تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 5 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد

فيقول الله عز وجل في أول هذه السورة ( الحمد لله رب العالمين ) و ( ال ) الداخلة على الحمد وهي الداخلة على الأسماء والأوصاف ، تدخل على أسماء الأجناس وعلى الأوصاف هذه هي ( ال ) الاستغراقية ، أي أنها تدل على الاستغراق والاستيعاب والشمول ، وعلامتها التي يمكن التفريق بينها وبين غيرها كـ( ال ) العهدية ، أنك تستطيع أن تضع ( كل ) مكانها فـ( الحمد لله ) كأنك تقول ( كل الحمد مستحق لله عز وجل فـ( ال ) هنا ( الحمد لله ) أي أنك تضيف جميع المحامد لله جل جلاله .

وما معنى الحمد ؟ كثير من المفسرين ومن أهل اللغة يفسرونه بالثناء وهذا فيه نظر لما سيأتي ، والأحسن أن يقال : إن الحمد هو وصف المحمود  بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم ، فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم ، فإنه قد يكون نفاقاً وتزلفاً ، فإن من يطري غيره ويضيف إليه أوصاف الكمال ويضيف إليه المحاسن والمحامد فقد يكون غير صادق معه في هذا القول ، فيكون متزلفاً إليه منافقاً متملقاً له ليحصل طمعاً أو ليدفع عنه ضرراً ، فإذا كان هذه الإضافة ؛ إضافة المحامد للمحمود مع المحبة والتعظيم لهذا المحمود ولهذه الأوصاف أيضاً التي تضاف إليه فإن هذه هي حقيقة الحمد ، ولهذا فإن أحسن ما يفسر به هو ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، بأنه : الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لهذه المحاسن والأوصاف ، فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامداً ، ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامداً ، لو أن أحداً أحب هذه الأوصاف التي يتصف بها من الكرم والعلم والجود وما إلى ذلك لكنه ما أحب هذه الأوصاف وأضافها إليه لو أن أحداً أضافها إليه من غير محبة لها لم يكن حامداً، ولو أنه أحبها من غير إضافة إليه لم يكن حامداً.

إذا كان الأمر كذلك ، إذا كان الحمد هو إضافة المحامد والأوصاف الكاملة الحسنة للمحمود وليس هو بمعنى الثناء فما معنى الثناء إذاً الذي كثيراً ما نقرأ ونسمع في كلام أهل العلم تفسير الحمد به فيقولون : الحمد هو الثناء ( الحمد لله ) أي الثناء لله ، فلان يحمد ربه أي يثني على ربه ، فإذا كان الأمر ليس كذلك ، فما معنى الثناء إذاً ؟

الثناء هو ذكر تكرار الحمد ثانياً ، هذا هو الثناء ، وإذا كرر ثالثاً فإنه يكون من باب التمجيد ، والدليل على ذلك هو حديث أبي هريرة  t أن النبي  e قال : ( قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … ) الحديث وفيه : ( فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي ، وإذا قال العبد : ( الرحمن الرحيم ) قال الله : أثنى علي عبدي ) فلما كرره ثانياً سماه الله عز وجل ثناءً ( فإذا قال : مالك يوم الدين ، قال الله : مجدني عبدي ) والحديث مخرج في صحيح مسلم .

وأنت حين ما تقول (الحمد لله) هذا حمد مطلق، والحمد اسم جنس، والجنس معلوم أن له كيفية وكمية، فالثناء هو كمية الحمد وتكثيره، يعني أنه يكون ثانياً، ثنيت بذكر المحامد فهذا هو الثناء ، فالكمية هي الثناء، والتمجيد هو الكيفية ، وهذا على كل حال يدل على عدم دقة ما يفسر به الحمد بأنه الثناء مطلقاً والله تعالى أعلم .

وهذا الحمد الذي يضاف إلى الله عز وجل على نوعين :

حمد يضاف إليه لإحسانه وإفضاله المتعدي إلى المخلوقين ، فهو الذي يطعمهم وهو الذي يرزقهم وهو الذي يشفيهم وهو الذي يعطيهم وهو الذي يحسن إليهم بألوان الإحسان ، فهذا حمد إليه لإحسانه وإفضاله ، وهو بهذا الاعتبار من الشكر .

والحمد الثاني الذي يضاف إلى الله عز وجل ؛ هو حمد لما يستحقه سبحانه وتعالى من صفات الكمال ، يستحقه بنفسه من نعوت الجلال العائدة إلى ذاته وإلى أسمائه وإلى صفاته وإلى أفعاله ، وهذا الحمد الذي يكون من هذا القبيل لا يكون إلا على ما هو في نفسه من الكمالات التي تستوجب الحمد ، ولذلك فإنه لا يضاف إلا إلى من اتصف بهذه الصفات الكاملة .

