تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 3 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد :

فكنا نفسر البسملة وكان آخر ما وقفنا عليه هو معنى الرحمن ومعنى الرحيم ، وبقي أن أشير إشارات إلى بعض الآثار التي يؤثرها الإيمان بهذين الاسمين الكريمين :

فأول ما يؤثره الإيمان بهذه الأسماء في نفس المؤمن وفي قلبه أن يؤمن بما تضمنته هذه الأسماء من أوصاف الكمال التي دلت عليها ، فيؤمن بأن الله عز وجل ذو رحمة  وهي رحمة لا تشبه رحمة المخلوقين لا تماثلها ، هي رحمة تليق بجلال الله عز وجل وعظمته ، وهي رحمة واسعة وسعت كل شيء .

ثم أيضاً يؤثر ذلك في قلب العبد آثاراً أخرى كما نشاهد من آثار رحمة الله عز وجل الناشئة عنها فيما حولنا، فإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو أثر من آثار هذه الرحمة، وإنزال الكتب أثر من آثارها، وإمهال الخلق أثر من آثار الرحمة وإلا فإن الله عز وجل لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فهو يمهلهم .

وكذلك أيضاً يهديهم ويوفقهم فلولا رحمة الله عز وجل ما اهتدى أحد ، وما نجى أحد ، وبرحمته تبارك وتعالى أن سخر بعضهم لبعض وذلك أن فاوت بينهم في القُدَر ، وفاوت بينهم في الغنى ، وفاوت بينهم في الصحة والمرض ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً فتقوم حياتهم ووتتكامل بحيث يقوم بعضهم بشؤون بعض ، وتتكامل مصالحهم بهذا الاعتبار ، فهذا يقوم بهذه المهن وهذا يدفع المال ، وهذا يقوم بتلك الصنائع ويأخذ المال فيتبادلون مصالحهم وتقوم حياتهم على استقامة ووئام ، وهذا من رحمته تبارك وتعالى .

ومن رحمته أن خلق لهم من أنفسهم أزواجاً ليسكنوا إليها وجعل بينهم مودة ورحمة .

ومن رحمته أن جعل بينهم الرحمة يتراحمون بها فتعطف الأم على ولدها والوحش على صغارها فتحصل التربية والتنشئة ويبقى الجنس البشري ، ولو نزعت هذه الرحمة من قلوب الخلائق لو نزعت الرحمة من قلوب الآباء والأمهات لما صبروا على تربية أولادهم وتنشئتهم ولا ما أنفقوا عليهم نفائس الأموال ولا ما أتعبوا أنفسهم في سبيل استبقائهم وفي سبيل حفظهم ورعايتهم .

ومن آثار هذه الرحمة أيضاً التي نشاهدها : أن تابع الله عز وجل علينا الأرزاق ، ولولا ذلك لهلك الخلق .

ومن آثار رحمته تبارك وتعالى أن سخر لنا ما في هذا الكون من أجل أن يُستغل فتقوم حياة الناس بسبب هذا التسخير ، فسخر لهم الدواب التي ينتقلون عليها ، وسخر لهم البحر لتجري الفلك فيه بأمر الله عز وجل ، وسخر لهم ألوان المعادن ، وسخر لهم أموراً أخرى كثيرة تفوق الحصر ، فهذا من رحمته ولطفه بنا .

ومن لطفه ورحمته تبارك وتعالى أنه ينقلنا من طور إلى طور ونحن في بطون أمهاتنا ، فالأم لاهية سارحة لا تدري ما ذا يصنع في بطنها والله عز وجل يُكوِّنُ هذا الجنين وينقله من غير حاجة إلى شق بطنها أو إدخالها في عيادة ولو اجتمع الخلق على أن ينقلوه من طور إلى طور لما استطاعوا .

ثم من رحمته تبارك وتعالى : أنه لم يكلفنا ما لا نطيق وإنما كلفنا بحسب طوقنا وبحسب قدرنا فهو أرحم بنا من أنفسنا لأنفسنا ، فكلفنا أموراً تحصل بها لذة وسعادة إذا خالط الإيمان قلب العبد .

ويكفي من رحمته تبارك وتعالى أن يدخلنا الجنة ، مع أن العبد إنما يهتدي بهداية الله عز وجل له ولا يعمل شيئاً من الأعمال الصالحة إلا بتوفيق الله عز وجل له ، ومع ذلك فإن الله عز وجل يدخله الجنة ويغفر له الذنوب ويفتح له باب التوبة ويجعل الطريق أمامه ممهداً من أجل أن يرجع إلى الله عز وجل بعد شروده وبعد معصيته وبعد تمرده .

ويكفي في الدلالة على هذا المعنى ، أن أولئك الذين نسبوا لله عز وجل الصاحبة والولد وهو جرم عظيم يكفي في بيان رحمة الله عز وجل بخلقه أنه يقول لهم على سبيل التلطف  ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) يعرض عليهم التوبة ويفتح الطريق أمامهم بألطف أسلوب ، كل ذلك من رحمته تبارك وتعالى ، ويقول للمكثرين من الذنوب والمعاصي والجرائم  ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) فكيف بمن لم يكثر من الذنوب ، فهذه كلها آثار لرحمته تبارك وتعالى .

