (إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) .

فما معنى الاستعاذة ؟

الاستعاذة : بمعنى الاستجارة ، فمن استعاذ بغيره فقد استجار به .

وهي بمعنى الالتجاء ، أي أنه يلتجئ إليه ، يلتجئ إليه من ماذا ؟ يلتجئ إليه من المخاوف والشرور والآفات ، كما أنه يلتجئ إليه أيضاً في طلب الأمور المحبوبة ، فهو يلتجئ في دفع المكاره ويلتجئ إليه أيضاً في طلبه للأمور المحبوبة إليه ، والمشهور أن الاستعاذة تكون في الالتجاء لدفع الأمور المكروهة ، هكذا يقول بعض أهل العلم ، والذي يكون فيه الالتجاء لطلب الأمور المحبوبة يقولون عنه ، يعبرون عنه باللوذ ، عاذ بفلان ، أي لجأ إليه لدفع المخاوف والشرور ، ولاذ به أي أنه لجأ إليه لتحصيل مطلوبه ، لتحصيل أمر يرغب بتحصيله ، فهذا الذي لجأت إليه تكون معتصماً به ، فكل من لجأ إلى غيره مستعيذاً به يكون معتصماً به ويكون متحرزاً بهذا المستعاذ به .

وهذا التفريق يدل عليه قول الشاعر وهو المتنبي :

يا من ألوذ به في ما أؤمله     ومن أعوذ به ممن أحاذره

ففرق بين الأمرين ، فجعل في الأمور المكروهة العوذ :

يا من ألوذ به في ما أؤمله     ومن أعوذ به ممن أحاذره

وجعل في الأمور المحبوبة اللوذ .

فالحاصل أنه يكثر في الاستعمال إطلاق الاستعاذة على الالتجاء بالغير لدفع المكاره ، ومنه يقال: العُوذة ، ويقال: العَوذة أيضاً ، وهي ما يعلق على الصبي أو المرأة أو غيرهما ليدفعوا بزعمهم بذلك ليدفعوا المكروه ، يدفعوا تعدي الشياطين ، أو يدفعوا العين بزعمهم ، وهو أمر لا يجوز .

لكن لماذا قيل لها : عُوذة ، وقيل لها عَوذة ، بالفتح والضم ؟ من أجل هذا المعنى ، وهي الأحراز التي تعلق على الآدميين ، على أيديهم ، أو على رقابهم ، ولربما علقت على الدواب بل لربما علقت على الجمادات ، كالذي يعلقها بالسيارة أو نحو ذلك مما يخاف عليه .

هذا معنى العَوذ ، وإذا كان هذا معناه ، فهل يجوز لعبد أن يعوذ بعبد مثله ؟

الأقرب والله تعالى أعلم أنه يجوز أن يلاذ بالمخلوق وأن يعاذ به في الأمور التي يقدر عليها ، وقد جاء في حديث المخزومية التي سرقت أنها عاذت ببعض أمهات المؤمنين ، وكذلك ابن مسعود  t حينما كان يضرب غلاماً له فعاذ بالله عز وجل ثم عاذ برسول الله  e فأطلقه وتركه ، وهناك أدلة أخرى تدل على هذا المعنى لا حاجة لذكرها في هذا المقام .

لكن الذي ينبغي أن يعرف أن الأمور التي لا يقدر على فكاكك منها إلا الله عز وجل لا يجوز أن تستعيذ بالمخلوق ، فمن استعاذ بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه ولا يطيقه أو لا يعلم أن المخلوق يقدر على ذلك ففعله ذلك من الإشراك ، ولهذا قال الله عز وجل (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) ولهذا فإن العلماء عادة يذكرون هذا الموضوع موضوع الاستعاذة يذكرونه في كتاب التوحيد ويجعلون من أنواع الشرك : شرك الاستعاذة ، وينبغي هذا أن يقيد بأن يقال : الاستعاذة بمخلوق في أمر لا يقدر عليه أو لا يعلم أنه يقدر عليه ، فهؤلاء الذين يعوذون برجال من الجن هم لا يعلمون أنهم يستطيعون ذلك ولم يرخص لهم بهذا ، وهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله عز وجل فيتلاعب بهم الشياطين ، ومن ثم فإنهم يقدمون لهم ألوان العبوديات والقرابين من أجل أن يحققوا لهم هذه المطالب .

وأنت حينما تقول : (أعوذ بالله) قولك : أعوذ بالله : الباء هنا تدل على الاستعانة ، الباء وهي حرف معنى في مثل هذا الاستعمال لها معانٍ متعددة يهمنا منها هنا أنها للاستعانة ، يعني : أنك إذا قلت : أعوذ بالله ، أي أنك تلتجئ من هذا المخوف والمكروه مستعيناً بالله عز وجل على دفعه ورده عنك وتخليصك منه ، وهذا يعني أن العبد مفتقر إلى ربه تبارك وتعالى ليخلصه من كل المكاره ، وهو يدل أيضاً بالضرورة على أن العبد عاجز فقير ضعيف لا يستطيع أن يدفع عن نفسه كيد الشيطان ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً من هذه المكاره إلا ما شاء الله عز وجل أن يدفعه عنه ، فمن وقع في مكروه أو كربه أو وقع في مصيبة أو في ورطة فما عليه إلا أن يلتجئ مستعيناً بالله عز وجل ، هذا معنى الباء ( أعوذ بالله ) أي مستعيناً بالله .