إذاً الحمد المضاف إلى الله عز وجل منه ما يضاف إليه لإحسانه وإفضاله علينا، ومنه ما يضاف إليه لاستكماله سبحانه وتعالى ولاتصافه بأوصاف الكمال ولكمال ذاته ولكمال أفعاله وأسمائه ، فيضاف إليه هذا الحمد .

وإذا كان الحمد الذي يضاف إلى الله عز وجل بسبب إفضاله وإنعامه يكون من قبيل الشكر ، فهل الحمد الذي يضاف إليه لكمال ذاته وصفاته هو من قبيل الشكر أيضاً ؟

الجواب : لا ، وذلك يعرف بالفرق بين الأمرين : بين الحمد وبين الشكر ، وعبارات العلماء رحمهم الله تعالى في التفريق بينهما غير متوافقة مختلفة ، وليس ثمة حسب ما أعلم ما يحسم الأمر ويرفع هذا الخلاف ، ولكن قد يترجح بعض هذه الأقوال على بعض ، بل إن بعض أهل العلم وهو قول كبير المفسرين، ابن جرير الطبري رحمه الله ، ذهب هؤلاء إلى أن الحمد هو بمعنى الشكر ، وأراحوا أنفسهم من الفروقات التي يذكرها العلماء بين الحمد والشكر ، ومن فرق فذهب إلى التفريق من وجوه متعددة :

من أوضحها وأبرزها : أن الحمد كالمدح يقابل بالذم ، تقول : هذا الشيء محمود ، وهذا الشيء مذموم ، وتقول : فلان إذا أحب فإنه يحمد ، وإذا أبغض فإنه يذم مثلاً ، تقول : هذه أوصاف حميدة ، وهذه أوصاف ذميمة ، فالذي يقابل الحمد هو الذم .

وأما الشكر ؛ فإن الذي يقابله ليس الذم وإنما الذي يقابله هو الكفران ، فتقول : هذا شاكر للنعمة ، وهذا كافر لها ، ومنه الحديث : (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب) فجعل المقابل للشكر هو الكفر، وبهذا يتبين الفرق بين الأمرين من هذه الحيثية لمعرفة ما يقابل الحمد وما يقابل الشكر .

ووجه آخر في التفريق ، وهو أن : الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ، الثناء عليه بالقول يعني أنه لا يثنى عليه بالفعل ولا يثنى عليه بغير القول ، لا يثنى عليه بالقلب ، وإنما الحمد يكون بالقول ، طبعاً لا بد أن يكون مع مواطأة القلب ، لكن الشكران قد يقوم بالقلب فحسب كما سيأتي ، بينما الحمد لا بد فيه من القول .

فإذا كان يتعلق بالقول على الصفات اللازمة والصفات المتعدية ، الصفات اللازمة مثل العظمة ، والصفات المتعدية مثل الكرم والرزق وما أشبه ذلك ، هذه صفات متعدية ، صفة الرحمة متعدية ، فهذا الحمد يتعلق بالصفات اللازمة ويتعلق بالأوصاف المتعدية ، فنحن نحمد الله عز وجل على عظمته ، ونحمده أيضاً على كرمه وإحسانه إلينا.

وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الأوصاف المتعدية، ولا يكون على الأوصاف اللازمة في الأصل، فتقول: أشكرك على كرمك ، وأشكرك على حسن تعاملك ، وأشكرك على قيامك بعملك ، وأشكرك على إجادتك لهذه الصناعة ، فهذه أوصاف متعدية يشكر الإنسان عليها، لكنه لا يشكر على الأوصاف اللازمة، فما تقول : أشكرك لهيبتك سواء كانت اختيارية أو غير اختيارية ، غير اختيارية ما تقول : أشكرك على صباحة وجهك ، وأشكرك على بياض بشرتك ، وأشكرك على سواد لحيتك ، ما يشكر الإنسان على هذا ، وإنما يشكر على الأوصاف المتعدية فقط ، المتعدية للغير التي يكون لها أثراً على الغير .

وإذا كان الحمد باللسان مع مواطأة القلب طبعاً فإن الشكر يكون باللسان ، فتعلن ذلك بلسانك ، فتقول : أشكرك على هذا الفعل ؛ تنطق بالشكر .

ويكون أيضاً بالقلب ، فيقوم بالقلب الاعتراف والإقرار بالجميل واستحضار إنعام المنعم ، فيكون القلب عامراً بذكره والإقرار بفضله وإنعامه وجوده وإحسانه إليك ، فيقوم هذا المعنى بقلبك ، فيكون القلب شاكراً لهذه النعمة .