فهذا يستوجب أمراً آخر وهو من هذه الآثار : أن العبد يقبل على الله عز وجل بكليته ويبادر بالتوبة وبالأعمال الصالحة ، وإذا كثرت ذنوبه فليعلم أن رحمة الله عز وجل أوسع ، كما قال الله عز وجل ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً ) وقال ( رحمتي وسعت كل شيء ) فهي شاملة لأهل العالم السفلي والعالم العلوي ، ولا ينفك منها مخلوق بحال من الأحوال .

فإذا عرف العبد هذا وتذكر قوله ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) فإنه يبادر إلى التوبة ولا يكون للقنوط محل في قلبه ، وإنما يعلم أن باب التوبة مفتوح وأن الله عز وجل يقبل من التائبين ومن المنيبين مهما عظمت ذنوبهم ، فليأس من رحمة الله عز وجل أمر يسخط الله تبارك وتعالى ، ومن سوء ظن العبد بربه ، من قنط من رحمة الله عز وجل فهو لم يعرف الله عز وجل المعرفة الصحيحة اللائقة ، وهو من جملة من قال الله عز وجل عنهم ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) ( الظآنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ) فالله لا يحب القانطين الذين يقنطون من رحمته أو الذين يضيقون على الناس هذه الرحمة ، وتعرفون خبر ذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وماذا كان أمره وما انتهى إليه خبره ، فالله عز وجل يقول ( كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) بل أخبرنا تبارك وتعالى أنه استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الأوصاف كما قال ( الرحمن على العرش استوى ) فاستوى على أوسع مخلوق وأعظم مخلوق وهو العرش ، استوى عليه بأوسع الأوصاف وهي الرحمة التي وسعت كل شيء .

فمن تأمل هذه المعاني انشرح صدره وازداد إقباله على الله تبارك وتعالى ولا يفعل فعل الجاهلين الذين يغترون بفهم هذا المعنى منفرداً من غير النظر إلى المعنى الآخر وهو أن الله يمهل ولا يهمل وأنه شديد العقاب وأنه لا تطاق سطوته سبحانه وتعالى ، وإنما يتوب العبد من الذنوب ويقبل على الله عز وجل ويعلم أن ربه لا يتعاظمه ذنب ومهما كثرت ذنوبك فأقبل على الله عز وجل وتب إليه وهو سبحانه وتعالى يتقبل توبتك ويغفر ذنبك وإن كان عظيماً .

الشرك بالله عز وجل هو أعظم جرم وقع على وجه الأرض ، ومع ذلك من تاب من شركه تاب الله عز وجل عليه وبدل السيئات حسنات ، وأصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم كان عامتهم ممن كانوا يعبدون غير الله عز وجل ، صاروا خيار الخلق ورؤوس الخلق وصاروا من المنزلة عند الله عز وجل ما تعرفون .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لما خلق الله الخلق كتب في كتاب وهو يكتب على نفسه فهو عنده فوق العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي ) إن رحمتي تغلب غضبي ، ولو كان غضبه يغلب رحمته لم يبقى منا أحد ، لم يبقى من المخلوقين أحد .

وأخرج مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله مرفوعاً إلى النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ) وهذا هو الميزان ، أن يلتفت العبد إلى هذا وهذا ، فمن وقعت له ذنوب كثيرة وأراد أن يقبل ويتوب فعليه أن ينظر إلى جانب الرحمة وسعة الرحمة ، ومن كانت عنده حسنات فوقع في قلبه شيء من العجب ولربما أدلى على ربه بهذه الحسنات فلينظر إلى عقوبة الله عز وجل ، والأمور التي تخوفه منه ، وهكذا المفرط الذي لا يرعوي ولا يتوب ولا يفكر في التوبة عليه أن ينظر بنصوص الوعيد التي تدل على شدة انتقام الله عز وجل ممن انتقم منهم .

وقد ثبت في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك مرفوعاً إلى النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ) هذه الرحمة المخلوقة ، وفي رواية ( كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض ، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ) وفي رواية: ( إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها ) وفي رواية : ( حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ) .

وثبت في الصحيحين أيضاً من حديث عمر في قصة المرأة في سبي أوطاس التي جاءت بين السبي كأنها تبحث عن شيء فقدته فلقيت غلاماً فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته والنبي  صلى الله عليه وسلم ينظر فقال لأصحابه : ( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قالوا : لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه ، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : الله أرحم بعباده من هذه بولدها ) .

بعد ذلك أقول : هذه الآية أو البسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) نلاحظ أنه قدم اسم الله ثم ثنى بالرحمن ثم ثلث بالرحيم ، فلماذا رتبت هذا الترتيب ؟

وكذلك في سورة الفاتحة ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ) لماذا رتبها هذا الترتيب ؟

فيقال : أو يمكن أن يقال : بأنه قدم اسمه الأعظم وهو ( الله ) للأمر الذي ذكرته قبل وهو ما يتضمنه هذا الاسم الكريم من المعاني التي ترجع إليها جميع الصفات ، جميع الصفات : صفات الكمال لله عز وجل .

