تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 2 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آهله وصحبه أجمعين       أما بعد :

فحديثنا لهذه الليلة كما وعدناكم عن البسملة .

وحينما نقول : البسملة ، وهكذا ما يشبهها من قولنا : الحمدلة ، والهيللة ، والحوقلة ، أي : إذا قال العبد بسم الله ، قيل : بسملة ، وإذا قال الحمد لله ، قيل : حمدلة ، فهي حمدلة ، وإذا قال لا إله إلا الله ، قيل : هيللة ، وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، قيل : حوقلة ، فلان يحوقل .

فهذا الاستعمال في كلام العرب يشبه النحت في الأسماء ، وذلك أن الأسماء عند النسبة يأخذون أحياناً اسمين فينحتون منهما لفظاً واحداً ، فينسبون إليه ، فيقولون : فلان حضرمي ، حضرمي نسبة إلى حضر موت ، فهما كلمتان وكذلك إذا قال : فلان عبقسي ، نسبة إلى عبد القيس ، فيختصرون ذلك ويركبون منه لفظاً واحداً عبقسي ، وهكذا حينما يقولون : فلان عبشمي ، كما تجدون في تراجم بعض القرشيين ، أي أنه ينسب إلى عبد شمس فهو من بني عبد شمس فيقال عبشمي ، وهكذا .

يقول عمر بن أبي ربيعة وهو شاعر عربي قح يقول :

              لقد بسملت ليلى غداة لقيتها         ألا حبذا ذاك الحديث المبسملُ

لقد بسملت ليلى ، وهو شاعر جاهلي ، وهذا يدل على أن مثل هذا الاستعمال أنه استعمال عربي أصيل فصيح ، وليس لغة مولدة ، لأن العرب الأقحاح استعملوها في كلامهم وفي شعرهم .

وحينما نقول : (بسم الله الرحمن الرحيم) هذه الباء : بسم الله ، ما معناها ؟ لماذا أتينا بها ؟

يمكن أن تكون هذه الباء تدل على معنىً ، وهو الاستعانة ، أنها للاستعانة ، تقول : بسم الله ، أي أقرأ مستعيناً بالله ، أو مستعيناً بسم الله .

أو أنها للمصاحبة ، أي أقرأ مصاحباً اسم الله ، أو آكل مصاحباً أو مستصحباً اسم الله ، أو آكل مستعيناً بالله وأقوم مستعيناً بالله ، كما إذا قمت وقلت بسم الله ، وإذا قعدت قلت بسم الله ، أي أقعد وأقوم وأعمل كل شيء مستعيناً بالله عز وجل .

هذا معنى الباء الداخلة على هذه اللفظة ( اسم ) بسم الله ، ولاحظوا أن كلمة اسم هنا أضيفت إلى لفظ الجلالة ( بسم الله ) واسم هنا هل هي مفردة أو مجموعة ؟ هي مفردة قطعاً ، بسم ما قال بأسماء الله الرحمن الرحيم ، وإنما قال : بسم الله ، نقول بسم الله ، هذه اللفظة المفردة أضيفت إلى لفظ الجلالة ، ومن المعلوم أن الاسم المفرد أو أن المفرد إذا أضيف للمعرفة فإنه للعموم ، وماذا ينتج عن ذلك ؟ ينتج عن ذلك أنك إذا قلت : بسم الله ، بناء على هذا الاعتبار والمعنى ، فأنت تعلن وتقول : أبدأ وأستعين بكل اسم لله عز وجل ، أو آكل مستصحباً كل اسم لله عز وجل، أو أقرأ مستعيناً بكل اسم لله عز وجل، من أين جئنا بكل اسم؟ لأن لفظة اسم مفردة أضيفت إلى المعرفة وهو لفظ الجلالة : الله (بسم الله) فمعنى ذلك أنه يعم كل اسم لله عز وجل ، لأن المفرد إذا أضيف فإن ذلك يكسبه العموم ، كما قال الشاعر :

        بها جيف الحسرا فأما عظامها               فبيض وأما جلدها فصليب

أما عظامها فبيضٌ ، وأما جلدها ( جلد ) مفرد أضيف إلى المعرفة الهاء ( جلدها ) أي جلودها صليبة صلبة ، أما عظامها فبيض وأما جلودها فصليبة ، أي أنها صلبة ، هذا معناه ، هذا له أمثلة كثيرة ، ومنها قوله تبارك وتعالى : (تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (عدوي) عدو مفرد أضيف إلى ضمير المتكلم الياء ، (عدوي) أي لا تتخذوا أعدائي ، (وعدوكم) عدو مفرد أضيف إلى كاف الخطاب (عدوكم) أي لا تتخذوا أعداءكم أولياء ، وهذا له أمثلة كثيرة .

وحينما نقول : ( بسم الله ) الاسم من أين أخذ ؟ من أين اشتق ؟ يمكن أن يكون مأخوذاً من السمو ، وهذا الذي عليه أكثر النحاة ومحققيهم من البصريين أنه مأخوذ من السمو ، وبهذا الاعتبار لماذا قيل له اسم إذا كان مأخوذاً من السمو ؟ فما علاقة الاسم بالسمو ؟ يمكن أن يكون بهذا الاعتبار من العلو والارتفاع : إما لأنه علا على معناه ، لأن المعنى مضمن في داخله ، لأنه علا على معناه أو لأنه يسمو بالمسمى فيرفعه ويظهره ، فصاحبه صاحب هذا الاسم بمنزلة المرتفع به ، أو لأنه علا بقوته على الفعل والحرف ، لأن الكلام كما تعرفون على ثلاثة أقسام : اسم ، وفعل ، وحرف جاء لمعنى ، يعني حروف المعاني ، مثل : في وإلى وعن وعلى وما شابه ذلك ، وبقي حروف المباني التي تركب منها الألفاظ ، مثل لما تقول : مسجد ، الميم والسين والجيم والدال ، هذه حروف مباني تبنى منها الكلمات ، هذه لا معنى لها إذا انفردت ، أما حروف المعاني فلها لكل واحد منها معنى ، فإذا قلت : سرت إلى المسجد ، فإلى تدل على الغاية ، وإذا قلت : مشيت على القنطرة ، فعلى تدل على العلو والارتفاع والظهور ، وإذا قلت : مررت بزيد ، فإن الباء تدل على المجاورة ، أي مررت مجاوراً له ، وإذا قلت : مسحت برأسي ، فإنها تدل على الملاصقة ، أي أنه ألصق يده بالممسوح بالرأس ، فهذه تسمى حروف مباني .