( أعوذ بالله ) ولفظ الجلالة ( الله ) هو أعظم الأسماء الحسنى ، وكثير من العلماء يقولون إنه الاسم الأعظم وسيأتي بيان ذلك عند الكلام على سورة الفاتحة أو عند الكلام على البسملة إن شاء الله .

لكن هذا الاسم الكريم ( أعوذ بالله ) ذكره هنا في غاية المناسبة ، يمكن للعبد أن يقول : أعوذ بالرحمن ، أعوذ بالعزيز ، أعوذ بالجبار ، أعوذ بالقاهر وما شابه ذلك ، ولكن الاستعاذة حينما تربط بهذا الاسم الكريم فإن ذلك أليق وأنسب ، والسبب في ذلك والله أعلم : هو أن هذا الاسم الكريم يتضمن أو يستلزم سائر الأسماء الحسنى ، وهي تعود إليه لفظاً ومعنى .

تعود إليه باللفظ : أي أنها دائماً تأتي معطوفة عليه ، تقول : هو الله الخالق البارئ المصور إلى آخره .

ما تقول : هو المصور الله العزيز الحكيم ، لا ، تأتي بالله أولاً ، بهذا الاسم ثم تأتي بسائر الأسماء .

فهي تعود إليه باللفظ أي تكون معطوفة عليه دائماً ، ولا يأتي بعد شيء منها ، لا يأتي معطوفاً عليها .

كما أنها تعود إليه من جهة المعنى ، لأن ( الله ) هذا الاسم متضمن لصفة الإلهية ، وصفة الإلهية من كان متصفاً بها فهذا يتضمن أنه هو الرب لأنه لا يكون إله إلا من كان : خالقاً رازقاً مدبراً محيياً مميتاً قادراً مريداً وما أشبه ذلك .

فلا يكون إله إلا من كان هو الذي يرزق وهو الذي يضر وينفع ويعطي ويمنع وهذا هو معنى الربوبية ، فصار ذلك الاسم الكريم يتضمن صفة الإلهية التي تتضمن صفة الربوبية ، وصفة الإلهية من أوسع الأوصاف [السبب الذي ذكرته قبل قليل] كما أن صفة الربوبية من أوسع الصفات كما سيأتي إيضاحه في الكلام على سورة الفاتحة إن شاء الله .

ثم هذا الاسم الكريم ( الله ) كما أنه يتضمن صفة الألوهية التي تتضمن صفة الربوبية فإنه أيضاً يستلزم إثبات جميع صفات الكمال ، لأن الإله لا بد أن يكون كاملاً من كل وجه ، ولا يُتصور إله وهو ناقص وعاجز أو فقير أو جاهل ، ولهذا كان الله عز وجل يعيب آلهة المشركين ويُلفِت أنظارهم إلى أنها لا تصلح للإلهية بذكر ما فيها من النقائص  ( ألهم أرجل يمشون بها ) إلى آخره فيذكر هذه الأوصاف الناقصة فيها ليدلل على أنها لا تصلح للألوهية ، فالإله لا بد أن يكون كاملاً .

فإذاً ( الله ) هذا الاسم الكريم مشتق ، هو اسم عظيم من أعظم الأسماء الحسنى وهو مشتق ، مشتق من: أله يأله، تقول من ( أله ) بمعنى أله أي عبد ، أله يأله : أي عبد يعبد ، إلهة : أي عبادة ، وفي القراءة غير المتواترة (ويذرك وإلهتك ) يعني : وعبادتك ، فالإلهة هي العبادة ، والمألوه هو المعبود ، فهذا الاسم الكريم يمكن أن يكون مشتقاً إذا أردنا أن نرجعه إلى الفعل في الاشتقاق ، فنقول : من أله يأله فهو مألوه ، أي معبود ، وهو إله .

ويمكن أن يكون مشتقاً من الإله ، أو من الإلهية التي هي الصفة .

وعلى كل حال هذا الاسم يختص بالله عز وجل، ولا يجوز أن يسمى به غير الله تبارك وتعالى بحال من الأحوال، ولا يعرف أن أحداً تسمى به فهو من الأسماء المختصة، فلا يليق تسمية المخلوق به لا من جهة اللفظ، مجرد لفظ ، أن يسمى فلان يقال له : الله بغض النظر عن المعنى ، ولا من جهة المعنى لأنه كما عرفنا يتضمن صفة الإلهية والإلهية لا تصلح للمخلوق إطلاقاً وإنما الذي يصلح له ضدها وهو العبودية .