كما يكون أيضاً بالجوارح ، فيقوم العبد بالتقرب بجوارحه إلى هذا المنعم شكراً له على نعمته ، ويدل على ذلك أن الله عز وجل قال : (اعملوا آل داود شكرا) فسمى هذا العمل الذي يعملونه سماه بذلك ، ويدل عليه أيضاً قول الشاعر في البيت المعروف :

        أفادتكم النعماء مني ثلاثة       يدي ولساني والضمير المحجبا

يقول : أفادتكم النعماء مني سببت هذه النعمة التي وصلتني منكم ، أفادتكم النعماء مني ، يعني أثرت هذا التأثير ، أنها لما وقعت علي النعمة من قبلكم نتج عنها هذا الشكران .

     أفادتكم النعماء مني ثلاثة      يدي ولساني والضمير المحجبا

يدي ، أي أن صارت يدي تسعى إلى رد الجميل بخدمتكم ، ولساني يلهج بهذه النعمة ، وأيضاً والضمير المحجبا : أي أن ذلك يقوم بالقلب ، هو لا يمدحهم تزلفاً وتقرباً ولا يقوم ذلك بقلبه وإنما قلبه عامر فهو يتواطأ لسانه مع قلبه في هذا الشكر .

فالشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح .

وبعض أهل العلم يعرفون الحمد بأنه الثناء باللسان على الجميل الاختياري .

وقولهم إنه باللسان لا زالوا يدورون حول أن مورد الحمد هو اللسان ، أي أنه يصدر من اللسان لا من الجوارح ولا من القلب .

وأما الجميل الاختياري يعني الفعل المستحسن الذي يكون باختيار الإنسان ، مثل ما قلت لكم المدح يكون بالجميل الاختياري طبعاً بهذا الاعتبار سواء كان لازماً أو متعدياً ، لازماً مثل ما تقول : فلان يحمد على عظمته وعلى مهابته ، هذه لازمة .

والمتعدية تقول : فلان يحمد على كرمه ويحمد على إقدامه ويحمد على رحمته وشفقته على الفقراء ، فيحمد على هذا ويحمد على هذا ، يحمد على الحياء الذي هو صفة لازمة ، ويحمد على الرحمة والكرم التي هي من الصفات المتعدية .

لكن الحياء والكرم أليست من الصفات الاختيارية ، أليس كذلك ؟ هي من الصفات الاختيارية ، وأما صباحة الوجه وطول القامة وهيئة الإنسان التي خلقه الله عز وجل عليها من سواد وبياض وسمرة وما إلى ذلك هذا كله ليس له اختيار فيه ، فعلى هذا المعنى يكون الحمد يتعلق بالجميل يصدر من اللسان على الجميل الاختياري سواء كان لازماً أو متعدياً .

وبعض أهل العلم يقولون: الشكر هو ثناء على الله بأفعاله وإنعامه، والحمد ثناء بأوصافه، وهذا لا وجه له.

وبعضهم يقولون: لا يكون الشكر إلا على جزاء نعمة ، بينما الحمد يكون جزاء كالشكر ويكون ابتداء هذا كله يحاولون التفريق به بين الحمد وبين الشكر .

فيقولون الحمد يكون على جزاء النعمة وغير النعمة ، ولذلك فإن النبي  e إذا وقع له ما يسره ما ذا يقول : يشكر الله عز وجل  ، وإذا وقع له شيء غير ذلك حمد الله على كل حال ، وإذا وقع له ما يسره شكر الله على هذه النعمة .

فالحاصل أن الحمد بهذا الاعتبار يكون على الأمور التي يحبها الإنسان والتي لا يحبها فتحمد الله عز وجل على المصائب التي تقع بك ، كما أنك تحمده على النعم التي يسديها إليك .

ويكون أيضاً الحمد بهذا الاعتبار يكون جزاءً كالشكر ، يعني في مقابل النعمة لأنك تحمده على النعمة وتحمده على الأمور التي لا تحبها فما يقابل النعمة يكون من قبيل الشكران ، فيكون في مقابل نعمة فهذا بمعنى الشكر ، ويكون ابتداءً أيضاً ، ابتداءً فأنت في كل حال تقوم وتقعد تقول الحمد لله يكون ابتداءً ، بينما الشكر يكون بمقابل النعمة .