فالكلام العربي مكون من هذه الأشياء الثلاثة : اسم وفعل وحرف جاء لمعنى حرف معنى .

وأشرفها وأجلها هو الاسم وهو الأصل ، فبعض أهل العلم قال : إن الاسم مأخوذ من السمو لأن الاسم أشرف وأعلى وأرفع من أخويه وهما : الفعل والحرف ، فسما وارتفع .

على كل حال : هذا كله يريدون أن يعللوا به اعتبار أن الاسم مأخوذ من السمو ، لماذا قيل له من السمو ؟ إما لأن صاحبه يرتفع به ، والواقع أن صاحبه لا يرتفع به بالنسبة لأسمائنا ، لأن أسماءنا مجرد أعلام لا تحمل أوصافاً لنا ، إنما الذي يحمل أوصافاً هو أسماء الله عز وجل ، وأسماء الرسول  صلى الله عليه وسلم ، وأسماء القرآن ، فهذه كل اسم منها يدل على معنىً تضمنه .

أما أسماؤنا فإن الإنسان يسمى صالحاً وقد لا يكون كذلك ، ويسمى خالد وهو فانٍ هالك ، ويسمى محمد وقد يكون أبعد ما يكون عن الحمد ، ويقال له سعيد وهو أبعد ما يكون عن السعادة ، فأسماؤنا مجرد أعلام ، فلماذا إذاً يقال إن الاسم مأخوذ من السمو لأن صاحبه يرتفع به ؟ لكن إن قصد بالارتفاع أن صاحبه يتميز به عن غيره فيكون كالمرتفع لأنه متميز فهذا قريب والله تعالى أعلم .

وبعض أهل العلم وهو قول الكوفيين من النحاة يقولون إنه مأخوذ من الوسم ، أي أن الاسم سمة على صاحبه وسم عليه ، والوسم بمعنى العلامة ، فهو علامة على هذا المسمى يعرف به من بين سائر الناس ، فلو أن الناس بقوا من دون أسماء تلدهم أمهاتهم ويخرجون هكذا ويعيش الواحد منهم سنوات تقل أو تكثر من غير اسم فكيف يعرف بعضهم بعضاً ، وإنما يتميز الناس ويتعارفون بالأسماء ، تقول : لقيني زيد ، واشتريت من زيد ، ومررت بزيد ، وجاءني زيد ، وهكذا ، فيتميز به عن غيره فصار بمنزلة العلامة والسمة له ، فهذه حجتهم ، وعلى كل حال هذا القول لا شك أنه أرجح من جهة المعنى وأقرب ، والقول الأول أقرب من الناحية التصريفية ، ولا أريد أن أذكر في هذا المجلس تفاصيل هذه القضية لأننا لا نريد الإغراق في القضايا اللغوية أو القضايا النحوية والإعرابية في هذا المكان.

وإنما أذكر هذا للفت الأنظار إلى هذا المعنى من أين جاء الاسم ؟ من أين أخذ ؟ وإلا فالتفاصيل الداخلة تحته كثيرة جداً لا حاجة إليها .

فعلى كل حال ، الاسم ما معناه ؟

الاسم يمكن أن يقال : هو كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة ، مع أن الإشارة أبلغ من التسمية ، الآن حينما أقول : هذا ، فعينته أليس كذلك بإشارتي هذه ، هذا يكتب ، هذا يقرأ ، هذا يعرف اللغة الفلانية ، قد لا أعرف اسمه ، لكني عينته وحددته فنظر الناس إليه .

وحينما أقول : زيد يعرف كذا وكذا ، زيد حدثني عن كذا من غير إشارة فالناس أيضاً يعرفونه ، وإن احتجنا نسبناه فقلنا : زيد الفلاني ، زيد القرشي قال لي كذا وكذا وكذا ، فعرف ، فالإشارة يستدل بها على المقصود .

وتارة يعرف الشيء بالتعين ، لا يوجد غيره ، فإذا قلت مثلاً للولد الصغير : أعطني الكتاب اللي في الغرفة ، فذهب فلم يجد إلا هذا ، فهو سيأتي به وإن كان أول مرة يسمع هذه الكلمة لأنه ليس ثمت خيار آخر .

ولهذا الشيء يعرف :

إما بالإشارة إليه ، فتقول : أعطني هذا ، أو تقول أعطني الكتاب بالتسمية ، أو تقول : أعطني الذي في الغرفة ، فدخل في الغرفة ولم يجد إلا الكتاب فجاءك به ، وبهذا قال صاحب المراقي :

      فبالإشارة وبالتعين         كالطفل فهم ذي الخفى والبين .

يعني أن الطفل كيف يعرف المسميات ؟ كيف نحن عرفنا هذه اللغات ، كيف عرف الصبي ؟ كيف تعلم من أبيه ؟

إما بالإشارة ، تقول : عطني هذا ، أو تقول : أعطني الكتاب وتشير إليه ، أو يكون يعرف الكتاب تقول عطني الكتاب ، اذهب إلى زيد ، اذهب إلى عمرو ، كلم خالداً ونحو ذلك فيعرف .