فبالتالي يكون هذا الاسم الكريم ممتنع عن المخلوق من جهة اللفظ فلا يسمى به ولو لمجرد العلمية مد التسمية من غير نظر إلى المعنى ، ولا يجوز أيضاً يكون للمخلوق شيءٌ من معناه لأن الإلهية لا تصلح للمخلوق إطلاقاً.

وحينما تقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) (من) هذه ماذا تقصد بها ؟ يمكن أن تكون لابتداء الغاية ويمكن أن تكون للتعليل ، أي : أعوذ بالله لأجل الشيطان الرجيم ، أعوذ مستعيناً بالله لأجل الشيطان الرجيم ، فتكون ( من ) بهذا المعنى وبهذا الاعتبار دالة على التعليل .

وأما ( الشيطان ) أعاذنا الله وإياكم منه فهو يطلق على كل متمرد على الأرجح من الجن ومن الإنس ومن الدواب ، والله عز وجل يقول : ( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) فجعل للإنس شياطين ، والنبي  e يقول : ( الكلب الأسود شيطان ) فأطلقه على هذه الدابة ، فكل متمرد فهو شيطان .

والشيطان من أجل أن نفهم معناه لا بد أن نعرف من أي شيء أخذ هذا اللفظ ، من أين أشتق ؟

أكثر أهل العلم هو قول الجمهور أنه مأخوذ من شطن ، ومعنى شطن : أي بعد ، تقول : شطنت الديار ، يعني نأت الديار ، صارت بعيدة ، وتقول : شطنت البئر : يعني صارت هذه البئر بعيدة الغور لا تصل إليها الدلاء ، وتقول : شطن فلان : أي بعد ، صار بعيداً وهكذا ، ومنه قول النابغة الذبياني :

نأت بسعاد عنك نوىً شطون       فبانت والفؤاد بها رهين

( نأت بسعاد عنك نوىً شطون ) يعني بعدت ، شطون : أي بعيدة كثيرة البعد .

( فبانت والفوؤاد بها رهين )

طيب إذا كان من شطن بمعنى بعد ، الشيطان من شطن بمعنى بعد ، فما العلاقة بين البعد وبين الشيطان ؟

نقول : هناك علاقة واضحة ، وهي أن الشيطان بعيد عن رحمة الله ، وبعيد عن الخير وبعيد عن الهدى ، وبعيد عن الصراط المستقيم .

وبهذا الاعتبار إذا كان الشيطان مأخوذ من شطن ، فهو على وزن فيعال باللام ، وهذا يدل على أنه قد بلغ الغاية في البعد ، بعيد تماماً عن رحمة ربه وعن الخير وعن المعروف ، فهو معدن الشر وأساسه ومنبعه وهو رأس الوساوس والأفكار والخواطر الرديئة التي يلقيها إلى الخلق من الجن والإنس ليضلهم بذلك .

ومنه بهذا المعنى قول أمية بن أبي الصلت يمدح سليمان عليه الصلاة والسلام ، يقول :

أيما شاطن عصاه عكاه      ثم يلقى في السجن والأكبال

يتكلم عن سليمان أن الله سخر له الشياطين .

يقول : أيما شاطن عصاه عكاه          ثم يلقى في السجن والأكبال

( أيما شاطن ) أي شيطان ، فجعله من شطن أي بعد ، شطن فهو شاطن .

ويمكن أن يكون ( الشيطان ) مأخوذ من شاط يشيط ، لا شطن ، شاط يشيط ، تقول : استشاط فلان غضباً ، فهذا يدل على المبالغة والامتلاء والكثرة ، ( شاط ) أي أنه هاج أو اشتد غضباً ، هلك ، احترق ، ولا يخفى الارتباط بين هذه المعاني وبين الشيطان ، فهو متمرد عاتٍ ، ولا شك أن الشيطان هالك ، ولا شك أنه محترق ، وأن أصله من النار ، وكذلك أيضاً تعرفون طبيعة النار ما فيها من الخفة والارتفاع والاضطراب والحركة ، وما فيها من الإتلاف ، وما فيها من الحرارة .

فلفظ ( شاط يشيط ) له تعلق بهذه المعاني ، ولهذا يقال لمن عتا وتمرد يقال عنه : شيطان بهذا الاعتبار ، كما قال الشاعر يصف الغواني :

أيام يدعونني الشيطان من غزل          وكنّ يهوينني إذ كنت شيطاناً

( يدعونني الشيطان ) يعني يقول حينما كنت في زمن الشباب والقوة والفتوة والحسن والوضاءة فإنهن يداعبنه ويتغزلن به ، فتسميه الواحدة منهن تسميه : الشيطان ، لكثرة فسادة ولكثرة تمرده ولكثرة عتوه ولكثرة فجوره ، فالواحدة منهن تعجب به ، فتقول له على سبيل الاستملاح تقول له شيطان .

( أيام يدعونني الشيطان من غزل ) يعني تقول ذلك متغزلة .