بعد ذلك قد يسأل بعضكم ، بعد هذه الفروقات ، أيها أعم ؛ الشكر أو الحمد ؟

فبعض أهل العلم يقولون : إن بينهما عموماً وخصوصاً ، بمعنى أن كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه آخر ، فليس واحد منهما أعم من الآخر مطلقاً فنقول الحمد أعم من الشكر ونرتاح ، أو نقول الشكر أعم من الحمد ونستريح ، لا ، الحمد أعم من بعض الجهات ، وهو أخص من جهات أخرى والعكس يقال في الشكر .

فالحمد أعم من أي جهة ؟ من حيث ما يقعان عليه ، ليه ؟ لأن الحمد يكون على الصفات اللازمة والصفات المتعدية ، تقول: حمدته لكرمه ، هذه متعدية أو لازمة ؟ متعدية ، وتقول : حمدته لفروسيته وحيائه ، هذه لازمة أو متعدية ؟ لازمة ، فهو إذاً الحمد أعم من الشكر من جهة أنه يكون على الأوصاف اللازمة والأوصاف المتعدية ، وهو أخص من الشكر من حيث الأداة التي يقع بها الحمد ، ما هي الأداة ؟ اللسان ، هو الثناء بالقول ، بينما الشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح ، فالشكر من هذه الحيثية أعم من الحمد .

وأيضاً الشكر لا يكون إلا على الأوصاف المتعدية ، فهو أخص من الحمد من هذه الناحية ، فما تقول شكرته لعظمته ، وإنما تقول شكرته لكرمه ، وهكذا .

 وبعض أهل العلم كابن عطية يقول : إن الحمد أعم من الشكر لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر ، وشكره نوع من الحمد ، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئاً ، أي أنه يحمد ابتداءً ، والشكر لا يكون إلا في مقابل الإنعام ، ولا شك أن هذا في بعض الوجوه قد يكون مقبولاً ، إلا أن الواقع أن الحمد يكون ابتداءً ويكون في مقابل النعمة .

والحاصل أن الحمد أخص من الشكر مورداً ، إذ إن مورده هو اللسان ، وأعم منه متعلقاً ، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح من حيث المورد، وأما ما يقعان عليه، ما يتعلقان به، فإن الشكر يتعلق بالنعمة، وأما الحمد فيكون متعلقاً بالنعمة وبغير النعمة .

ويؤخذ من افتتاح هذه السورة بالحمد مشروعية حمد الله عز وجل في افتتاح الكتب والرسائل والكلمات وما إلى ذلك ، لأن هذه السورة افتتحت به ، وهي فاتحة سور القرآن ، كما أن النبي  e  كان من هديه إذا كتب كتاباً رسالة فإنه يفتتح ذلك بالبسملة .

بعد ذلك إذا كان هذا هو الفرق بين الحمد والشكر ، وبين الحمد والثناء ، وبين الحمد والتمجيد ، بقي أن نعرف ما الفرق إذاً بين الحمد وبين المدح ؟ وهي ألفاظ كما ترون بينها تقارب في المعنى .

فالمدح أعم من الشكر وأعم أيضاً من الحمد هو أعم من الاثنين من حيث ما يقع عليه ، فإن المدح يكون على ما يقع من الإنسان على وجه التسخير ، وما يقع منه على سبيل الاختيار سواء كان متعدياً أو لازماً ، فقد يمدح الإنسان بطول قامته ، ويمدح ببذل ماله ، ويمدح على حيائه ، ويمدح على علمه ، ويمدح على شجاعته ، وعلى فروسيته ، وهو يقع أيضاً المدح على الحي والميت والصغير والكبير ، وعلى الحيوان والإنسان والنبات والجماد والزمان والمكان ، تقول فلان يمدح المكان الفلاني ، فلان رأى بيت فهو يمدحه ، فلان يمدح السيارة الفلانية ، وفلان يمدح الهواء عندهم ، وفلان يمدح المطر ، وفلان يمدح المزرعة أو الشجرة وهكذا ، هذا هو المدح أعم من الحمد والشكر .

لكنه يكون باللسان فقط ، وهل يشترط فيه مواطأة القلب ؟

الجواب : لا ، لا يشترط فيه موطأة القلب ، إنما الذي يشترط فيه مواطأة القلب هو الحمد ، وأما المدح فكما قال النبي  e : ( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوهم التراب ) فإن المداح قد يكون يمدح بحق ، وقد يكون يمدح بباطل ، ومن كان يكثر المدائح فإنه مظنة ، فإن فعله يكون مظنة للمدح بالباطل وبالمبالغة في الإطراء ، ولذلك قال الله عز وجل عن الشعراء ( والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) ومن أسباب وصفهم بهذا هو أنهم إذا رضوا مدحوا ولو بالباطل وإذا لم يرضوا فإنهم يذمون هذا الذي لم يرضوا عنه ولو كان هذا الذم من قبيل الظلم له ، فإذا رضي قال أحسن ما يجد ، وإذا غضب قال أسوأ ما يجد والله المستعان .

