تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 4 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين    أما بعد

فحديثنا لا يزال متصلاً بسورة الفاتحة ، وحديثنا في هذا اليوم عن القضايا التي اشتملت عليها سورة الفاتحة تفصيلاً ، وقد عرفنا قبل بأنها تدور على موضوعين اثنين هما الثناء والسؤال ، هذا على سبيل الإجمال ، وأما على سبيل التفصيل فيقال في بيان هذه الأمور المجملة : إن سورة الفاتحة قد اختصت بأمور لم توجد في سورة أخرى في كتاب الله عز وجل ، ولهذا كانت أعظم سورة في كتاب الله تبارك وتعالى .

فمن خصائص هذه السورة أنها مبدأ القرآن ، كما أنها حاوية على جميع علومه ، لأنها مشتملة على الثناء على الله عز وجل ، ومشتملة على الإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بشكر نعمه ، وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين ، كل هذا تضمنته هذه السورة .

وكونها مبدأ القرآن هذا واضح .

وأما أنها تحتوي على جميع علوم القرآن فسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل ، ومعلوم أن العلوم التي اشتمل عليها القرآن متعددة ينص عليها بعض المفسرين في أوائل تفسيرهم .

وعلى كل حال هي مشتملة على الثناء على الله لأنك تقول : ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ) فإضافة المحامد كما سيأتي هذا حمد إضافة أوصاف الكمال ، وإعادة ذلك ثانياً هذا ثناء ، وإعادته ثالثاً يكون ذلك من قبيل التمجيد .

كما أنها مشتملة على الإقرار بعبادته سبحانه وتعالى ، وهذا من وجوه عدة :

إذ أن ذلك يدل عليه لفظ ( الله ) وإضافة جميع المحامد إليه كما سيأتي ، لأنه لا تضاف المحامد إلا إلى المعبود وحده الكامل من كل وجه .

وكذلك في قولك ( رب العالمين ) إذ إن ذلك يلزم منه أن يكون هو المفرد بالعبادة .

وكذلك أيضاً في قولك ( إياك نعبد ) فهذا عين التوحيد .

وكذلك في قولك ( إياك نستعين ) إذ إن الاستعانة نوع من أنواع العبادة .

كما أنها متضمنة لسؤال الهداية في قولك ( اهدنا الصراط المستقيم ) .

والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بشكر نعمه ، فأنت تقول ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فـ( إياك نستعين ) يخرج العبد بهذا من حوله وقوته وطاقته وذكائه ومهاراته ، ويعلن عجزه وضعفه وأنه مفتقر كل الافتقار إلى مولاه سبحانه وتعالى لإعانته على الطاعة والعبادة والقيام بذكره وشكره وحسن عبادته ( وإياك نستعين ) ولهذا كانت هذه الجملة كما سيأتي تطرد عن العبد الغرور والعجب والالتفات إلى النفس والنظر إليها وإلى ما أوتي الإنسان من الطاقات والقدر .

كما أنها أيضاً متضمنة لشأن المعاد وذلك من وجوه متعددة سيأتي الكلام عليها، ومن أوضحها قوله (مالك يوم الدين) فيوم الدين هو يوم الجزاء والحساب هو يوم القيامة ، وعاقبة الجاحدين الكافرين ، لأنه قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فيتمايز الناس في ذلك اليوم إلى أهل إنعام وإلى أهل ضلال وغضب .

فهذه السورة اشتملت على هذه الموضوعات القرآنية جميعاً ، وهي موضوعات عظيمة تكلم عنها القرآن في سور كثيرة وأعاد فيها وبينها أعظم بيان فهي مضمنة في هذه السورة ، فهي مشتملة على مقاصد القرآن الأصلية ، والعلماء حينما يتكلمون على مقاصد القرآن يعني ؛ الموضوعات التي جاء القرآن لمعالجتها وبيانها وآيات القرآن تدور عليها وتشرحها وتقررها بوجوه شتى ؛ نجد أن سورة الفاتحة قد تضمنت هذه المقاصد التي قصد القرآن إيضاحها وبيانها للناس .

وأعظم هذه المقاصد التعريف بالمعبود الذي جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه يدعون ويأمرون الناس بتوحيده وتعظيمه التعظيم اللائق ، فهذه السورة تحدثت عن هذه القضية وبينتها ، وهذا البيان المتعلق بالتعريف بالمعبود بهذه السورة الكريمة يتضح من خلال النظر في ثلاثة أسماء ذكرها الله عز وجل في صدر هذه السورة ، والأسماء الثلاثة ترجع إليها جميع الأسماء الحسنى ، وهذه الأسماء الثلاثة هي :

(الله) وعرفتم معناه ، وقلنا أن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه لفظاً ومعنىً .

وعلى كل حال وعلى أقل تقدير فهو يتضمن صفات الإلهية جميعاً .

والاسم الثاني هو ( الرب ) ( الحمد لله رب العالمين ) فالرب في أقل التقديرات عندما لا نتوسع في بيان المعاني التي يدل عليها أو يستلزمها أو يتضمنها فإنه في أقل تقدير يدل على صفات الربوبية ، وصفات الربوبية معروفة كثيرة جداً : الخلق والرَّزْق والإحياء والإماتة وتدبير أمور الكائنات وما أشبه ذلك ، فهذه كله من معاني الربوبية .