( وكن يهوينني إذ كنت شيطاناً ) يقول أما الآن لما صار المِفْرَق أبيضاً من الشيب وتبدلت الحال وذهبت نظارة الشباب أصبح هؤلاء الغواني لا ينظرن إلي بحال من الأحوال .

وإذا قلنا إن الشيطان مأخوذ من : شاط يشيط ، فهو على وزن فعلان ، ولا شان هذا ألون يدل على الامتلاء ، تقول : عطشان ، شبعان ، رحمن وما إلى ذلك ، فهو يدل على الامتلاء من هذا الوصف المذكور .

( أعوذ بالله من الشيطان ) ( أل ) هذه في الشيطان هل هي للعهد فأنت تعوذ بالله من الشيطان الذي هو إبليس الذي أخرج أبانا آدم  e من الجنة وسلبنا منها فأنزلنا في هذه الأرض كما قال ابن القيم رحمه الله :

وإنما نحن سبي العدو فيا ترى        نرد إلى أوطاننا فنسلم

هل المقصود به إبليس ، ولا شك أنه كبير الشياطين ، فإذا قلنا إن ( ال ) عهدية فمعنى ذلك أنك حينما تقول : أعوذ بالله من الشيطان يعني الشيطان المعهود وهو إبليس الذي أخرجنا من الجنة الذي توعدنا وقال : ( لأغوينهم أجمعين ) أو أن المقصود بـ(ال) هنا الجنس ، وهل يفترق المعنى ؟ الجواب : نعم ، فإذا قلنا إنها للجنس فمعنى ذلك أننا حينما نقول ( الشيطان ) أي نعوذ بالله من كل شيطان ، وهذا يشمل إبليس وجميع شياطين الجن ، وجميع شياطين الإنس ، فنستعيذ بالله عز وجل من كل موصوف بهذا الوصف القبيح من الشياطين ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين . وأعوذ بك رب أن يحضرون ) فجعل الاستعاذة من همزات الشياطين جميعاً ، وأخبر أن الشياطين كما سبق ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) يعني شياطين الإنس وشياطين الجن ، وقال الله عز وجل عن وحي الشيطان ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) يوحون إليهم بالشبه يلقونها إليهم فيجادلونكم بها ، فيقولون : هذه الميتة تقولون حرام والله ذبحها بسكين من ذهب ، وذبيحتكم التي ذبحتموها بأيديكم تقولون حلال ، إذاً ذبحكم أشرف وأكرم  من ذبح الله عز وجل فأنتم تجعلون أنفسكم في منزلة أعظم من منزلة الله ، هذه شبهة شيطانية ، ألقاها الشيطان على ألسن أوليائه ليجادلوا بها المؤمنين (وإن الشياطين) ما قال وإن الشيطان (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) .

فاعتبار ( ال ) للجنس أقرب وأرجح لهذا المعنى والله تعالى أعلم .

وأما كون الشيطان مأخوذ من شطن أو من شاط فالواقع أنه يصدق عليه ذلك جميعاً ، فهو بعيد عن رحمة الله فهو من شطن ، بعيد عن الخير ، وهو أيضاً مستشيط من طبيعته الغضب ومن طبيعته الخفة والإفساد والإحراق والتدمير ، فيصدق عليه هذا وهذا ، وإذا أردنا أن نرجح أحد المعنيين فالأول أرجح أنه من شطن، ولكن يمكن أن يجتمع هذا وهذا لأنها أوصاف متحققة فيه، فلا تعارض والعلم عند الله عز وجل.

إذاً إذا قلت ( أعوذ بالله من الشيطان ) فأنت تلتجئ إلى الله وتستعين به طالباً منه العوذ أن يجيرك من كل شيطان من شياطين الإنس ومن شياطين الجن ، فلا يقتصر ذلك على كبيرهم وهو إبليس ، وهذا يحتاج العبد إلى فهمه ويحتاج إلى استحضاره لأنه حينما يقول ذلك فهو ينوي معنى معيناً يحسن أن يكون حاضراً في قلبه وأن يكون فاهماً لمعناه ، ولا شك أن هذه الأذكار أن من فهم معناها ودلالتها فإنه يحصل له من أثر ذلك ومنافعه ما لا يحصل لمن جرت على لسانه وهو لا يفقه شيئاً منها والله تعالى أعلم .

لماذا سمي الشيطان بذلك ؟

إذا عرفتم مادة اشتقاقه عرفتم سبب تسميته .

سمي بذلك لأنه متمرد ، فارق بني جنسه ، فارقهم في أخلاقه ، في أفعاله ، في صفاته ، في طباعه ، بسبب فسقه وبعده عن الحق وعن رحمة الله عز وجل .

( الشيطان الرجيم ) هذه صفة للشيطان ، والرجيم مشتق من الرجم ، وأصل الرجم هو الرمي بالرجام وهي الحجارة ، وهذا يحتمله قول الله عز وجل عن آزر حينما قال لإبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( لأرجمنك واهجرني مليا ) أي لأرجمنك بالحجارة حتى تموت .