أو نقول : بالتعين ، لا يوجد غيره .

فالمقصود الآن : الاسم هو اللفظ الذي يدل على المسمى دلالة الإشارة  كما تقول : هذا قال لي كذا ، فإذا قلت زيد قال لي كذا ، فالقضية النتيجة المآل واحد ، أو يقال هو ما أبان عن مسمى ، كل ما أبان عن مسمى ، دل على مسمىً ، فهو اسم ، أو ما دل على معنىً في نفسه غير مقترن بزمان ، حينما تقول : سافر ، فأنت بهذه اللفظة ( سافر ) أظهرت وأبنت عن أمرين :

الأول : الزمان ، أنه سافر في الزمن الماضي ، حصل السفر في الزمن الماضي .

والقضية الأخرى التي استفدناها من قولك سافر زيد، أنه وقع منه المعنى هذا، الذي هو السفر، سافر زيد، فأخبرتنا عن السفر وأخبرتنا عن أنه وقع في الزمن الماضي .

وحينما أقول : سافرِْ ، فهذا فعل أمر ، يعني سافر في المستقبل ، فإذا ذكرنا هذه الأفعال ، فنحن ندلل بها على قضيتين :

القضية الأولى : المعنى ، أكل ، شرب ، سافر وما إلى ذلك ، هذه الأفعال تدل على زمن وتدل على نسبة ، تدل على معنى في داخلها ، السفر ووقت السفر ، الأكل ووقت الأكل ، أكل في الزمن الماضي .

تعلم تدل على التعلم ، وتدل على أنه كان في الزمن الماضي ، لو قلنا الأَكْلُ ، ماله وقت ، لم نحدده في الزمن الماضي ، ولا في المستقبل ولا في المضارع ، لكن لو قلنا : يأكل ، فهذا دللنا به على المعنى وعلى وقته أيضاً .

فعلى كل حال ، الاسم ما دل على معنىً في نفسه ، ولم يقترن بزمن ، فإذا اقترن بزمان ، فهو الفعل ، الذهاب اسم ، فإذا قلنا : ذهب ، قرناه بزمن ماضي ، فهذا صار فعل .

التعلم اسم ، فإذا قلنا تعلم يتعلم تعلم هذه أفعال اقترن بزمن ماضي أو مضارع أو أمر وهكذا .

الآن حينما نقول : بسم الله ، بسم الله ماذا ؟

إما أن نقدر شيئاً عاماً يصلح لكل الأشياء كالابتداء مثلاً أو أن نقدر شيئاً خاصاً يصلح للمناسبة ، فأنا الآن أريد أن أشرب ، فأقول : بسم الله ، فالمقدر إذا كان خاصاً ، فمعنى الكلام : بسم الله أشرب ، أو : بسم الله شربي ، أو شربي بسم الله ، أو إذا قلنا إنه عام ، نقول : ابتدائي بسم الله ، بسم الله ابتدائي وهكذا ، فإما أن نقدر شيئاً عاماً يصلح لكل المناسبات، وإما أن نقدر في كل مناسبة ما يناسبها، فنقدر شيئاً خاصاً، فحينما تقول أنت : بسم الله ، وأنت تريد النوم أو الأكل أو الدخول أو غير ذلك ، تقول : بسم الله ، فإذا قلنا إن المقدر خاص فمعنى ذلك : بسم الله أنام ، بسم الله نومي ، وإذا قلنا إنه عام : بسم الله أبدأ ، تبدأ إيش ؟ أبدأ النوم ، بسم الله ابتدائي ، ابتدائي لماذا ؟ للنوم ، وهكذا .

هذا إذا قلنا إنه عام أو خاص .

ثم يبقى النظر أيضاً في أمر آخر ، إذا قلنا إنه عام أو خاص ، هل الأحسن أن نقدر اسماً فنقول ابتدائي ، أو نقدر فعلاً نقول أبدأ ، أقرأ أو نحو ذلك ؟

إذا قلنا إنه عام ، ابتدائي بسم الله أو أبدأ بسم الله ؟

الفعل يدل على التكرر والتجدد والحدوث فهو أحسن من هذه الناحية ، أني أجدد التسمية مرة بعد مرة ، هذا الفعل .

والاسم يدل على الثبوت واللزوم ، وهذا أبلغ من هذه الناحية ، أي أنك ملازم للتسمية في كل الأحوال .

القول بأنه اسم يمكن أن يستأنس له [ أن المقدر اسم ] يستأنس له بمثل قوله تعالى :  ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ) ما قال بسم الله تجري ما قال فعل وإنما جاء بمصدر وهو اسم ، بسم الله مجراها ، واضح ، هذا يستأنس له .

ومن قال إنه فعل يستأنس له بقوله  { اقرأ – فعل أمر – باسم ربك الذي خلق } [العلق/1] جاء بالفعل ، الأمر في هذا سهل .

طيب إذا قلنا إنه اسم أو فعل ، وكل واحد منهما له مزية ، هل هو مقدم هذا المقدر وإلا مؤخر ؟ هل التقدير : أبدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله ؟ أو أقرأ بسم الله، أو آكل بسم الله ؟ أو المقدر مؤخر ؟ تقول: بسم الله أبدأ ، بسم الله ابتدائي ؟ أياً كان القول أنه اسم أو فعل بس هل هو مقدم أو مؤخر؟

بعض أهل العلم يقولون هو مقدم ، لماذا ؟ قالوا لأنه أدل على المقصود أن تذكر ما يدل على المراد ، أبدأ بسم الله ، أقرأ بسم الله ، آكل بسم الله ، فصرحت به منذ البداية لأول وهلة ، ما يحتاج السامع أن ينتظر ، وكذلك أيضاً يقولون الله عز وجل قال :  ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) فقدمه .