والاسم الثالث هو ( الرحمن ) وهو يتضمن أوصاف الإحسان والجود والبر وما إلى ذلك من الأوصاف والأسماء التي تدور في هذا الفلك والسبيل .

كما أن السورة أيضاً مبنية على الألوهية والربوبية والرحمة ، فقولك مثلاً : ( إياك نعبد ) مبني على الألوهية، وذلك أنك قدمت المعمول ( إياك نعبد ) ما قلت : نعبدك ، فإياك نعبد يقتضي الحصر فهو يدل على التوحيد ، توحيد العبادة من (إياك نعبد) .

و( إياك نستعين ) مبني على الربوبية لأن الذي يعين ويقوي ويعطي ويهب ويمنع وما إلى ذلك هو الرب ، فالعطاء والمنع كله من معاني الربوبية .

و( اهدنا الصراط المستقيم ) مبني على الرحمة لأن هداية الله عز وجل للعبد إنما هي رحمة أسداها إليه وأكرمه بها ، فالمرحوم من وفقه الله عز وجل لهداه فآمن واتبع المرسلين ، فهذه أعظم رحمة تحصل للعبد ينتج عنها رحمات في الدنيا ورحمات في الآخرة ، فكل رحمة هي ناشئة ومتولدة على هذه الرحمة ، وإذا عدم العبد هذه الرحمة ؛ رحمة الإيمان والهداية والتوفيق إلى سبيل الله عز وجل وإلى صراطه المستقيم فإنه يحرم بعد ذلك رحمة الجنة ، فالجنة هي رحمة الله عز وجل يرحم بها من يشاء ، فمن حصل رحمته في الدنيا التي هي الهداية إلى الصراط المستقيم كان ذلك طريقاً إلى تحصيل الرحمة في الآخرة ، فضلاً عن كونه طريقاً إلى تحصيل رحمة أخرى في الدنيا ، وذلك بطمأنينة القلب وانشراح الصدر والنصر على الأعداء والتمكين والحفظ وما إلى ذلك مما يحصل لأهل الإيمان ويكرمهم الله عز وجل به .

والحمد الذي ذكر في أول كلمة بهذه السورة إذا قلنا إن البسملة ليست آية منها ( الحمد ) يتضمن الأمور الثلاثة ويتوجه إليها ، فالله عز وجل له الحمد المطلق الكامل في إلاهيته، وله الحمد المطلق الكامل في ربوبيته، وله الحمد المطلق الكامل في رحمانيته وفي أسمائه وصفاته ، فهو المحمود في ذلك كله المحمود في أفعاله فأفعاله كلها حق وصواب والمحمود في أحكامه الشرعية وأحكامه الكونية القدرية ، فأحكامه الشرعية كلها حق وصواب ليس فيها خطأ ، وهي حكمة مبنية على علم يضع الأمور فيها في مواضعها لا يشرع تشريعاً إلا هو في غاية الإحكام .

وكذلك الأحكام الكونية ، فالله عز وجل لا يقضي قضاء في هذا الكون ولا يقع شيء إلا بعلمه ، وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يقع ، فكل ذلك التدبير وكل ذلك التسخير وكل ذلك الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والزرق وتفاضل الخلق في العطايا كله مبني على حكمة بالغة وعلى بصر نافذ وعلى علم كامل .

كما أن هذه السورة تتضمن موضوعاً آخر من مقاصد القرآن وهو إثبات المعاد والجزاء ، فالله عز وجل يشرح هذا الموضوع ويبين دلائل القدرة على إيجاد الخلق مرة ثانية ، تارة يذكرهم بنشأتهم الأولى ، وتارة يلفت أنظارهم إلى الشجر الأخضر كيف أخرج منه ناراً ، وتارة يبين لهم أشياء مشاهدة في إحياء الأرض بعد موتها بإنزال المطر عليها فتخرج ألوان النباتات ، وتارة يلفت أنظارهم إلى وقائع حدثت من إماتة أقوام وإحيائهم كالرجل الذي استبعد إحياء الله عز وجل تلك القرية بعد هلاكها وهلاك أهلها استبعد ذلك في قدر البشر وفي طاقات البشر فأماته الله مائة عام ثم بعثه فأراه عملية الإحياء ، وكذلك أولئك الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله عز وجل موتوا ثم أحياهم ، وكذلك أيضاً أصحاب الكهف الذين بقوا تلك المدة الطويلة فأحياهم الله عز وجل ورأى الناس ذلك .

كما أنها أيضاً تتضمن التعريف بالصراط المستقيم ، وهو الذي جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام ليشرحوه للناس ويبينوا تفاصيله ، ونزلت الكتب شارحة له ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فهو الطريق الوسط بين الطرق المختلفة المعوجة ، جاءت هذه الفاتحة مشيرة إليه وتعلم العبد كيف يدعو ربه ليسلكه هذا الصراط فيسير عليه ليحقق النجاة عند الله عز وجل .