ويحتمل أن يكون الرجم وهو معنىً صحيح ، أن يكون الرجم بالسب والشتم واللعن والقبيح من القول ، وهذا يحتمله قوله تبارك وتعالى في الآية السابقة ( لأرجمنك ) أي لأسمعنك ما تكره من قبيح القول والسب والشتم والذم وما إلى ذلك ، هذا كله تحتمله الآية السابقة .

فأنت إذا قلت ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) يمكن أن يكون الرجيم بمعنى المرجوم فهو بمعنى مفعول ، رجيم بمعنى مرجوم ، وما معنى كون الشيطان مرجوم ؟ مرجوم أي بالشهب ، الله عز وجل يقول: ( ويقذفون من كل جانب . دحوراً ولهم عذاب واصب ) يقذفون بالشهب يرجمون فيها ( وجعلناها رجوماً للشياطين ) فيرجمون بالشهب ، وكذلك أيضاً يرجمون باللعن وبالسب والشتم والقبيح من القول ، فهذا أمر أو معنىً متحقق بهم ، بهؤلاء الشياطين ، وهذا المعنى هو الأقرب والله تعالى أعلم أن الرجيم بمعنى المرجوم ، فعيل بمعنى مفعول ، أي أنه يرجم بالشهب وباللعن والسب والشتم وما إلى ذلك من المعاني .

ويحتمل أن يكون بمعنى راجم ، شيطان رجيم أي الراجم ، راجم بماذا ؟ راجم بالأفكار المضللة والوساوس والخواطر الرديئة فهو يلقيها في قلوب الناس ، ويلقي إليهم الشبه التي يجادلون بها أهل الإيمان أو يتشككون بها في حقائقه فهو يرجمهم بذلك ، وهذا معنىً محتمل إلا أن المعنى الأول أقرب ، مع أن الشيطان موصوف بهذا وبهذا أيضاً ، فهو رجيم بمعنى راجم يرجم غيره بما سبق ، وهو رجيم بمعنى مرجوم أي أنه يقع عليه ما سبق أيضاً .

وعلى كل حال الرجم كما قلت أصله الرجم بالحجارة ، ويأتي بمعانٍ أخر كالقتل واللعن والطرد والشتم .

بعد ذلك أقول : الاستعاذة هذه حينما يقولها العبد بهذه الصيغة ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) هل هو مخبر أو داعي ، حينما تستعيذ هل أنت تخبر عن استعاذتك ( أعوذ ) الجملة خبرية ، أو أنت تدعو بذلك ؟

يقال : الصيغة خبرية ، تخبر أنك تلتجئ إلى الله عز وجل وتستجير به من الشيطان الرجيم ، وهي متضمنة لمعنى الدعاء والطلب ، فأنت لا تقصد مجرد الإخبار ، وإنما تريد بهذا القول أن يعيذك الله عز وجل وأن يعصمك من هذا الشيطان ، فهي إذاً خبر متضمن لمعنى الطلب والسؤال ، وبالتالي لسنا بحاجة إلى أن نرجح فنقول هي خبر أو نقول غير ذلك ، هي خبر متضمن لمعنى الدعاء .

الله عز وجل يقول :  -( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )- [النحل/98] ( إذا قرأت فاستعذ ) فظاهره أنك إذا فرغت من القراءة فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ما تقول الاستعاذة قبل القراءة ، وهل هذا هو المراد ؟

بعض العلماء يقولون : الآية على ظاهرها ، والله أمرنا إذا قرأنا القرآن أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، طيب : ما الفائدة من ذلك ؟ قالوا : دفع العجب ، لأن الإنسان إذا قرأ ، لربما يلتفت إلى عمله فيعجب به فيكون ذلك سبباً لحبوطه أو لنقصانه ، فإذا قرأ يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فيدفع عنه ذلك ، كما أن النبي  e كان إذا فرغ من الصلاة استغفر ثلاثاً مع أنه فرغ من عبادة ، والله عز وجل يقول :  ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) فأمر بالذكر بعد الفراغ من عبادة هي من أجل العبادات وهي قضاء المناسك ، فإذاً هؤلاء يقولون هي على ظاهرها بمعنى أنك تستعيذ بعد أن تفرغ من قراءتك ، وهذا قال به بعض الكبار ، ومنهم القارئ المشهور وهو أحد السبعة حمزة ، وقال به أبو حاتم السجستاني صاحب الغريب غريب القرآن ، وهو أيضاً مروي عن أبي هريرة  t ، وعن ابن سيرين في رواية ، وبه قال النخعي وداود الظاهري .

وبعض العلماء أراد أن يجمع بين الظاهر وبين ما جاء عن النبي  e من أنه كان يستعيذ في أول القراءة ، وأيضاً ما يدل عليه الأمر بالاستعاذة حيث إنه يدل فيما يظهر على أن العبد حينما يقرأ القرآن يستعيذ من أجل أن يطرد عنه الشيطان فلا يشوش عليه في قراءته ولا يلبس عليه فيكون متهيئاً للتدبر والتفهم الذي يعقبه العمل، ومعلوم أن الشيطان حينما يشوش على العبد في الصلاة فإن العبد يكون مأموراً بالاستعاذة منه كما علمنا النبي  e .