وبعضهم يقول هو على كل حال مؤخر ، لماذا ؟ يقولون من أجل ألا يبتدأ بشيء قبل اسم الله عز وجل ، لا نقدلى اسم الله عز وجل شيء ، فالأحسن أن نؤخره ، فبدل ما نقول : أقرأ بسم الله ، نقول : بسم الله أقرأ ، بسم الله ابتدائي ، فيصير بدأنا بالاسم قبل غيره ، ما جئنا أبدأ ولا آكل ولا أمشي ولا غير ذلك ، ما قدرنا شيء قبله فأتينا به مباشرة قلنا : بسم ، فجعلنا المقدر مؤخراً .

وأيضاً تلاحظون ( بسم ) الباء حرف جر ، والاسم مجرور ، فهذا جار ومجرور ، الأصل أنه يؤخر ، تقول : ابتدائي بسم الله ، لكن لو قدمته فإن تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر ، فما معنى الكلام إذا قلنا إنه مؤخر ؟

فمعنى ذلك أنك تحصر الابتداء باسم الله عز وجل لا باسم أحد سواه : بسم الله ابتدائي ، تقديم المعمول على عامله يدل على الحصر ، مثل ما تقول : إياك نعبد ، يعني لا نعبد أحداً سواك .

لكن لو أنك قلت : نعبدك ، فإن قولك نعبدك ، لا يمنع أنك تعبد الله عز وجل وتعبد أحداً سواه ، لكن إذا قلت : إياك نعبد ، إياك نستعين ، فهنا هذا يدل على الحصر ، وكذلك : ( وعلى الله فتوكلوا ) على الله ، يمكن أن نقول : توكلوا على الله ، توكلت على الله ، يمكن أن تكون توكلت على الله وتوكلت على أحد آخر ، لكن إذا قلت : على الله توكلت ، فمعنى ذلك أنك تتوكل على الله ولا تتوكل على أحد سواه .

فإذا كان المبدوء به المقدم هو الجار والمجرور ( بسم الله ابتدائي ) فهذا يدل على الحصر .

وعلى كل حال ، فإن تقديره بفعل مؤخر ، أقرب وأحسن والله تعالى أعلم .

والسبب في ذلك حينما نقول إنه فعل لأن الأصل في العمل هو الأفعال ، لأنها تعمل بدون شروط ، أما الأسماء فإنها تعمل بشروط ، والذي يعمل منها أشياء محدودة مثل اسم الفاعل واسم المفعول والمشتقات والصفة المشبهة وما إلى ذلك وبشروط أيضاً .

وحينما نقول الأحسن أن يكون مؤخراً فمن أجل التيمن والتبرك بالبداءة باسم الله عز وجل وللدلالة على الحصر أيضاً كما سبق .

وحينما نقول إنه خاص ، الأحسن أن يكون خاصاً لا أن يكون عاماً ؛ ليكون ألصق بكل مناسبة نبدأ بها على خصوصها .

فعلى كل حال الأمر في هذا سهل ولا يترتب عليه كبير أثر ، فمن قدمه كان غرضه الدلالة بذلك على الاهتمام بشأن الفعل ، أبدأ أقرأ … إلخ .

ومن أخره كان غرضه بذلك الدلالة على الاختصاص مع ما يحصل من العناية والبداءة بالاسم الكريم .

طيب ، لماذا حذف ؟ لماذا لم يصرح به ونرتاح ؟ فيقال : أقرأ بسم الله ، أبدأ بسم الله ، آكل بسم الله ، أو بسم الله آكل ، ويصرح به ؟

فيمكن أن يقال ؛ لأن هذا موطن لا يحسن فيه التقدم على اسم الله عز وجل إذا قلنا إن المقدر مقدم فالأحسن أن يبدأ بذكر الله عز وجل ، لا يبدأ بأقرأ ، أكتب ، آكل ، أمشي … إلخ .

ثم أيضاً إذا حذف الفعل ، حينما نقول : بسم الله ، فهذا يصح أن يبدأ به في كل شيء ، لو كان عندنا : أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الذي في القرآن ، لو كانت هكذا هل يصلح أن نبدأ بها عند كل شأن من الشؤون ؟

الجواب : لا ، فحينما لا يصرح بالمقدر ، فيصلح أن نقول بسم الله هذه اللفظة عند الأكل وعند النوم وعند الشرب وعند كل شأن من شؤوننا فنحن نتلفظ بهذه الجملة هي هي في كل ما نريد ، ولا نحتاج أن نبحث عن لفظ نعبر به في كل مناسبة من المناسبات .

ثم أيضاً حينما نحذف هذا المقدر فإن دلالة الحال والمشاهدة أبلغ من دلالة المقال والتصريح ، حينما تقول بسم الله وأنت تأكل ، فالحال شاهدة على أن ابتدائك الأكل كائن باسم الله عز وجل ، وحينما تريد أن تقرأ وتقول : بسم الله ، فالحال شاهدة بأن ابتداء القراءة كائن باسم الله عز وجل ، والحال المشاهدة أبلغ مما يصرح به وينطق به ، لأن الذي ينطق به قد لا يكون مطابقاً لحال الإنسان فيكون كذباً أو نفاقاً أو نحو ذلك ، فدلالة الحال إذاً أبلغ .

( بسم الله ) هذا الاسم الكريم ( الله ) ما معناه ؟ الله : هو المألوه المعبود الذي يألهه كل شيء ، ويتأله له محبة وخضوعاً وتعظيماً وإجلالاً وإكباراً ، فهو الإله المعبود الذي تألهه الخلائق جميعاً .