وكذلك أيضاً أن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه باللفظ من حيث إنها تعطف عليه دائماً ، ولا يعطف على شيء منها ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ) ما يقول : الملك القدوس السلام الله المؤمن المهيمن ، فهي تعود إليه دائماً من جهة اللفظ ، ثم تأمل في هذا الاسم الكريم ( الله ) الذي يتضمن صفة الألوهية ، فهي صفة لا تصلح للمخلوق بحال من الأحوال مهما عظم قدره وعلت مرتبته فالألوهية لا تجتمع مع العبد المربوب المخلوق الضعيف العاجز ، فلا يصلح للمخلوق شيء من معاني الألوهية .

ثم إذا نظرت إلى هذا الاسم الكريم ( الله ) فإنه أيضاً لا يصلح للمخلوق بحال من الأحوال أن يسمى به فحق لهذا الاسم أن يقدم على غيره فيقال : ( الله الرحمن الرحيم ) .

ثم ثنى بالرحمن ، ويمكن أن يقال في بيان وجه ذلك؛ هو أن الرحمن اسم يختص بالله عز وجل لا يصلح لغيره، فلا يسمى المخلوق بالرحمن ، ولكن من جهة المعنى ، فإن الرحمن يتضمن صفة الرحمة ، وصفة الرحمة يمكن أن تضاف إلى المخلوق ويكون له من هذه الصفة بحسب ما يليق به ، فالخالق له ما يليق به من الرحمة ، والمخلوق له ما يليق به منها ، فالرحمة تضاف إلى المخلوق بينما الألوهية لا تضاف إلى المخلوق ، فصار الفرق من هذه الجهة بين الله وبين الرحمن أن الله لا يصلح للمخلوق هذا الاسم لا لفظاً لا من جهة التسمية المجردة ولا من جهة المعنى ، فالمعنى لا يصلح إطلاقاً للمخلوقين ( الألوهية ) وأما الرحمن فإنه لا يصلح للمخلوق من باب اللفظ التسمية ، ولكنه يصلح له من الرحمة من معناه بحسب ما يليق بالعبد المربوب المخلوق ، هكذا يقال .

ثم الرحيم فإن هذا الاسم يسمى به المخلوق ويوصف به فيكون للمخلوق نصيب منه في اللفظ والتسمية ونصيب أيضاً من جهة المعنى والاتصاف ، فيقال : فلان رحيم ويقال ذلك على جهة التسمية ويقال أيضاً فلان يرحم فلان يرحم الضعفاء فلان موصوف بالرحمة وما شابه ذلك ، فلربما كان ذلك هو سبب تأخيره ثالثاً والله تعالى أعلم .

بعد ذلك أنتقل إلى مسألة أخرى ، وهي : هل البسملة آية من سورة الفاتحة ؟ أو أنها آية من كل سورة عدا براءة ؟ أو أن البسملة آية مستقلة فصل بين السور ؟ أو أنها جزء من آية وليست آية مستقلة ؟

بعض أهل العلم يقولون : ليست بآية ، وإنما هي بعض من آية في سورة النحل وهي قوله تبارك وتعالى عن ملكة سبأ في الكتاب الذي جاءها :(إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)فيقولون هي بهذا الاعتبار من القرآن ، جزء من آية ، وتكتب بين السور للاستفتاح والابتداء والتبرك والفصل بين السور لا باعتبار أنها آية من القرآن ، وهذا الذي عليه قراء المدينة والبصرة والشام ، وبه قال مالك والأوزاعي ونسب إلى أبي حنيفة وإلى بعض أصحابه ، وهو قول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله واختاره طائفة ، وأنكره بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

وذهب بعضهم إلى أنها آية من الفاتحة فقط وهذا الذي عليه عامة القراء والفقهاء من أهل مكة والكوفة وهو مذهب الشافعي المشهور وبه قال جماعة من السلف كسعيد بن جبير وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد ، وبه قال إسحاق بن راهوية وقال به أيضاً أبو عبيد القاسم بن سلاّم والزهري وعطاء وغير هؤلاء .

وذهب بعضهم إلى أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى براءة ، وهذا منقول عن قراء مكة وبعض قراء الكوفة وبعض فقهائها ، أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى براءة ، يعني أنها في عداد آي السورة ونقل ذلك أيضاً عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم ، ونقل أيضاً عن جماعة من السلف كمكحول وطاووس ، وهو قول أيضاً في مذهب الشافعي ، وهو رواية أيضاً ثالثة في مذهب الإمام أحمد ، وبه قال أيضاً جماعة من فقهاء الأمصار رحمهم الله تعالى .

وذهب بعضهم إلى أنها آية مستقلة من القرآن ، ليست محسوبة ضمن السورة ، أنها آية مستقلة وليست جزء من آية إلا في سورة النمل فهي آية مستقلة ، فصل بين السور فهي تنزل مع كل سورة للفصل لا أنها آية منها .