فبعض العلماء أراد أن يجمع بين هذا وهذا ، فقالوا : يستعيذ في أول القراءة وفي آخرها فيجمع بين الأمرين .

وبعضهم قال وهو الأرجح وعليه الجمهور : إن الاستعاذة تكون قبل القراءة ، فالآية وإن كان ظاهرها أن الاستعاذة تكون بعد القراءة إلا أنها مبينة بسنة رسول الله  e حيث كان يستعيذ بين يدي القراءة ، وهي نظير قول الله عز وجل : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم … ) فهل المراد أن العبد إذا قام إلى الصلاة أنه يغسل وجهه ويتوضأ بعد الفراغ منها ؟ الجواب : لا ، وإنما المراد ( إذا قمتم إلى الصلاة ) أي أردتم القيام للصلاة .

وكذلك هنا ( إذا قرأت القرآن ) إذا أردت القراءة قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري  t المخرج عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (كان رسول الله  e إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال : ثم ذكر قال : ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) هذا يقوله النبي  e متى ؟ إذا كبر واستفتح ، يقوله بين يدي القراءة ، ولم ينقل عن النبي  e أبداً أنه استعاذ بعد الفراغ من القراءة ، فإذاً هذه الآية تبينها سنة رسول الله  e ويبينها أيضاً الآية الأخرى وهي : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا … ) ولا يمكن أن يقول أحد بإن الوضوء يكون بعد الفراغ من الصلاة وإنما المراد إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، إذا أردتم القراءة .

بعد ذلك أقول : هذه الاستعاذة التي أمرنا الله عز وجل بها ( فاستعذ بالله ) والنبي  e كان يستعيذ كما سبق ، فهل هي واجبة أو أنها مستحبة ؟ولا يمكن أن يقال غير هذا ، يعني غير الوجوب أو الاستحباب ، لأن الشارع أمرنا بذلك ، فهذا الأمر يدل على المشروعية وهي دائرة بين الاستحباب والوجوب .

فعامة أهل العلم وهو قول الجمهور : أنها مستحبة وليست بواجبة .

وبعض العلماء يقولون هي واجبة في العمر مرة واحدة ، ولماذا مرة واحدة ؟ قالوا لأنه يتحقق به مقتضى الأمر ، الله أمرنا أن نستعيذ ( إذا قرأت القرآن فاستعذ ) لو أنه استعاذ في عمره مرة واحدة لكفاه .

وهذا القول يمكن أن يناقش أن الأمر هنا ربط بشرط ، ومثله غالباً يدل على التكرار ( إذا قرأت القرآن ) أي كلما قرأت القرآن فاستعذ ، ما قال تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فإنه لو قال ذلك لأمكن لهذا القائل أن يقول يكفي ذلك في العمر مرة .

فعلى كل حال ؛ القائل بأنه يكفي في العمر مرة واحدة هو ابن سيرين رحمه الله تعالى .

وبعضهم يقول : تجب عند القراءة ، كل ما أراد الإنسان أن يقرأ فإنه يجب عليه أن يستعيذ ، وما الدليل على ذلك ؟ الدليل هذه الآية : ( إذا قرأت القرآن فاستعذ ) فهذا أمر علق بشرط إذاً ، والأمر إذا علق بشرط فإنه يتكرر بتكرره ، فكلما أردت القراءة يجب عليك أن تستعيذ .

طيب ، الله عز وجل يقول ( فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) ما قال فقولوا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ما ذكر لنا صيغة معينة ، وإنما أمرنا بالاستعاذة فقط ، فما هي صيغتها ؟

لها عدة صيغ :

الذي عليه عامة أهل العلم من الفقهاء والقراء أنه يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

هذا قول الجماهير من السلف والخلف .

وبعضهم يقول : يقول ذلك مع زيادة السميع العليم ، فتكون الصيغة هكذا: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .

والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الذي سبق ( كان رسول الله  e إذا قام إلى الصلاة … إلى أن قال : ثم تقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) فجيء بالسميع العليم بعد لفظ الجلالة : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .

والله عز وجل يقول : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) وفي الآية الأخرى ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) فذكر السميع العليم .

وبعضهم يقول : نقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ، والدليل على ذلك هو حديث أبي سعيد المتقدم ، فهذا من تمامه ، وكان  e يقول ذلك في صلاة الليل .

وهل بين هذه الصيغ الثلاث تعارض فنحتاج إلى أن نرجح ؟ الجواب : لا ، فهذه الصيغ كلها صحيح ، فإذا قال العبد واحدة منها فإنه يكون قد جاء بالمطلوب ، ولو أنه أخذ بالأكمل فهذا أفضل ، ولكن القدر الذي يجزئه أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، والصيغة الكاملة أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه .

وما معنى الهمز ؟ الهمز هو: المُوتة بضم الميم ، وما معنى المُوتة ؟ المُوتة بمعنى الخنق، وأثرها هو الصرع أو الجنون، فيتخبطه الشيطان يخنقه الشيطان ، يصرعه الشيطان ، هذه المُوتة ، هذا الهمز .

وأما النفخ وهو نفس الشيء ، فيفسر بالكبر ( أعوذ بالله من الشيطان ) أي من صرعه وتخبطه وتسببه في لحوق الجنون بالإنسان ، لأن بعض أنواع الجنون تكون بسبب الشيطان وصرع الشيطان .

وأما النفخ فهو الكبر ، وأما النفث بالثاء ، فهو الشِّعر أو السحر .

أما الصيغ الأخرى التي ذكرها بعض أهل العلم ، فمنها أن يقول العبد :

اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه .

وهذه الصيغة ورد فيها حديث ابن مسعود مرفوعاً إلى النبي  e كما عند ابن ماجه وابن خزيمة وابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، يعني إذا أراد أن يقرأ يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه ) فهذه صيغة ثابتة .

وهناك صيغ أخرى قالها العلماء بطريق الاجتهاد ولا يصح فيها شيء عن النبي  e حسب ما أعلم والعلم عند الله عز وجل ، وبالتالي لا يقول العبد شيئاً منها .

ولكن قد يقول قائل : كيف ساغ لهؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى أن يقولوا ذلك ؟ يقال : الذي بنوا عليه قولهم هو أنهم فهموا من هذا الأمر ( فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) أن العبد مطالب بأن يحقق الاستعاذة بأن يستعيذ ، ولم يحدد الشارع له صفة يأمره بها ، فلا مانع من أن يستعيذ بأي صيغة يتحقق فيها هذا المطلوب ، هكذا قالوا ، ولكن يقال : قد ورد عن النبي  e هذه الصيغ الأربع في الاستعاذة ، والسنة مفسرة للقرآن ، فينبغي للعبد أن يقتدي برسول الله  e ، وهذه أمور من جملة الأذكار وهي أشياء مبناها على التوقيف .

فالصيغ التي يذكرها العلماء على كل حال فيما زاد على ذلك تزيد على العشر ، تزيد على العشر ، الزائدة على هذه الصيغ الأربع ، بل تزيد عليها كثيراً ، فهي يوصلها بعضهم إلى سبعة عشرة صيغة ، والمعتمد على الأربع المذكورة والعلم عند الله عز وجل .

وأما أركان الاستعاذة :

ومعنى أركان الاستعاذة : الأمور التي تدور عليها عملية الاستعاذة ، ما هي ؟ تقول أنت : أركان البيع مثلاً ، أركان النكاح ، ما هي الأمور التي يدور عليها هذا الأمر ؟

فنقول : عندنا مستعيذ ، وهو من صدرت منه الاستعاذة ، والتجأ إلى الله عز وجل .

وعندنا مستعاذ منه وهو الشيطان هنا .

وعندنا مستعاذ به وهو الله جل جلاله .

عندنا الصيغة كأن تقول مثلاً : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) هذه يقال لها استعاذة .

وعندنا أيضاً الأمور التي استعذت من أجلها ، ما هي مطالبك ؟ تطلب ماذا حينما استعذت ؟ تلتجئ إليه من ماذا ؟ من شياطين الإنس ، من شياطين الجن ، من أذاهم البدني الحسي ، أو من أذاهم المعنوي كالوسوسة وما إلى ذلك من إلقاء الشبهات ، دفع الشرور ، طلب العون إذا قلنا بأن الاستعاذة تشمل هذا وهذا اللي هو الالتجاء لينفك العبد من المخاوف ويتخلص منها والأمور المكروهة ، وكذلك تحصيل الأمور المطلوبة المحبوبة ، فأنت تستعيذ لماذا ؟ تستعيذ لينجيك من المكاره ، أو تستعيذ لتحصل مطلوبك الذي تحبه وتتمنى حصوله .

وقبل أن أختم الكلام على الاستعاذة أذكر هنا وقفتان :

الوقفة الأولى : وهي أن العبد حينما ينوي قراءة القرآن أو يريد قراءة القرآن ، فإنه مطالب شرعاً بأي شيء ، مطالب شرعاً بالطهارة بالماء ،الطهارة الحسية ، أن يتوضأ ، وكثير من العلماء يقولون إذا كان عليه حدث أكبر فإنه يجب عليه أن يتطهر ، لأدلة لا مجال لذكرها هنا ، وإن كان الذي أظنه أقرب والله أعلم أنه لا يجب التطهر بالغسل أو بالوضوء عند قراءة القرآن ، لأنه لا يوجد دليل يدل على ذلك صراحة مع صحته .

وأما مس المصحف فإنه لا يجوز لأحد أن يمس المصحف إلا أن يكون متطهراً ، الطهارة الكبرى والطهارة الصغرى ، طهارة بالماء أو ما يقوم مقامه ، وكذلك التطهر من الكفر والشرك بالله عز وجل .