كما أنها تضمنت تعريف الحال عند الرجوع إلى الله عز وجل ، إذ أن الناس في ذلك الحين ينقسمون إلى منعم عليهم ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله ) فهذه هي الطائفة الأولى .

ويأتي أقوام ضلوا عن الحق لجهلم به ، فهؤلاء هم الضالون الذين أشارت إليهم هذه السورة ، فكل من أعمى الله عز وجل قلبه عن معرفة الحق فزاغ عنه بسبب جهله فإنه من هؤلاء أياً كان دينه ومذهبه .

وكذلك أهل الغضب وهم كل من عرف الحق ولم يتبع هذا الحق فهو من أهل الغضب .

فالناس على ثلاث طوائف :

قوم عرفوا الحق واتبعوه فهؤلاء هم أهل الإنعام .

وقوم عرفوا الحق ولم يتبعوه فهؤلاء هم أهل الغضب .

وقوم لم يعرفوا الحق وأعماهم الله عز وجل عنه فهؤلاء هم أهل الضلال .

فالذين بعث فيهم النبي  e وكانوا يعرفون حقيقة ما جاء به ولم يتبعوه هم من جملة المغضوب عليهم ، وأول من يدخل في ذلك اليهود لأنهم أهل علم ودراية .

وأما النصارى فإن الله عز وجل وصفهم بالضلال لأن الغالب عليهم الجهل ففيهم رهبانية وفيهم عبادة إلا أن العلم قليل فيهم مقارنة باليهود ، فهؤلاء أهل الضلال ، ولكن كل من عرف حقيقة ما جاء به الرسول  e أو بلغته الدعوة من النصارى ولم يؤمن بالنبي  e بعد اتضاح ذلك واستبانته ، فهو من أهل الغضب .

ولذلك نقول : إن هؤلاء النصارى الذين عرفوا حقيقة ما جاء به الرسول e ولم يتبعوه هم من جملة المغضوب عليهم .

وكذلك أيضاً طوائف من العالم من الوثنيين من عبدة النار من عبدة الأشجار من عبدة القبور ، كل من عرف الحق وحاد عنه لكبر أو لهوىً أو لغير ذلك فهو من جملة المغضوب عليهم ، فهي تعرف الحال التي تكون إذا صار الناس إلى الله عز وجل وما يحصل لهم فيه من الجزاء من قوله تعالى ( مالك يوم الدين ) فالدين معناه الجزاء ، معنى ذلك أن الناس سيجازون على أعمالهم لا يبعثون هكذا وإنما يبعثون للجزاء والحساب ، كما أنها بهذا الاعتبار تتضمن أيضاً أحوال المطيعين وأحوال الجاحدين فإن أهل الغضب مصيرهم إلى النار ، وأهل الإنعام يكون مصيرهم إلى مقتضى ذلك من الإكرام والجنة والنظر إلى وجه الله عز وجل الكريم .

كما أن هذه السورة أيضاً ، تضمنت مقصداً كبيراً من مقاصد القرآن وهو إثبات النبوات ، وذلك من تسعة أوجه :

وتأمل في ألفاظها وكلماتها وحروفها تجد ذلك واضحاً .

فقوله ( الحمد لله ) كيف نعرف حمده ، وكيف نعرف أنه متصف بالصفات التي يحمد عليها إلا عن طريق الكتب وعن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام .

كما أن في إثبات الحمد الكامل لله عز وجل ووصفه بأوصاف الكمال يقتضي ذلك كمال حكمته وأنه لا يخلق الخلق عبثاً ولا يتركهم سداً .

إذا قلت ( الحمد لله ) فهو محمود على كل حال ، فمن ذلك أنه لا يترك الخلق يخلقهم ثم يفنيهم من غير حكمة ، من غير أن يرتب على هذا الخلق أمراً عظيماً يحصل بعد ذلك فإن الحكمة تمنع من هذا ، فحكمته تبارك وتعالى اقتضت أن يخلق الناس وأن يعطي كل واحد منهم رأس مال وهو العمر ثم يتجر كل إنسان بما أعطاه الله عز وجل من هذا المال أو من رأس هذا المال وهو الدقائق والساعات والثواني ، فقوم يشمرون ويجدون ويجتهدون في تحصيل المنازل عند الله عز وجل في دار كرامته ، وقوم يشتطون ليحصلوا منازل في دركات النار ثم إذا قدموا على الله عز وجل وقع بينهم التغابن والتفاوت العظيم ، فأهل الجنة يتوارثون منازل أهل النار وأهل النار يتوارثون منازل أهل الجنة يعني في النار فكل واحد له منزلان : منزل في الجنة ومنزل في النار فذلك يوم التغابن .

ثم أيضاً انظر إلى هذا الاسم الكريم ( الله ) إذ إن معناه أن هو المألوه المعبود  ، وهل يمكن أن يعبد إلا عن طريق الرسل وعن طريق الشرائع والكتب التي تأتي بها الرسل عليهم الصلاة والسلام ؟ كيف يعبد جل جلاله من غير بعث المرسلين ؟

ثم تأمل كونه ( رب العالمين ) فإن هذا يقتضي أنه لا يتركهم هملاً وسداً لأن الرب يتعهد مربوبه بالإصلاح والتربية ، وهذا يقتضي أن يرسل إليهم الرسل فيأمرونهم وينهونهم وينزل عليهم الكتب .