وهذا قال به أحمد وابن المبارك ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وداود الظاهري وكبير المفسرين ابن جرير الطبري وإمام الأئمة ابن خزيمة وابن قدامة المقدسي صاحب المغني ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، أنها آية مستقلة تنزل مع كل سورة للفصل بين السور لكنها ليست في عداد آي السورة .

وعلى كل حال ؛ لو أن قائلاً جمع بين هذه الأقوال فقال : إن البسملة ثبت في بعض القراءات أنها آية من الفاتحة ، وثبت في بعض القراءات الأخرى أنها آية من كل سورة عدا براءة ، وثبت في بعض القراءات أنها ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، لو قال قائل ذلك ونظر هذا النظر وقال كل هذه القراءات حق ثابتة صحيحة من عند الله عز وجل ، ويجوز أن يقرأ الإنسان بكل واحدة من هذه القراءات الثابتة المتواترة الصحيحة .

وبالتالي فمن قرأ بقراءة أحد من القراء الذين تصح قراءتهم من قرأ بقراءته التي تكون البسملة آية فيها من الفاتحة فلا ينبغي له أن يسقطها ، ومن قرأ بقراءة قارئٍ الفاتحةُ عنده آية من كل سورة فإنه لا يسقطها في بداية السور .

وهكذا ؛ إذا قرأنا المعوذات مثلاً وقل هو الله أحد بعد صلاة المغرب مثلاً فهل نبسمل فيما بينها ، نقول : إذا قرأت بقراءة قارئٍ يبسمل فإنك تبسمل ، وإذا قرأت بقراءة أخرى فلا بأس من إسقاط البسملة ، وهكذا الفاتحة، إذا قلنا إنها آية من الفاتحة فمعنى ذلك أن من أسقطها أسقط آية من الفاتحة ولا تصح صلاته، وإذا قلنا إنها ليست بآية من الفاتحة فمعنى ذلك أن الصلاة صحيحة من دونها ، ولكن هذا التفصيل الذي ذكرته تجتمع فيه الأقوال .

فمن قرأ بقراءةٍ البسملة آية فيها من الفاتحة بسمل وإلا فإن له أن يسقطها ، وهذا الذي أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله :

وبعضهم إلى القراءة نظر      وذاك للوفاق رأي معتبر

يعني أنه يجمع الأقوال أن ننظر إلى القراءة قراءة القارئ .

ولهذا تلاحظون أن الشافعي رحمه الله وهو من أهل مكة وأخذ قراءة أهل مكة وهي قراءة ابن كثير ، أهل مكة البسملة آية عندهم من سورة الفاتحة ، ولهذا المشهور في مذهب الشافعي أن البسملة آية من الفاتحة ، بأي اعتبار ؟ باعتبار أن الشافعي رحمه الله كان يقرأ بقراءة ابن كثير وهي قراءة أهل مكة ، وهكذا ينبغي أن يقال والله تعالى أعلم .

ويؤخذ من افتتاح المصاحف أو افتتاح السور أو افتتاح سورة الفاتحة بالبسملة مشروعية افتتاح الرسائل والخطب أو الكتب بالبسملة، ولا أعني خطبة الجمعة ، فإذا أراد أن يلقي الإنسان كلمة فإنه يبدأ بالبسملة، إذا أراد أن يؤلف كتاباً فإنه يبدأ بالبسملة ، وهذا يكفي بصحة البداءة بالبسملة في الرسائل والكتب، وأما حديث ( كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) فإنه لا يصح ، لكننا من أين نأخذ هذه المشروعية ؟ بأن السور مفتتحة بالبسملة ، وكذلك كتب النبي  صلى الله عليه وسلم الرسائل التي كان يرسلها كان يفتتح ذلك بالبسملة ، ففيه أسوة في ذلك .

وهذا نهاية الكلام على البسملة .

بعد ذلك وقبل أن أبدأ بسورة الفاتحة لا بأس أن أبين المراد بالسورة ، سورة الفاتحة ، وأذكر على سبيل الإلحاق الكلام على الآية ، ما معنى الآية .

فالسورة فيها لغتان صحيحتان لا حرج عليك ولا بأس بأيهما نطقت .

فلك أن تقول : بالهمز سؤرة ، ولك أن تقول : سورة بالتسهيل من غير همز ، فهذا كله صحيح .

فإذا قلت سُؤْرَة جمعتها على سُؤَر ، تقول : سُؤَر القرآن ، قرأت سُؤْرَة من القرآن ، وقرأت سُؤَر القرآن ، هذا كله صحيح ، فهي بالهمز من أَسْأَرتُ الشيء ، ويقال : السؤْر ، فأسأرت بمعنى أفضلت ، والسؤْر هو البقية من الشيء ، تقول : هذا سؤْر من الطعام ، هذا سؤْر فلان ، يعني بقية الطعام التي بقيت منه ، فيقال له سؤْر ، فالبقية سؤْر ، فالسورة كأنها بهذا الاعتبار قطعة وجزء من كتاب الله عز وجل ، فهي بعض منه .