ومعنى تألهه : أي أنها تعبده ، تعظمه ، تحبه ، فهم يعبدونه ويتذللون له مع غاية المحبة والإجلال ، هذا معنى هذا الاسم الكريم .

وهذا الاسم ( الله ) ألصق الأسماء بقضية العبادة ( الله ) لأن الإلهة هي العبادة ، وتقول : أله يأله : عبد يعبد، وفي القراءة التي وردت عن بعض الصحابة قراءة بن عباس ( ويذرك وإلهتك ) يعني : ويذرك وعبادتك .

فالإلهة هي العبادة ، والمألوه هو المعبود ، فألصق الأسماء الحسنى التي سمى الله بها عز وجل نفسه ألصقها بهذا المعنى هو اسم ( الله ) جل جلاله ، وهو متضمن لغاية العبد ولمصيره ومنتهاه وما خلق له وما فيه صلاحه وكماله ؛ وهو العبادة .

ما هي غاية العبد ؟ تحقيق العبودية . وما منتهى العبد ؟ وما حقيقة العبد ؟ وما مقامه ؟ كل ذلك يدور على العبودية .

وما هو الوصف الثابت له ؟ هو العبودية ، فكل مخلوق لا يفارق هذا الوصف ، وأحق الأسماء وألصق الأسماء وأذل الأسماء على هذه القضية هو هذا الاسم الكريم .

هذا الاسم الكريم هل هو مشتق أم أنه جامد ؟

ومعنى المشتق والجامد :

الجامد هو الاسم المرتجل الذي لم يشتق من معنىً آخر ، أعطيكم قاعدة في هذا :

وهي أن جميع الأسماء الحسنى مشتقة .

ولماذا نقول مشتقة ؟ لأن المشتق أبلغ من الجامد ، فكل اسم مشتق فهو متضمن لصفة كمال .

فالعزيز من العزة فهو متضمن لها ، والكريم من الكرم وهو متضمن لصفة الكرم ، والرحمن من الرحمة فهو متضمن لصفة الرحمة ، وهكذا في كل الأسماء الحسنى .

فهذا الاسم الكريم العظيم ( الله ) مشتق ، لأنه يتضمن صفة ، وهذه الصفة هي صفة الألوهية ، يتضمن صفة الألوهية ، وهي أجل الصفات وأرفع الصفات وأعظم الصفات على وجه الإطلاق .

إذا قلنا إنه مشتق فمن أين اشتق ؟

يمكن أن يكون مشتق من الفعل : أله يأله يعني عبد يعبد ، تأله فلان بمعنى تعبد ، تأله بمعنى تعبد ، كما قال رؤبة بن العجاج : لله در الغانيات المدهي ، المده : يعني اللاتي يمدحن ، المدهي : يعني المادحات .

لله در الغانيات المدهي     سبحن واسترجعن من تألهي

يعني سبحن واسترجعن من تألهي: يعني من تعبدي ، فالتأله هو التعبد .

وأله هذه اللفظة تطلق على معانٍ متعددة : التعبد ، أله يعني تعبد ، وتطلق على معنى السكون ، وتطلق على معنى التحير ، وتطلق على معنى الفزع .

إذا قلنا إن الله مأخوذ من الإله كما يرجحه ابن القيم رحمه الله ، وهو قول كثير من المحققين من أهل اللغة والنحو كسيبويه وعامة أصحابه ، إذا قلنا إنه مأخوذ من الإله ، فما علاقة هذه المعاني اللي هي : التعبد أو العبادة والسكون والتحير والفزع ؟

العبادة الإله والمألوه الذي يعبده خلقه ، والتحير أي أن عقول الخلق تحيرت في إدراك كنه صفاته والإحاطة بها ، فهم لا يحيطون بالله عز وجل ولا يحيطون بشيء من صفاته ، فالله أجل وأعظم وأرفع وأكرم من أن يحيط به عقول خلقه ، فتحيرت به عقول المخلوقين ، بمعنى أنها لا تدرك إلى أي مدىً عظمة هذا الرب المعبود جل جلاله ، فلا يصفه الواصفون بما يليق به ويستحق على وجه الحقيقة والكمال وصفاً ينطلق من ألسنتهم فتقر به ويقوم بقلوبهم ما يليق بهذه المعاني التي نطقت بها ألسنتهم ، لا يحيطون بالله عز وجل ، ولا يعظمونه حق تعظيمه ، فالله عز وجل أعظم وأجل مما يخطر في عقول المخلوقين .

وهكذا حينما نقول إنها تدل على معنى وهو السكون ، فالسكون بمعنى أن الخلق كما أنهم يعبدونه فهم يسكنون إليه .وهكذا حينما نقول الفزع ، أي أنهم يفزعون إليه في النوائب والشدائد فيسألونه الحاجات ودفع المكروهات ولا غنى لهم عنه طرفة عين .

وقد يقال إنه مأخوذ ( الله ) مأخوذ من ألِه ، إما من ألَه وإما من ألِه ، ألِه يألَه ، والأمر في هذا سهل .

أو من الإله كما ذكرنا ، وهذا أقربها والله تعالى أعلم .

وأصل الاشتقاق الأرجح فيه أن يكون من المصدر لا أنه يكون من الأفعال ، فتقول : يذهب من ذهب أو من الذهاب ، الأحسن أن نقول من الذهاب لا من ذهب ، لا نرجع الأشياء إلى أصولها من جهة الفعل الماضي ، وإنما نرجعها إلى المصدر والمصدر اسم .

هذا الاسم الكريم كثير من أهل العلم يقولون إنه الاسم الأعظم ، والعلماء وإن اختلفوا في تحديد الاسم الأعظم ، إلا أن الأقرب أنه هذا الاسم ( الله ) ، وما الدليل على أن هذا هو الأقرب ؟

نقول : يدل عليه أدلة من المنقول ومن النظر .