ثم تأمل كونه أيضاً ( الرحمن الرحيم ) فإن رحمته سبحانه وتعالى تقتضي أن لا يترك عباده من غير بيان لما يرضيه وما يسخطه ، فالله عز وجل لا يؤاخذ الناس ولا يعاقبهم من غير أن يبعث إليهم الرسل يبينون الطريق الموصل إليه ويبينون أسباب سخطه ويبينون أسباب مرضاته ، فلا يأخذهم تبارك وتعالى من غير بيان وتفهيم وتعليم لما يحبه وما يسخطه ، ولهذا يقول الله عز وجل في حق نبيه  e ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).

وتأمل كون الله عز وجل ( مالك يوم الدين ) فإن من تمام ملكه أن يكون له رسل وكتب يبثها في أقطار مملكته لتبليغ أوامره ونواهيه .

وتأمل في قوله ( يوم الدين ) فهذا يوم الدين أي يوم الجزاء فمعنى ذلك أن الناس يجازون في الآخرة وهذا الجزاء مرتب على أمر وهو قيام الحجة ، وكيف تقوم عليهم الحجة إلا بعد أن يرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الكتب .

وتأمل قوله أيضاً ( إياك نعبد ) فكيف يعبد إلا بما شرع وكيف نعرف ما شرع إلا بإرسال المرسلين وإنزال الكتب والشرائع .

وتأمل قوله أيضاً ( اهدنا الصراط المستقيم ) فالصراط المستقيم هو الصراط الموصل إلى الله عز وجل هو اتباع القرآن هو سلوك الشريعة واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن للإنسان أن يسلك الصراط المستقيم إلا ببعث الرسل .

وقد حاول أقوام أن يجتهدوا في التعبد في أزمنة هي من أزمنة الفترات وإذا قرأت في أخبارهم وما وقع لهم من محاولات رأيت رحمة الله عز وجل ببعث الرسل عليهم الصلاة والسلام ليبينوا للناس الشرائع .

وتأمل قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فهذه السبل : صراط المنعم عليهم ، وصراط أهل الغضب ، وسبيل أهل الغضب ، وسبيل أهل الضلال ، لا يمكن أن يعرف ذلك ويميز إلا عن طريق بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام .

وكذلك أيضاً كيف انقسم الناس إلى أهل غضب وإلى أهل ضلال وإلى أهل إنعام ؟ كان الناس لربما في البلد المعين  في القبيلة المعينة على ملة واحدة ، فيأتي الرسول إليهم فيدعوهم إلى الله عز وجل ويبين لهم البراهين الدالة على صدقه فينقسم الناس في ذلك إلى هذه الأقسام الثلاثة : قوم يتبعونه فهؤلاء أهل الإنعام ، وقوم يتبين لهم حقيقة ما جاء به ويعرفون ذلك فينكرونه ويجحدونه فهؤلاء أهل الغضب ، وقوم أتباع كل ناعق يطمس الله عز وجل بصائرهم فلا يتبعون الحق وإنما يتبعون سادتهم وكبراءهم أو يعرضون عن ذلك بالكلية من غير قصد إلى جحوده وتكذيبه بأنه قام عندهم ما يدل على ذلك أو أنهم قصدوا تكذيبه لكبر في نفوسهم مثلاً أو نحو ذلك إنما هم أشبه بالبهائم ، يتبعون الكبراء والسادة فيحتجون عند الله عز وجل بهذه الحجة الساقطة الواهية ( إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) فهؤلاء كثير من البشر هم بهذه المثابة يلغون عقولهم ولا يفكرون ويتبعون هؤلاء المضلين .

هذه وجوه دلالة أو اشتمال هذه السورة على مقاصد القرآن .

كما أنها مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة .

فالتوحيد العلمي ؛ توحيد الأسماء والصفات ، وتوحيد الربوبية مدار ذلك على الرب والرحمن والرحيم والمالك والله ، كل ذلك بالإضافة إلى قوله ( الحمد ) فإن ( ال ) كما سيأتي للاستغراق ، استغراق جميع المحامد ، ولا يمكن أن تضاف جميع المحامد إلا لمن كان متصفاً بجميع صفات الكمال وإلا فإنه ينقص من حمده بقدر ما نقص من كماله ، فإذا كان قد بلغ في الكمال غايته فإن هذا يعني أن الحمد الكامل يضاف إليه وينسب إليه .

فالفاتحة مشتملة على التوحيد العلمي الخبري بطريق مجمل وبطريق مفصل :

أما الطريق المجمل فهو إثبات الحمد الكامل المطلق لله عز وجل ، فهذا يقتضي أنه موصوف بجميع أوصاف الكمال وأنه الرب الذي قد اتصف بصفات الربوبية جميعاً .

وطريق مفصل ، وهو كما ذكرت ، إثبات صفة الإلهية والربوبية والرحمة والملك ، وعلى هذه الأربع تدور الأسماء والصفات .