وأما من غير همز بالتسهيل تقول : سورة ؛ فتجمع بهذا الاعتبار على سور وتجمع أيضاً على سُوْرَات وسُوَرَات.

وأصل السين والواو والراء سورة أصلها يدور على معان محددة وإذا ضبطت هذه المعاني وتأملتها عرفت من أين قال العلماء رحمهم الله من أين قالوا إن معنى سورة هو كذا أو كذا أو كذا أو كذا .

فالسورة تدور على معنى الإحاطة ، ومنه السور ، سور البلد ، والسوار الذي يكون على المعصم أو على الساعد السوار ، والسير الذي يربط أيضاً على الساعد أو يربط على الوسط وكذلك الذي يكون في الآلة يقال له سير باعتبار معنى الإحاطة وهكذا ، ففيها هذا المعنى وفيها معنى الارتفاع ، سور البلد فيه معنى الارتفاع ، السور ليس منخفضاً وإنما هو مرتفع لحماية البلد ، وفيه أيضاً معنى العلو والارتفاع ، ومن الارتفاع والعلو أو الآن السورة يا إخوان إذا قلنا من الارتفاع فهي بمعنى المنزلة ، هي منزلة شريفة من القرآن لشرف منزلتها لعلو قدرها لرفعتها كما قال الشاعر :

ألم تر أن الله أعطاك سورة     ترى كل ملك دونها يتذبذب

ألم تر أن الله أعطاك سورة ، يعني : منزلة ، يمدح هذا الملك يقول الله أعطاك مرتبة ومنزلة ترى كل ملك دونها يتذبذب ، فهذه هي المنزلة ، فلعظم منزلتها لرفعتها لدرجتها السامية في كتاب الله عز وجل قيل لها سورة لهذا الاعتبار .

ومن الإحاطة ؛ فيكون ذلك باعتبار أنها تحيط بالآيات التي تضمنتها، , وأيضاً فيها معنى القوة ، ومنه يقال : سَوْرة الغضب ، ويقال : سَورة الأسد ، وسَورة الشجاع ، وسَورة المقاتل ، وسَورة الشراب يعني المسكر الخمر ، سَورة الشراب أي شدته التي تؤثر الإسكار .

فقوة السورة بهذا الاعتبار يمكن أن يقال بأنها أعظم من قوة الآية أو لمناعتها لأنها من كلام الله عز وجل .

وكذلك تأتي هذه اللفظة المكونة من السين والواو والراء ، تأتي بمعنى الجماعة ، ومنه قولهم : سُورٌ من الإبل أي جماعة من الإبل ، لأنها تشتمل على جماعة الآيات ، وتأتي بمعنى الإبانة باعتبار أنها مستقلة عن غيرها ، وتأتي بمعنى التمام باعتبار أنها تامة من جهة أنها مستقلة عن غيرها ومن جهة أيضاً أنها مشتملة على أكمل المعاني ، فليس فيها نقص بوجه من الوجوه .

وعلى كل حال يمكن أن نقول معنى السورة التي نردد دائماً هذه اللفظة ولربما لم نقف عند معناها ، نقول السورة هي قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة ، السور ذوات فاتحة وخاتمة لها أول ولها آخر أقلها ثلاث في الاستقراء أقلها ثلاث .

أو يقال هي طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع .

هذه هي السورة .

وأما الآية فهي في كلام العرب تأتي بعدة معاني :

تأتي بمعنى الجماعة ، الجماعة يقال آية كما قال برج بن مسهر :

خرجنا من النقبين لا حي مثلنا     بآيتنا نسجي اللقاح المطافل

بآيتنا : يعني بجماعتنا ، خرجنا بجماعتنا .

وتقول : جاء القوم بآيتهم ، يعني بجماعتهم ، جاءوا جميعاً .

وبهذا الاعتبار الآية لاجتماع الحروف والكلمات التي تتكون منها هذه الآية .

وتأتي الآية بمعنى الشيء العجيب لما فيها من العجائب ، من العبر والأحكام والمعاني والعقائد والأمثال وما إلى ذلك .

وكل آية هي عجب في نظمها وأسلوبها ومعانيها وأحكامها ، وهذا معنى معروف في كلام العرب ؛ أن الآية تأتي بمعنى الشيء العجيب ، العجب ، ومنه قوله :

آية في الجمال ليس له في الحسن      شبه وماله من نظير

آية في الجمال ؛ يعني أنه عجب في الجمال ، تقول فلان آية في الذكاء ؛ أي عجب في الذكاء شيء عجيب آية في الذكاء ، وتقول : فلان آية في الحرص على الخير والطاعة والمعروف وما إلى ذلك بمعنى أنه عجب في ذلك .

وتأتي الآية بمعنى العلامة في كلام العرب أيضاً ، ومنه قول الشاعر يتغنى بمحبوبته :

إذا طلعت شمس النهار فسلمي         فآية تسليمي عليكِ طلوعها

يقول كلما رأيت الشمس طالعة فمعناها أني أسلم عليكِ في هذه الساعة، فكلما رأيتيها طالعة فردي السلام.