أما من المنقول ، فتأملوا ثلاثة أحاديث ودققوا في ألفاظها واكتبوا الأسماء التي وردت فيها ” اكتبوها الآن ” ثم قارنوا بينها وانظروا في الاسم المكرر في هذه الأحاديث الثلاثة جميعاً .

الحديث الأول : حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : اللهم – هذا الآن أصله : يا الله ، اللهم ، هذا الاسم الأول ( الله ) – اللهم إني أشهدك أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد – كم اسم ؟ فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : (لقد سألت الله بالاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وإسناده صحيح .

هذا الحديث الأول .

الحديث الثاني : حديث أنس عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وهو حديث صحيح أيضاً قال : كنت جالساً مع النبي  صلى الله عليه وسلم في المسجد ورجل يصلي فقال : – أي الرجل – اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي ويا قيوم ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : (دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى) .

هذا الحديث الثاني .

الحديث الثالث : حديث أبي أمامة عند ابن ماجه وهو حديث حسن وبمجموع طرقه صحيح لغيره ، هذا الحديث يقول فيه النبي  صلى الله عليه وسلم : (اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث : في البقرة ، وآل عمران ، وطه) .

ما المكرر في هذه السور الثلاث ؟

يمكن أن نقول : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) في آية الكرسي في سورة البقرة .

وفي سورة آل عمران : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) ( الم . الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

وفي سورة طه : يمكن أن يقال : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) ويمكن أن يكون المراد في سورة طه هو قوله وهو الأقرب والله أعلم : ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى . الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) .

فالآن الاسم المكرر في هذه السور الثلاث ، إذا قلنا إنه : الحي القيوم ، فهل تكرر في جميع الأحاديث السابقة ؟

الجواب : لا .

إذا قلنا إنه هو ( الله ) فإنه متكرر في جميع الأدعية التي وردت وقال النبي  صلى الله عليه وسلم عن صاحبها بأنه دعا الله باسمه الأعظم ، فهذا يدل على أن الاسم الأعظم هو هذا الاسم ( الله ) ، وممن رجح هذا القول الحافظ ابن القيم رحمه الله ، وسبقه إلى ذلك أيضاً الطحاوي .

ومما يدل على هذا المعنى ما أشرت إليه في الدرس السابق ، وهو أن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه لفظاً ومعنىً .

ومعنى أنها ترجع إليه لفظاً ومعنىً ، أي أنها دائماً تأتي معطوفة عليه ولا يعطف على شيء منها ، ما تقول : العزيز الرحمن الله الخالق البارئ ، وإنما تقول : (الله) فتأتي به أولاً ، الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ، فيذكر أولاً ثم تذكر معطوفة عليه في اللفظ ، فهي عائدة إليه لفظاً كما أنها تعود إليه معنى ، من أي جهة ؟ من جهة أن هذا الاسم متضمن لصفة الألوهية ، وصفة الألوهية أوسع الصفات ، لأنها تتضمن صفة الربوبية كما سبق ، حينما يكون إلهاً فهذا يتضمن أنه هو الرب هو الرازق الخالق العليم القدير الحي ، لا يمكن أن يكون إلهاً وهو فقير ، وهو ميت ، وهو عاجز ، وهو لا يرزق ، ولا يريد ، ولا يعلم شؤون الخلق ، فلا يكون إلهاً إلا من كان مستجمعاً لجميع صفات الكمال .

ولهذا كما سيأتي في تفسير سورة الفاتحة نحن نقول : الحمد لله رب العالمين ( ال ) للاستغراق ، أي أن جميع المحامد مستحَقَةٌ لله عز وجل ، ومن الذي يستحق جميع أنواع الحمد إلا من كان كاملاً من جميع الوجوه ، ليس فيه نقص بوجه من الوجوه .

أما من كان به نقص بوجه من الوجوه فإنه لا يستحق الحمد الكامل ، وإنما يستحق من الحمد بحسب ما عنده من الكمالات .

فهكذا هذا الاسم متضمن لصفة الإلهية التي تتضمن صفة الربوبية ، وهو دال على أسماء الله وصفاته جميعاً بالدلالات الثلاث : بدلالة المطابقة ، والتضمن ، والالتزام .

فالله يدل بالمطابقة على صفة الإلهية وهي أوسع الصفات .

ويدل على المسمى في نفس الوقت وهوالذات الإلهية .

ويدل بالتضمن على صفة الإلهية .

ويدل بالالتزام على جميع الصفات ، لأن الإله لا بد أن يكون هو الخالق ، يلزم أن يكون هو الرب ، يلزم أن يكون هو الرازق ، يلزم أن يكون العليم ، يلزم أن يكون حياً ، يلزم أن يكون مدبراً لشؤون العالم وهكذا ..

فالحاصل أن هذا الاسم دال على إلهية الله عز وجل المتضمنة لصفات الإلهية جميعاً، مع نفي أضداد ذلك عنه، فالأسماء الحسنى جميعاً هي في الواقع تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها هذا الاسم الكريم وهو (الله) ، فهو يدل على أن الله هو المألوه ، هو المألوه المعبود ، وهذا يلزم منه أن يكون كامل الربوبية ، كامل الأسماء والصفات ، كامل الملك والحمد والرحمانية والمِلْك وما إلى ذلك .

هذا ما يتعلق بهذا الاسم الكريم .