وأما توحيد الإلهية فهي مشتملة عليه أبلغ اشتمال ، فـ( الله ) يتضمن صفة الإلهية والجلال والجمال .

كما أن ( الرب ) يتضمن صفة الربوبية والفعل القدرة ونفوذ المشيئة والتدبير .

ومعلوم أن الربوبية إذا ثبتت فإنها تستلزم الإلهية ، لأن من ثبت أنه الرب وأنه النافع الضار المحي المميت الرازق المعطي المانع فما الحاجة إلى غيره ، فيلزم من ذلك أن يعبد ، ولهذا فإن القرآن يقرر هذه القضية كثيراً ويوجه السؤال للمشركين : من الذي يخلق ، من الذي يرزق ، من الذي يحي ، من الذي يميت ؟ فإذا أقروا وهم يقرون أنه الله وحده ؛ فإذاً هذا يقتضي أن توجه العبادة إليه ، فما حاجتكم بهذه الآلهة من دون الله تبارك وتعالى .

كما أن اسم ( الرحمن ) يتضمن صفات الإحسان والجود والبر واللطف .

وكون الله عز وجل ( مالك يوم الدين ) المالك يتضمن أوصاف العدل والقبض والبسط والخفض والرفع والعطاء والمنع والإعزاز والإذلال والقهر والحكم .

فهكذا تضمنت هذه السورة أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الأسماء والصفات ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية .

وأوضح موضع يدل فيها على توحيد الإلهية هو اسم الله، لفظ الجلالة (الله) و (إياك نعبد وإياك نستعين) .

وإذا أردنا أن نتأمل كل لفظة في هذه السورة ودلالتها على التوحيد فإننا نجد ذلك كثيراً حتى إن بعض أهل العلم لربما أوصلها إلى أكثر من ثلاثين وجهاً بدلالة سور الفاتحة على التوحيد ، بل إن بعضهم استنبط من البسملة فقط ما يقرب من ثلاثين وجهاً في الدلالة على التوحيد .

فالابتداء بـ( بسم الله ) إذا قلنا إن البسملة آية من سورة الفاتحة ، الابتداء باسم الله وتأخير المتعلق المقدر : بسم الله أبدأ ، بسم الله ابتدائي ، بسم الله أقرأ ، بسم الله قراءتي ، فالابتداء ببسم الله عز وجل له دلالة ومعنى .

وكذلك لفظ الجلالة ( الله ) كما قلنا يتضمن صفة الإلهية وهي متضمنة لصفة الربوبية ، ودخول ( ال ) على الرحمن فهي تدل على الاختصاص ، وكذلك دخول ( ال ) على الرحيم ، وكذلك دخول ( ال ) على الحمد ، لأن هذا يعني الاستغراق استغراق جميع المحامد ، وكما قلت لا يكون إلا للكامل ، لا يكون ذلك إلا للكامل من كل وجه .

وكذلك لام الاستحقاق الداخلة على لفظ الجلالة ( الحمد لله ) أي أن الحمد مستحق لله تبارك وتعالى وحده لا شريك له ، والمقصود بهذا الحمد هو الحمد التام ، وأما المحامد التي تضاف إلى المخلوقين فهي بحسب ما اتصفوا به من أوصاف الكمال ، ولذلك يتفاوتون ، فتجد أن بعضهم يحمد بما لم يحمد به الآخر ، والحمد الموجه إلى بعض الضعفاء المساكين من المخلوقين قد يكون أكثر من بعض إخوانهم من المخلوقين ، وأما الله عز وجل فله الحمد الكامل ( الحمد لله ) فاللام هنا للاختصاص أو للاستحقاق .

وكذلك دلالة الرب وإضافته إلى العالمين ، فالرب هذا يدل على توحيد الربوبية يتضمن توحيد الربوبية ، وهو يستلزم توحيد الإلهية .

وكذلك أيضاً حينما يضاف إلى العالمين ( رب العالمين ) فمعنى ذلك أنه رب العالَم العلوي والسفلي ، وكذلك أيضاً دلالة العالمين وهو اسم لما سوى الله عز وجل ، فليس ثمت  خالق أو مخلوق ، فكل هذا الخلق هو من جملة العالمين ( قال فرعون وما رب العالمين ) يقول لموسى e يقول ( وما رب العالَمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما ) فهذا هو العالَم أو معنى العالَمين ، ويدخل فيه كل شيء مما سوى الله عز وجل ، فالله ربه ومليكه .

ثم تأمل في ( العالمين ) ( رب العالمين ) فهذا يدل على الاستغراق أيضاً ، وكذلك مجيء العلامين بصيغة الجمع فهو لا يختص بالعالَم السفلي مثلاً أو العالَم العلوي أو يختص بعالَم الآدميين أو بعالَم الجن ؛ وإنما رب العالمين من جميع الكائنات من الطيور وأنواع الدواب والآدميين والجن والملائكة وما إلى ذلك مما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله جل جلاله .

وتأمل أيضاً في قوله ( الرحمن الرحيم ) حيث إنه يتضمن صفة الرحمة لله عز وجل .