يقول : إذا طلعت شمس النهار فسلمي    فآية تسليمي عليك طلوعها

آية تسليمي بمعنى علامة تسليمي عليكِ ، فصار بمعنى العلامة .

وبأي اعتبار كانت الآية بمعنى العلامة ؟

باعتبار أنها علامة على صدق من جاء بها ، وهو الرسول  صلى الله عليه وسلم ، وأنها من كلام الله عز وجل ، وليست من كلام البشر فقيل لها آية .

وكذلك أيضاً هي علامة باعتبار أنها منقطعة عما قبلها وعما بعدها بحيث إنها تشكل وحدة مستقلة تتكون من نظائرها السورة ، وإن كان لها نوع اتصال بالآية التي قبلها والتي بعدها من جهة المناسبة كما هو معروف لكنها تعتبر مستقلة ، هذا أول الآية وهذا آخر الآية ، وهكذا .

أو لأنها علامة باعتبار أنها تدلُ ، والعلامة هي ما يستدل به على غيره ، تدل على ما تضمنته من الأحكام والمعاني ، كيف نعرف هذه الأحكام ؟ من خلال هذه الآيات .

وأما معناها في الاصطلاح فيمكن أن يقال :

هي قرآن مركب من جمل ولو تقديراً ذو مبدأ ومقطع مندرج في سورة .

أو نقول :

هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس لها شبه بما سواها.

ويمكن أن يقال :

هي قطعة من كلام الله عز وجل ذات بداية ونهاية مستقلة تندرج تحت سورة .

أو نقول :

مقدار من القرآن مركب ولو تقديراً أو إلحاقاً .

كل هذه المعاني متقاربة ولا إشكال فيها .

ومعنى تقديراً : مثل ( مدهامتان ) هي آية ، التقدير: في وصف الجنتين ( مدهامتان ) هما مدهامتان ، ومثل: ( والفجر ) يعني أقسم بالفجر .

وإلحاقاً ؛ أي أن فواتح السور تكون ملحقة بما سبق من جهة الحكم ، الحروف المقطعة في فواتح السور .

هذا الكلام على معنى الآية ومعنى السورة .

بعد ذلك أنتقل إلى سورة الفاتحة :

الفاتحة أولاً نتحدث عن أسمائها ، فلها أسماء كثيرة أكتفي ببعض منها مما دل عليه دليل صحيح .

والسورة كما هو معروف تارة يكون لها اسم باعتبار لفظة فيها كسور البقرة ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) سورة الدخان لقوله تعالى ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) وهكذا .

وتارة باعتبار ابتداء السورة ، مثل ما نقول : سورة الحمد ( الحمد لله رب العالمين ) سورة تبارك ( تبارك الذي بيده الملك ) .

وتارة تكون باعتبار المعنى الذي تضمنته كما نقول : سورة الإخلاص ؛ باعتبار أنها تتحدث عن قضية الإخلاص ، مع أن كلمة الإخلاص لا توجد في شيء من ألفاظ هذه السورة .

سورة الفاتحة لها عدة أسماء :

من هذه الأسماء : فاتحة الكتاب ، يدل على ذلك الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت  رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) فهذا نص من كلام النبي  صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية .

وسميت فاتحة الكتاب : لأنها تفتتح بها المصاحف خطاً وتلاوة ، وتفتتح بها القراءة في الصلاة .

وتسمى أيضاً أم القرآن ، كما في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيح عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هي أم القرآن – يعني الفاتحة – وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم ) وفي حديث آخر ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ) رواه مسلم .

خداج : يعني غير تمام ، ناقصة .

وسميت بذلك ، سميت بأم القرآن لأنها متقدمة على غيرها من السور في القراءة والكتابة أيضاً ، وهي أصله وابتداؤه ، ولأنها اشتملت على جميع معانيه ، والعرب تسمي كل جامع لغيره تسميه : أمّاً ، وكل مقدم على غيره عند العرب يقولون له ذلك ، فالجلدة التي تجمع الدماغ، يقال لها : أم الرأس وأم الدماغ ، ومنه الإصابة المعروفة التي يذكرها الفقهاء في كتب الفقه في الكلام على الشجاج والقصاص في الجروح وما إلى ذلك ، يقولون : المأمومة ، وهي الضربة النافذة على الرأس التي تصل إلى أم الدماغ.

وهكذا العرب تسمي اللواء ، لواء الجيش العلم الذي يجتمع حوله الجند ويحتفون به  يقولون له : أمّاً ، ومنه قول ذو الرمة :

وأسمر قوام – يعني الرمح الذي يحمل اللواء أسمر في لونه .

وأسمر قوام إذا نام صحبتي       خفيف الثياب لا تواري له أزرى

على رأسه أم لنا نقتدي بها      جماع أمور لا نعاصي لها أمراً

إذا نزلت قيل انزلوا وإذا غدت   غدت ذات برزيق ننال بها فخراً

فهذه هي اللواء الذي يمشون خلفه ويجتمعون عليه وإذا وقف توقفوا وإذا تحرك تحركوا وإذا ركز غرز في مكان نزلوا حوله .