ومما أيضاً يحسن أن يقال هنا مما يدل على أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم أنه يختص بالله عز وجل ، ومع أنه يوجد بعض الأسماء المختصة بالله غير هذا الاسم إلا أن هذا الاسم لم يتجرأ أحد قط أن يسمي نفسه به، لا يعرف أن أحداً سمى نفسه ( الله ) ، ولا يعرف أن أحداً من طوائف المشركين سمى معبوده ومن يعظمه سماه ( الله ) ، نعم قالوا العزى ، قيل إنهم قالوه اشتقاقاً من العزيز ، واللات قيل اشتقوه من الله ، ويسمون معبوداتهم آلهة ، ويقولون عن الواحد منها ( إله ) لكن أن يسمى شيء من هذا كله ( الله ) هذا لا يعرف .

فهذا الاسم لا يستحقه أحد من المخلوقين إطلاقاً لا من جهة اللفظ فلا يصح أن يسمى به أحد مهما قُصِد، ولا من جهة المعنى لأن المخلوق لا تصلح له الإلهية بل هو على الضد منها تماماً ، هو عبد ، فالعبودية تقابل الإلهية تماماً ، ولهذا يقال : إن المخلوق لا يستحق بعضاً من معنى هذا الاسم الكريم فضلاً عن أن يستحق معناه .

لكن الرحمن اسم مختص بالله عز وجل لا يجوز أن يسمى به غيره كما سيأتي ، لكن تسمى به بعض المتمردين كمسيلة الكذاب ، ثم إن المعنى الذي تضمنه الرحمن وهو صفة الرحمة يصح أن ينسب إلى المخلوق ويكون للمخلوق من هذا الاسم ما يليق به ويناسبه .

وعلى كل حال هناك أدلة أخرى تدل على أن هذا هو الاسم الأعظم لا حاجة لذكرها هنا .

ومما يقال أيضاً في هذا الاسم الكريم : أنه أعرف المعارف ، أعرف المعارف على الإطلاق ، ومن اللطائف أن سيبويه رحمه الله عبر بهذه العبارة فقال : إن اسم الله اعرف المعارف ، فلما مات سيبويه رحمه الله رآه بعض الناس في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال خيراً ، فعل بي خيراً ، لجعلي اسمه أعرف المعارف .

طبعاً سيبويه عبر بهذا ، وإلا فهذا الاسم الكريم هو أعرف المعارف ، سواء أطلقه سيبويه أولم يطلقه أحد ، فهذا هو الواقع في حقيقة الأمر .

( بسم الله الرحمن الرحيم ) الرحمن من أين أخذ ؟ من أين اشتق ؟

مشتق من الرحمة، وكما قلنا جميع الأسماء مشتقة، مشتق من الرحمة ، ما وزنه ؟ وزنه فعلان، رحمن فعلان، وهذه الصيغة فعلان تدل على مبالغة ، وأيها أبلغ ، رحمن على وزن فعلان أو رحيم على وزن فعيل ؟

رحمن أبلغ ، لماذا كانت أبلغ ؟ لأنها تدل على الامتلاء ( رحمن ) تقول : عطشان ، غضبان ، سكران وهكذا .

فهذا الوزن فعلان يدل على امتلاءٍ .

وأيضاً كان ذلك هو سبب تقديمه والله أعلم على الرحيم لأنه أبلغ منه .

هذا الاسم كم مرة ورد في كتاب الله عز وجل ؟

ورد سبع وخمسين مرة .

والرحمة ما معناها ؟

معناها بالنسبة للمخلوقين ، الرحمة عند المخلوقين إذا أضيفت إليهم ؛ تعني : الرقة والتعطف ، وهي بحسب ما تضاف إليه .

فإذا أضيفت الرحمة إلى الله عز وجل فإنها تفسر بما يليق بالله عز وجل ، لكن نحن نعرف معنى الرحمة ، وأنها ليس معناها الغضب ، وإذا أضيفت الرحمة إلى المخلوق فإنه تكون مفسرة بما يليق بالمخلوق وما يناسبه .

هذا الاسم ( الرحمن ) نحن نقرأ في كتاب الله عز وجل :(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا) فأنكروه ، كأنهم لا يعرفونه ، والواقع أن إنكارهم هذا كان على سبيل المكابرة فقط ، قالوا لا نعرف إلا رحمن اليمامة .

وتعرفون في قصة الحديبية لما قال : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) أنكروا ذلك وأبوا أن يفتتح الكتاب كتاب الصلح أن يفتتح بهذا الاسم الكريم ، وإنما قالوا : اكتب بسمك اللهم، فهل كانوا فعلاً لا يعرفون أن اسم الله هو الرحمن ؟ الواقع أنهم كانوا يعرفونه ، ويوجد في الجاهلية من تسمى بعبد الرحمن ، ويوجد في أشعارهم ما يدل على ذلك ، ومن أشهر هذا قول سلامة بن جندل وهو عربي جاهلي قح يقول :

عجلتم علينا عجلتَينَ عليكمُ       وما يشأ الرحمن يَعقد ويطلق

فجاء بهذا الاسم الكريم، وهذا الاسم لا شك أنه اسم عربي، ولا صحة لقول من يقول إنه اسم غير عربي، وأنه في الأصل ( رخمن ) بالخاء ، هذا لا صحة له ، ومما يدل على أنه عربي في الأصل الحديث القدسي : ( أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي ) فهذا يدل على أنه اسم عربي وأنه اسم أيضاً مشتق .

وأما ( الرحيم ) فهو على وزن فعيل ، رحيم فعيل ، ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء إذا كان فيها مدح أو ذم على فعيل ، فيقولون : فلان رحيم عزيز كريم وما إلى ذلك .

وهذا الاسم تكرر في القرآن أكثر من الأول ، حيث إنه ورد في كتاب الله عز وجل أربعة عشر ومائة مرة ، بينما الرحمن ورد سبع وخمسين مرة .

ما الفرق بين الرحمن وبين الرحيم ؟

العلماء يذكرون في هذا أشياء كثيرة ، اذكر لكم ما أظنه أقرب وأرجح في الفرق بينهما :

فأقول : الفرق من وجوه :

أولها : أن الرحمن يدل على إثبات صفة الرحمة الذاتية لله عز وجل ، الصفة صفة ذات .

ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى :  ( وربك الغني ذو الرحمة ) أي الموصوف بالرحمة ، صاحب الرحمة ، وكذا قوله  ( وربك الغفور ذو الرحمة ) ويقول  ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) .

وأما الرحيم فإنه يدل على إثبات صفة الرحمة الفعلية لله عز وجل المتعدية إلى المرحومين ، إلى المرحوم المخلوق .

وخلاصة هذا الفرق :

أن الرحمن يدل على صفة ذات ، صفة ملازمة لذات الله عز وجل ترجع إليه ، أي أنه موصوف بالرحمة .

والرحيم يدل على صفة فعلية ، أي أنه يرحم ، يرحم المخلوقين .

هذا الوجه الأول من الفرق ، وهذا إنما يقال طبعاً إذا ذكر الرحمن مع الرحيم كما في البسملة والفاتحة ( الرحمن الرحيم ) لكن إذا ذكر الرحمن مفرداً ( الرحمن على العرش استوى ) فماذا يقال ؟ يقال إنه يدل على الصفة التي تعود إلى الله عز وجل صفة الرحمة كما أنه يتضمن الصفة المتعدية التي في الرحيم ، فهو ذو رحمة وهي رحمة يرحم بها خلقه .

فإذا ذكر أحدهما بمفرده دل على ما يعود إلى الله عز وجل من هذه الصفة ، وما يعود إلى المخلوقين أو ما يحصل بهذه الصفة من المعنى المتعدي إلى المخلوق ، أي أن الله عز وجل يرحم .

إذاً الرحمة صفة ذاتية باعتبار ، وهي صفة فعلية باعتبار آخر .

إذا قلت ( الرحمن الرحيم ) يدل على الصفة الذاتية الرحمن ، وعلى الصفة الفعلية الرحيم .

وإذا قلت ( الرحيم ) فقط ، أو ( الرحمن ) فقط فهذا يدل على صفة ذات وهي الرحمة وصفة فعل وهي أن الله يرحم بهذه الرحمة .

هذا الاسم الكريم نقل ابن جرير الطبري كبير المفسرين إجماع العلماء على أنه مختص بالله عز وجل ، ومعنى مختص أي أنه لا يجوز أن يسمى أحد سوى الله بهذا الاسم ، ما يجوز لأحد أن يسمي ولده بالرحمن أبداً ، لأن هذا من الأسماء المختصة ، وقد جعله الله عز وجل نظيراً لاسمه ( الله ) فقال  ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) فهذا يدل على أنه مختص به لا يشاركه أحد سواه ، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله عن هذا الاسم بأنه لا يستطيع الناس أن ينتحلوه تسمى الله تبارك وتعالى به وحده .

ولهذا لما كان هذا الاسم بهذه المثابة أعني ( الرحمن ) وأنه مختص بالله عز وجل استعمل بمفرده غير تابع لغيره كما يستعمل ( الله ) فقال الله عز وجل  ( الرحمن على العرش استوى ) ولا تجد العزيز على العرش استوى مثلاً ، الرحيم على العرش استوى ، وإنما ( الرحمن على العرش استوى ) ( الرحمن علم القرآن ).

الوجه الثالث من الفرق بين الرحمن والرحيم : أن الرحمن أبلغ من الرحيم .

وذلك من وجهين :

الوجه الأول منها : لأنه أشد عدولاً في أبنية الأسماء من الرحيم .

يعني تقول : رحم فهو رحيم ، كرم فهو كريم ، وهنا قال رحم ؛ تقول رحم فهو رحمن ، فعدلنا به عن أبنية الأسماء التي تبنى عليها غالباً ، ومعلوم أن كل اسم له أصل في فعل ، رحم يفعل يرحم ، ثم عدل عن أصله ، ما قيل رحيم فقلنا رحمن ، فإن الموصوف به – بهذه الحال إذا قلنا رحمن – مفضل على الموصوف المبني على أصله .

يعني : رحم يرحم فهو رحيم ، هذا الأصل ، فإذا عدلنا به فقلنا : رحم يرحم فهو رحمن ؛ فهذا أكمل وأبلغ في الاتصاف بهذه الصفة التي تضمنها هذا الاسم إذا كان هذا الاسم يتضمن صفة مدح أو صفة ذم .

الوجه الثاني مما يدل على أنه أبلغ : القاعدة المعروفة : أن زيادة المبنى لزيادة المعنى .

فالرحمن فيه زيادة في مبنى الكلمة ، في بعض حروفها فصار أبلغ من الرحيم بهذا الاعتبار لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى .

وبعض أهل العلم يقولون : ( الرحمن ) هو ذو الرحمة الشاملة الواسعة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة ، وأما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين في الآخرة ( وكان بالمؤمنين رحيماً ) وكان بالمؤمنين بالمؤمنين ما قال وكان رحيماً بالمؤمنين ، فقدم المعمول الجار والمجرور كما سبق للاختصاص والحصر ( كان بالمؤمنين ) يعني ليس بغيرهم رحيم في الآخرة .

لكن هذا فيه نظر ؛ الله عز وجل قال ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) فهو رحيم بالناس الكفار وأهل الإيمان في الدنيا ، وهو رحيم بالمؤمنين في الآخرة .

بقي الكلام على آثار الإيمان بهذين الاسمين أذكر طرفاً منها في الدرس القادم ثم بعد ذلك أشرع إن شاء الله في الكلام على سورة الفاتحة .

نهاية الدرس الثاني من تفسير الفاتحة

للشيخ الدكتور / خالد بن عثمان السبت

نسأل الله الإخلاص في القول والعمل

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s