وكذلك أيضاً تأمل في دلالة ( مالك يوم الدين ) من جهة دلالة لفظة ( مالك ) بمفردها ، وفي القراءة الأخرى ( ملك ) أي أنه الذي له الملك المطلق ، وهذا لا يعارض أن بعض المخلوقين يقال له ( ملك ) لأن ملكهم إنما هو بتمليك الله عز وجل ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) ثم إن ملك المخلوقين مسبوق بالعدم ويعقبه الزوال والذهاب فهم إما أن يموتوا عنه وإما أن يفارقهم في حياتهم ، وأما ملك الله عز وجل فهو كامل ثابت راسخ لا يتبدل ولا يزول ، ثم إن هذا الملك أضافه الله عز وجل إلى يوم الدين ، وتأمل هذه الإضافة مع أن الله عز وجل مالك العالم العلوي والسفلي فكله ملك لله عز وجل ، فالله مالك يوم الدين وملك يوم الدين لأن ذلك اليوم هو اليوم الأعظم ، هو اليوم الذي يخضع فيه الخلائق ويقول الله عز وجل لهم ( لمن الملك اليوم ) فهو لله الواحد القهار ، فلا أحد يدعي في ذلك اليوم ملكاً ، بينما في الدنيا قد يدعي الملك بعض المخلوقين وهم تحت ملك الله عز وجل وتصرفه ، ولهذا يقال : إذا كان الله عز وجل مالكاً ليوم الدين فما دونه من الأيام فملك الله عز وجل له أبلغ وآكد وأعظم فذلك من باب أولى ، فلا يفهم أحد أن الله عز وجل هو مالك ليوم الدين وليس مالكاً لغيره كهذه الحياة الدنيا ، لا ، إذا كان في ذلك اليوم الكبير الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون يجتمع فيه الملوك من أول الدنيا إلى آخرها ، ويجتمع فيه العوالم من الجن والإنس والدواب والطير كل ذلك يجتمع في ذلك اليوم مع أهل السماوات ، فإن هذا يقتضي أن ما عداه فإن ذلك متحقق لله عز وجل من باب أولى ، فالله عز وجل هو المالك وهو الملك كما سيأتي إيضاحه في الكلام على هذا الموضع من سورة الفاتحة بإذن الله عز وجل .

ثم أيضاً تأمل لفظ ( الدين ) وهو الجزاء والحساب ، فالذي يتولى حساب الناس ، والذي يتولى جزاءهم هو الله وحده لا شريك له ، ولذلك فإن الله عز وجل يبين لنبيه في مواضع من كتابه أن الذي عليه هو البلاغ فقط وأن الحساب إنما هو على الله عز وجل ( إن عليك إلا البلاغ ) فمهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام هي البلاغ والله عز وجل هو الذي يتولى حسابهم بعد إيابهم ، فهذا معنىً يختص بالله تعالى .

ثم أيضاً تأمل في قوله ( إياك نعبد ) من جهة تقديم المعمول ، فهذا يعني الإفراد بالعبادة التوحيد ، ومن جهة الفعل ( نعبد ) ( إياك نعبد ) فجميع الخلائق لا يخرجون عن هذا الاتصاف ، إما طوعاً أو قهراً .

قهراً : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ) وطوعاً : هؤلاء هم أهل الإيمان والاستجابة ، فالخلق جميعاً هم عبيد لله تبارك وتعالى .

ثم أيضاً تأمل في قوله ( إياك نستعين ) من جهة تقديم المعمول أيضاً ، إذ إن ذلك يدل على الحصر ، فهو المستعان به وحده ، وكذلك أيضاً الاستعانة تدل على عجز وفقر بالنسبة للمستعين ، وتدل على كمال وقوة واقتدار وغنى بالنسبة للمستعان به .

ثم أيضاً تأمل في وجه تخصيصه بطلب الهداية من جهة جمع الضمير في قوله ( اهدنا ) تطلب الهداية من الله عز وجل ، وكذلك أيضاً تقول ( اهدنا ) فالخلق جميعاً مفتقرون كل الافتقار إلى هداية الله عز وجل ولطفه ورحمته بهم فيبين لهم الحق ويوفقهم لاتباعه .

ثم أيضاً كون هذه الهداية مقيدة بأنها إلى الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم إنما هو التوحيد والإيمان ، ولا يمكن أن يكون ذلك بعبادة غير الله عز وجل أو التخليط في هذا المعنى .

ثم تأمل أيضاً في قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم ) لأن من يهدي إلى هذا الصراط الذي هو صراط من أنعم الله عليهم يستحق ألا يشتغل بغيره ( صراط الذين أنعمت عليهم ) لماذا يلتفت إلى غيره فيخضع المخلوق لهم ويُعَبِّدُ نفسه إليهم ، لا يحصل من وراء ذلك إلا الخيبة والذل لمخلوق يماثله ، فالذي يهدي إلى الصراط الصحيح المستقيم صراط أهل الإنعام هو الله عز وجل ، فلماذا يلتفت إلى غيره ، ولماذا يعبد غيره ويعظم غيره التعظيم الذي يستحقه الله عز وجل ؟

ثم تأمل في قوله أيضاً ( غير المغضوب عليهم ) فالوصول إلى النعم قد يكون منغصاً مكدراً بغضب المنعم ، فالله عز وجل يبين لنا كيف ندعوه ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) من غير غضب يصاحب ذلك ويداخله ويخالطه .

( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وذلك أنه قد يتوهم متوهم أن تحصيل الرضا ممن يطلب منه الرضا قد يكون مشوباً بشيء من الغواية ، وأما هذا الرضا الذي نطلبه من الله عز وجل هو رضاً بسلوك طريق مستقيم لا يشوبه غواية وانحراف وضلال كما أنه لا يلحق صاحبه غضب وسخط لله عز وجل ، لأن الغضب والسخط إنما يتعلق بمخالفة هذا الصراط ، وبالانحراف عنه ، فإذا سلكه الإنسان وسار عليه سيراً صحيحاً مع حسن القصد ، فإن ذلك يكون سبباً لنيل مرضاة الله تبارك وتعالى .

كما أن هذه السورة أيضاً تشتمل على الرد على جميع طوائف الانحراف وذلك في قوله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) إذ لا يخلو كل من ضل عن سلوك أحد هذين السبيلين ، وعن الاتصاف بأحد هذين الوصفين : إما أهل الضلال وإما أهل الغضب كما بينت .

كما أنها تشتمل على الشفاءين : شفاء الأبدان وشفاء القلوب والله عز وجل يقول : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) فجعله شفاء ولم يصفه بأنه دواء ، ولاحظ الفرق ، قد تقول أنت : هذا دواء ، ولكنه لا يناسبك أو لا يناسب من يصرف إليه فيتخلف عنه البرء بل قد ينعكس الحال فيكون ضرراً عليه .

فتأمل في قوله تبارك وتعالى ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء ) ما قال فيه دواء ، فعبر عن الغاية التي يوصل إليها والنتيجة المضمونة المأمونة وهي أنه شفاء ما قال دواء ، فإن الدواء قد لا يتحصل أثره ولا يترتب عليه نتيجته المرجوة لوجود مانع أو لفقد شرط بينما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء .

وهكذا القرآن ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ) وأعظم ذلك سورة الفاتحة فهي مشتملة على شفاء القلوب ، لأنها بينت صفة المعبود ، وبينت الطريق الموصل إليه ، وبينت أيضاً الطرق الأخرى التي تجافيها وتخالفها .

كما أنها أيضاً تشتمل على شفاء الأبدان وقد قال النبي  e ( وما أدراك أنها رقية ) فأبلغ ما يرقى به الإنسان في علته ومرضه أياً كانت إنما هو سورة الفاتحة فهي مشتملة على هذا وهذا ، ومن نظر إلى أحوال الناس في عللهم وأمراضهم وأسقامهم أياً كانت ونظر في أثر القرآن لا سيما في سورة الفاتحة نظر في أثر ذلك وجد عجباً ، وابن القيم رحمه الله كان يذكر عن نفسه أنه مرض بمكة فكان يرقي نفسه بسورة الفاتحة فقط ، يقول : فرأيت لذلك أثراً عجيباً ، وانظر إلى حال من يبتلون بتسلط الشياطين وبمسهم لهم كيف إذا قرئ عليهم القرآن سيما سورة الفاتحة رأيت لذلك أثراً عجيباً بليغاً .

وذلك الرجل الذي لدغ كما في حديث أبي سعيد الخدري  t فجاء أصحابه وقومه إلى أصحاب رسول الله  e وقالوا : هل فيكم من راق ؟ فرقاه رجل منهم فقام كأنما نشط من عقال ، كأنه ليس به بأس وقد لدغ .

فالحاصل أن هذه السورة مشتملة على هذا وهذا .

كما أنها أيضاً تشتمل من جهة أو على سبيل التفصيل على شفاء القلوب ، لأن علل القلوب وأمراض القلوب يدور على أصلين :

فساد العلم ، وهذا ينشأ عنه الضلال .

وفساد القصد، وهذا ينشأ عنه الغضب، والشفاء منه في الهداية إلى الصراط المستقيم، ولهذا نقول : (اهدنا الصراط المستقيم) .

وأما الشفاء من الغضب فهو بالتحقق من ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ( إياك نعبد ) فمن عبد غير الله فقد حصَّل أعظم أسباب الغضب ( وإياك نستعين ) فإن هذا يدفع العجب عن الإنسان ، الأول يدفع الشرك والرياء ( إياك نعبد ) أن توحد القصد والإرادة فتريد وجه الله عز وجل فحسب :

فلواحد كن واحداً في واحدِ     أعني سبيل الحق والإيمانِ

فيتوجه الإنسان بكليته إلى الله عز وجل ، أن توحد قصدك .

وكذلك أيضاً ( إياك نستعين ) يدفع عنه العجب والزهو والنظر إلى النفس وأنه اهتدى لكمال عقله وكمال إدراكه ولحساباته وما إلى ذلك ، فإذا تحقق العبد من ذلك من ( إياك نعبد وإياك نستعين ) علماً ومعرفة وعملاً وحالاً كان مهتدياً .