ومنه قول الآخر وهو أبو محمد التميمي :

إذا كانت الخمسون أمك لم يكن      لدائك إلا أن تموت طبيب

يقول إذا بلغت الخمسين فأدواؤك ليس لها علاج إلا الموت ، لأنه لا حيلة بك قد ضعفت قواك وانهدت أركانك بسبب الضعف البشري الذي يعتري الإنسان حينما يفارق سن الشباب .

إذا كانت الخمسون أمك لم يكن     لدائك إلا أن تموت طبيب

لأن الخمسين جامعة لما دونها من العدد فقيل لها ذلك .

الاسم الثالث : السبع المثاني ، يدل عليه حديث أبي سعيد بن المعلَّم  رضي الله عنه وحديث أبي بن كعب وأبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً وسيأتي إن شاء الله .

وقيل لها السبع المثاني لأنها سبع آيات ، وقيل لها مثاني لأنها تثنَّى قراءتها في كل صلاة ، تثنَّى : أي تقرأ مرة بعد مرة في كل ركعة لزوماً ، أو لأنها في قول بعض أهل العلم وهذا فيه نظر ، لأنها نزلت مرتين ، أي أنه ثني نزولها ، وهذا غير صحيح ، ويحتجون عليه بالحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما جاءه جبريل فسمع صوتاً فرفع رأسه فقال : ( هذا باب فتح من السماء لم يفتح قبل قط وهذا ملك نزل من السماء لم ينزل قبل قط فقال : أبشر بنورين أوتيتهما : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ) فهذا كان في المدينة وسورة الفاتحة كانت نازلة في مكة ، وتقرأ في مكة في الصلاة فقالوا : إذن هي نزلت مرتين ، وهذا لا دليل فيه إذ إن ذلك يدل فقط على أن الملك جاء بالبشارة والبشارة تكون على أمر مستقبل كما تكون على أمر يقع أيضاً في الحال مضارع وتكون على أمر أيضاً وقع في الماضي .

وعلى كل حال لعلها سميت بالمثاني لأنها تثنى في الصلاة .

أو لأن الله استثناها لهذه الأمة ، لأنه لم يُنزل على أحد من أهل الكتب مثلها كما في حديث أبي  رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ) فاستثناها الله عز وجل لهذه الأمة .

أو لأنها مشتملة على الثناء ، لأنها حمد وثناء على الله وتمجيد ، فالحمد هو إضافة أوصاف الكمال إلى المحمود كما سيأتي ، والثناء هو إعادة ذلك ثانياً ، والتمجيد هو إعادته ثالثاً ، فهي سورة مشتملة على الثناء على المعبود جل جلاله .

أو لأنها مشتملة على جميع معاني القرآن كما سيأتي إيضاحه ، والقرآن مثاني كما قال الله عز وجل : ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ) فهو مثاني باعتبار أنه يشتمل على الثناء على الله ، أو باعتبار ما فيه من تثنية القصص والأحكام والأمثال والعبر والأخبار وما إلى ذلك .

وعدد آيات سورة الفاتحة سبع ، لكن العلماء يختلفون في تفصيل هذه الجملة ، هم يقولون هي سبع آيات ، لكن ما هي الآية السابعة ؟ من قال إن البسملة آية مع الفاتحة يقولون هي سبع مع البسملة ، ومن قال إن البسملة ليست آية من الفاتحة فيقولون إن الآية السادسة تنتهي عند قوله تبارك وتعالى ( أنعمت عليهم ) ثم تبدأ الآية السابعة ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فتكون هذه آية ، وتلاحظون في بعض المصاحف أن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) رقم 1 فيعدونها آية من الفاتحة ، ثم تجد ( الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) كلها آية واحدة ، فتكون ست آيات من غير البسملة ، ومن قال إنها سبع آيات والبسملة ليست آية منها قال نقف عند قوله ( أنعمت عليهم ) ثم تبدأ الآية السابعة ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) والذين قالوا إنها سبع مع البسملة عامة قراء الكوفة ومكة وأكثر فقهاء الحجاز ، والذين قالوا هي سبع دون البسملة هم عامة قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة .

بعد ذلك أقول : إذا كان من أسماء سورة الفاتحة أنها السبع المثاني ، والقرآن يقال له مثاني بالاعتبار السابق ، والجزء المعروف من القرآن يقال له مثاني ، لأن القرآن ينقسم إلى أربعة أقسام :

السبع الطوال ، والمئين ، والمثاني ، والمفصل .

على خلاف في بدء بعض هذه الأجزاء ، مثل المفصل ، وأيضاً فيما يتضمنه بعض هذه الأجزاء ، مثل السبع الطُّوَل من أين تبدأ ؟ ما هي السور التي تضمنتها ؟ هذا يختلف فيه أهل العلم .

لكن على كل حال الذي يهمنا الآن هو أن هذا القدر الذي يقال له المثاني وهو الجزء الثالث بهذا التقسيم الرباعي ، وهي الآيات التي تقل عن المائة وتزيد على المفصل ، هل يتعارض تسميتها بالمثاني مع تسمية الفاتحة بالمثاني ؟

الجواب : لا ، كما أن القرآن جميعاً يقال مثاني .