فلا يجوز للكافر أن يمكن من مس المصحف ، وأدلة هذا لا مجال لذكرها هنا .

لكن يجوز للحائض وللجنب والنفساء ويجوز لمن كان عليه حدث أصغر أن يقرأ ما شاء من القرآن من أوله إلى آخره لأنه لا يوجد دليل يمنع من ذلك ، وهو ظاهر صحيح البخاري رحمه الله في الصحيح وأن النبي e كان يقرأ القرآن على كل أحواله .

فعلى كل حال ، الآن إذا أراد الإنسان أن يقرأ فالذي يشرع له أن يتطهر بالماء أليس كذلك ؟ هذا بالإجماع والنبي e يقول : ( كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) فإذا أراد الإنسان أن يقرأ القرآن أو يذكر ربه ، فإما أن يتوضأ أو يتيمم .

فالحاصل هذه طهارة حسية بالماء أو ما يقوم مقامه ، يتهيأ بها العبد لقراءة القرآن .

والاستعاذة هي طهارة للفم معنوية من اللغو والرفث ، وهي استعانة بالله عز وجل ، واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة الشيطان .

وحينما يفعل الإنسان ذلك ، يقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) يكون قد تطهر وتخلص بإذن الله عز وجل من كيد الشيطان ومن وسوسته ومما يوقعه للعبد من الأمور التي تشوش ذهنه فلا يعقل ما قرأ ، فيكون – لاحظ اجتماع هذه المعاني ودقتها – يكون قد اجتمع للعبد هذا وهذا ، إذا قام للصلاة فإنه إذا أراد أن يقرأ فإنه يتوضأ أو يغتسل إذا كان عليه حدث أكبر ، فهذه طهارة بالماء .

وكذلك أيضاً يتهيأ لها بالطهارة المعنوية التي تكون من الشيطان فلا يعرض له في قراءته ، هذه اللطيفة الأولى .

الوقفة الثانية : وهي أن الله عز وجل أمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ولا نستطيع أن ننفك وأن نتخلص من كيده إلا بالاستعاذة ، ليس الشيطان متمثلاً أمامك فتأخذ عصاً أو حجراً فيُضرَب به ، فأنت لا تستطيع ذلك إطلاقاً ، فالله أمرنا بالاستعاذة .

وأما مع شياطين الإنس ومن يمكن أن يلحقك المكروه من جهته من الإنس فالله أرشدنا إلى شيء آخر يمكن به أن تدفع عنك أذى هذا الإنسان ، فالله عز وجل يقول مثلاً : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ) .

فالحاصل أنه في بني آدم قال ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وفي الشيطان قال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ) فالشيطان من الإنسي أو الآدمي الذي يمكن أن يصل إليك الضرر من جهته إذا صانعته وأعرضت عن إساءته ( وأعرض عن الجاهلين ) ولم تلتفت إليه وقابلت الإساءة بالإحسان فإن ذلك يدفع عنك إساءته ، بل لربما تحول إلى نصير لك ومحب كما قال الله عز وجل : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ) فهؤلاء من الآدميين ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) يعني ادفع السيئة بالتي هي أحسن لا ترد الإساءة بالإساءة .

ثم أمره مع شياطين الجن أن يقول ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون . وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) فهذا في الشياطين ، وكذلك يقول  الله عز وجل : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ثم قال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ) فالآدمي يمكن أن يحسن إليه وأن تقابل إساءته بالإحسان فينكف عنك شره ، فيه حيلة من هذه الحيثية .

وأما الشيطان من الجن فإنه لا سبيل إلى مصانعته وهو لا يريد إلا غوايتك ، فمهما أحسنت إليه فإنه لا يتوقف عن أذيتك والإساءة إليك إلا بتحصيل مطلوبه وهو إزاغة العبد وإضلاله وصده عن التوحيد وعن ذكر الله عز وجل ، يقول الحافظ ابن كثير   رحمه الله يقول : “وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري ، فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيداً “.

الملائكة نزلوا يقاتلون الكفار ، وهؤلاء الكفار أو الأعداء من البشر ، إذا قتل الواحد منهم أحداً من الناس من المسلمين فإنه يكون شهيداً ، “ومن قتله العدو الباطني كان طريداً “، من قتله عدوه من الشياطين كان طريداً ، معنى قتله : يعني أزاغه وأضله كان طريداً .

يقول : ” ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجوراً ، ومن قهره العدو الباطني كان مفتوناً أو موزوراً ” يقول : ” ولما كان الشيطان يرى الإنسان كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان ” بالله عز وجل .

ثم يقول : ” فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها – التي ذكرتها قبل قليل – وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عن طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة ويأمر بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم “.

هذه لطائف تتعلق بالاستعاذة .

نهاية الدرس الأول من تفسير الفاتحة

للشيخ الدكتور / خالد بن عثمان السبت

نسأل الله الإخلاص في القول والعمل

 

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s