والأمراض التي تعرض للقلوب هي على قسمين :

إما كبر ، وهذا يدفع بـ( إياك نستعين ) .

وإما رياء وشرك ، وهذا يدفع بقوله ( إياك نعبد ) .

كما أنها أيضاً مشتملة على أصلي السعادة والفلاح والنجاح ، وهذان الأصلان علمي وعملي ، فأما العلمي فيتحقق بمعرفة المعبود ومعرفة الطريق الموصل إليه ومعرفة النفس وأدوائها وعللها ، فإذا عرف العبد ربه فإنه لا يعبد أحداً سواه ولا يعظم أحداً سواه ولا يتوكل على أحداً سواه ولا يشرك معه إلهاً آخر ، ومن عرف الطريق الموصل إلى الله عز وجل فإنه لا يضل ولا يحيد عنها فيعبد الله عز وجل على بدع وضلالات وأهواء، ومن عرف النفس وأدواء النفس وعلل النفس فإنه يحملها على سلوك الصراط المستقيم فيدافع عنه الآفات التي تعصف بالقلب وتتسلط على أصحاب القلوب المريضة فيبتلى العبد بالرياء والعجب ويكون دائراً بينهما، تارة يشرك بنفسه بالعجب ، وتارة يكون إشراكه بغيره وذلك بالرياء حينما يلتفت إلى المخلوقين فيصرف شيئاً من أعماله إليهم ، فيتقرب إليهم ويتزلف إليهم بما ينبغي أن يوجه إلى الله تبارك وتعالى  فمعرفة الخالق وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا أصل كبير تضمنته سورة الفاتحة ، هو أصل من أصول السعادة والفلاح تضمنته كما سمعتم في آياتها جميعاً في قوله ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ) ومعرفة الطريق الموصل إلى الله عز وجل ومعالم هذه الطريق والآفات التي قد تقطع طريق السالك إلى الله عز وجل وتحول بينه وبين الوصول إلى الله جل جلاله وذلك في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، فيكون ذلك بعبادته وحده لا شريك له وبالاستعانة به على تحقيق هذا المطلوب الكبير .

وأما معرفة النفس وعيوبها فذلك بقوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) فالعبد لا سبيل له إلى السعادة إلا بالاستقامة على الطريق الصحيح ، ولا سبيل إلى ذلك ، إلى هذه الاستقامة إلا بالهداية ، ولا يمكن أن تتحقق الهداية ولا العبادة إلا بإعانة الله عز وجل للعبد .

وفي قوله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) هذا بيان عن طرفي الانحراف عن هذا الصراط بسبب فساد القصد أو فساد العلم والاعتقاد .

وأما الأصل الثاني من أصول السعادة وهو الأصل العملي ، وذلك يتحقق بمراعاة حقوق الله تعالى على العبد والقيام بها جميعاً بإخلاص ومتابعة فيكون محسناً مع الله عز وجل .

ولا سبيل للعبد إلى استكمال هذين الأصلين إلا بإعانة الله عز وجل ، فالعبد مضطر كل الاضطرار إلى هداية ربه ومولاه وأن يجنبه الخروج عن ذلك بسبب عارض من شبهة أو شهوة .

وعلى كل حال يقول ابن القيم رحمه الله : “أول هذه السورة رحمة ، وأوسطها هداية ، وآخرها نعمة ، وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية ، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة ، فعاد الأمر إلى النعمة والرحمة وهما من لوازم الربوبية والتي هي من موجبات الإلهية ، فمن تحقق بمعاني الفاتحة علماً وعملاً فقد فاز في كماله بأوفر نصيب” .

كما أن هذه السورة الكريمة أيضاً مشتملة على إثبات سعة علم الله عز وجل ، وذلك من وجوه :

أولها : أنه المحمود ، الموصوف بصفات الكمال ، ولا يمكن أن يكون محموداً الحمد الكامل وموصوفاً بصفات الكمال إلا أن يكون عالماً بأحوال العالم العلوي والسفلي .

والوجه الثاني : أنه الإلهه المعبود ، وهذا يقتضي أنه يعلم من عبده ومن لم يعبده ومن عبد غيره .

ووجه آخر : وهو كونه رب العالمين ، كونه رب العالمين ، وهذا يقتضي أن يكون عالماً بتفاصيل العالم الذي خلقه وهو ربه تبارك وتعالى فهو مدبر له لا بد أن يعلم تفاصيله وما يجري فيه .

وهكذا في كونه ( الرحمن الرحيم ) فهو يعلم أحوال الخلق ، ومن تكون له الرحمة ، ومن لا تكون ، ومن يستحق السخط .

وكذلك أيضاً من كونه مالكاً ليوم الدين ( مالك يوم الدين ) فهذا يقتضي أنه يعلم أحوال مملكته ليجازي كلاً بعمله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

وهكذا من كونه مستعاناً به ومسؤولاً الهداية وهادياً ومنعماً على من أطاعه ويغضب على من عصاه ، كل ذلك يدل على تعلق علمه بالجزئيات والكليات بدقائق الأشياء وعظائمها .

هذه جملة من الأمور التي اشتملت عليها سورة الفاتحة .

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s