والاسم الرابع من أسمائها الثابتة هو أم الكتاب .

لاحظ ؛ الاسم الأول هو أم القرآن ، والاسم الرابع أم الكتاب .

وعلى كل حال ذكر العلماء لها أسماء أخرى ، مثل : الحمد ، لأنها تبدأ بالحمد ، والوافية ، والصلاة أخذوه من قوله ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين : إذا قال : الحمد لله …. إلخ إلى أن يقول : هذه بيني وبين عبدي … إلخ الحديث ) فقالوا هي تسمى بالصلاة ، وهذا فيه نظر ، وقالوا الشفاء ، وقالوا الرقية لقول النبي  صلى الله عليه وسلم ( وما أدراك أنها رقية ) ويقولون هي أيضاً من أسمائها أنفاس القرآن ، والكافية ، والكنز ، وقد أوصل أسماءها بعضهم إلى عشرين اسم ، لكن الثابت منها هو ما ذكرته والله تعالى أعلم .

هذه السورة هل نزلت بمكة أو نزلت بالمدينة ؟

أشرت قبل قليل إلى أنها نازلة في مكة ، ولا ينبغي العدول عن هذا إطلاقاً ، فالنبي  صلى الله عليه وسلم قطعاً لم يكن يصلي في مكة إلا بالفاتحة ، ومما يدل على أنها نازلة بمكة من القرآن أن الله قال في سورة الحجر : ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) وسورة الحجر بالاتفاق من السور المكية ، والنبي  صلى الله عليه وسلم قال : ( هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) فآية الحجر مفسرة بقول النبي  صلى الله عليه وسلم  هذا ، فذكرها الله عز وجل في سورة مكية مما يدل على أنها نازلة بمكة ، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم .

وبعضهم قال : هي بالمدينة ، نزلت بالمدينة ، وينقل ذلك عن أبي هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري .

وبعضهم قال : نزلت نصفين ، نصف في مكة ونصف في المدينة جمعاً بين هذه الأقوال والروايات ، وهذا وإن قال به عدد قليل جداً من أهل العلم إلا أنه قول ساقط لا يلتفت إليه بحال من الأحوال والله تعالى أعلم.

بعد ذلك أنتقل إلى الكلام على فضل هذه السورة :

صح عن النبي  صلى الله عليه وسلم في فضلها أحاديث:

فمن هذه الأحاديث حديث أبي سعيد بن المعلَّم عند البخاري ، وفيه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال له : ( ألا أعلمك أعظم سورة قبل أن أخرج من المسجد ؟ ثم قال له : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم ) فهذا يدل على أنها أعظم سورة .

ومما يدل على فضلها ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ بنحو حديث أبي سعيد بن المعلَّم لكنه عن أُبي بن كعب  رضي الله عنه حيث إن النبي  صلى الله عليه وسلم قال له ( إني لأرجو أن ألا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ) وذكر له سورة الفاتحة .

ويدل على فضلها أيضاً ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن هي خداج هي خداج هي خداج ) يعني غير تمام ناقصة .

يقول : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم اقرأوا ؛ يقول العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله تبارك وتعالى : حمدني عبدي ، ويقول العبد : الرحمن الرحيم ، يقول الله : أثنى علي عبدي ، يقول العبد : مالك يوم الدين ، يقول الله : مجدني عبدي ، يقول العبد : إياك نعبد وإياك نستعين فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم … إلى قوله : ولا الضالين ، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ) الحديث .

ومما يدل على فضلها أيضاً حديث عبد الله بن جابر بإسناد صحيح عند الإمام أحمد رحمه الله ، وفيه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال له : ( ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن – لا حظ هناك أعظم سورة وهنا أخير سورة – قلت بلى يا رسول الله ؛ قال : اقرأ : الحمد لله رب العالمين حتى تختمها ) .

ويدل أيضاً على فضلها حديث ابن عباس في صحيح مسلم : ( بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي  صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث الذي ذكرته آنفاً ( سمع صوتاً فرفع رأسه فقال جبريل هذا باب فتح من السماء لم يفتح قبل قط وهذا ملك نزل لم ينزل قبل قط فقال : أبشر بنورين أوتيتهما : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ) .

بعد ذلك أنتقل إلى قضية أخرى ، وهي ما الموضوع الذي تدور عليه السورة ؟

سور القرآن أحياناً تدور على موضوع واحد ، كسورة الإخلاص تدور على موضوع الإخلاص ، وسورة النور تدور على موضوع العفاف والحشمة والستر وما إلى ذلك .

وقد تتضمن السورة موضوعين أو ثلاثة أو أكثر ، كسورة البقرة وآل عمران وغيرها من السور .

فسورة الفاتحة تدور على الثناء والسؤال ، كما قال الله عز وجل ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) فهي تدور على الثناء في أولها ، ثم السؤال بعد ذلك ، فهي متضمنة لإثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاقه للعبادة والاستعانة ، هذا موضوع السورة ، الثناء والسؤال .

ما هي الأمور التي اختصت بها هذه السورة ؟

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s