الله عز وجل في هذه السورة قال : ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ) وهذه الأمور التي يذكرها الله عز وجل بينها ملازمة ، فما الملازمة بين الحمد وبين الملك ؟

الله عز وجل يحمد نفسه عند خلقه وأمره ، لينبه عباده على أن مصدر الخلق والأمر عن حمده فهو محمود على كل ما خلق وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح ، ويجمعهما كما يقول ابن القيم رحمه الله : التبارك ، كما قال الله عز وجل ( فتبارك الله ) (ألا له الخلق والأمر فتبارك الله) وهنا في سورة الفاتحة قال:
( الحمد ) عبر بالجملة الاسمية ، ما قال أحمد الله رب العالمين ، أو بفعل الأمر قال احمدوا الله رب العالمين ، والتسبيح قال ( سبح لله ما في السماوات ) ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( يسبح لله ) فجاء بالأفعال الثلاثة : المضارع والماضي : سبح وسبح بالأمر ، يدل على أن التسبيح مستحق لله عز وجل في الأزمنة الثلاثة ، في الزمن الماضي والحاضر المستقبل .

هنا بالحمد عبر بالجملة الاسمية ، وما فائدة ذلك ؟

الجملة الاسمية تدل على الاستمرار والثبات والدوام ، فهذا يدل أو يشعر بأمر ومعنى وهو أن الحمد مُسْتَحَقٌ لله عز وجل في كل الأوقات والأزمان والأمكنة والأحوال ، في كل وقت ومكان وحال .

وهذا الحمد ( الحمد لله رب العالمين ) في هذه السورة لم يذكر الله جل جلاله ظرف هذا الحمد من جهة الزمان ولم يذكر ظرفه من جهة المكان ، ولكن الله عز وجل بيّن ذلك في موضع آخر ، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن ( الحمد لله رب العالمين ) ما ظرف هذا الحمد من جهة الزمان وما ظرفه من جهة المكان ؟

في ما يتعلق بالظرف المكاني قال الله في سورة الروم : ( وله الحمد في السماوات والأرض ) .

وذكر ظرفه الزماني ( وعشياً وحين تظهرون ) .

وأوضح من هذا في ظرفه الزماني قول الله عز وجل في سورة القصص : (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة) فظرف الحمد من جهة المكان: السماوات والأرض، له الحمد في السماوات وفي الأرض.

وظرفه من جهة الزمان : الدنيا والآخرة ، فله الحمد في الدنيا وله الحمد في الآخرة .

فالله له الحمد المطلق الكامل في كل وقت وفي كل مكان .

وحينما نقول : ( الحمد لله ) هذه اللام للاستحقاق ، أي أن الحمد مستحق لله عز وجل ، أو الحمد ثابت له ، أو أن الحمد مستقر لله عز وجل ، وهذا أحسن ما يقال في بيان المقدر ( الحمد لله ) الحمد مستقر لله ، الحمد ثابت لله ، الحمد كائن لله ، وما أشبه ذلك .

وهذا أحسن من أن يقدر بالفعل فيقال : الحمد استقر لله ، فإن تقديره بالمصدر أبلغ ، وتعليل ذلك لا حاجة لذكره في هذا الدرس.

فعلى كل حال اللام هذه لام الاستحقاق ، واللام تأتي بمعانٍ كثيرة على كل حال ، لكن حتى أقرب لك فهمها : إذا أضفت شيئاً إلى شيءٍ من شأنه أن يملك وهذا الشيء المضاف هو ذات من الذوات ، إذا أضفت ذاتاً إلى ذاتٍ من شأنها أن تملك ، فإذا قلت : الكتاب لفلان ؛ فاللام لفلان هي لام الملك ، أضفت ذاتاً وهو الكتاب إلى ذات من شأنها أن تملك ( فلان ) وإذا أضفت ذاتاً إلى ذاتٍ ليس من شأنها أن تملك ، فهذه اللام للاختصاص ، إذا قلت : المفتاح للباب ، والمسمار للمسجل ، والغلاف للكأس ، فهذه اللام للاختصاص ، وإذا أضفت معنى ، لم تضف ذاتاً ؛ أضفت معنىً من المعاني إلى ذات ، فهذه اللام للاستحقاق ، فإذا قلت : الحمد ، الحمد معنى وإلا ذات ؟ معنى؛ الحمد لله أضفته إلى ذات من الذوات (الحمد لله) فاللام هنا ليش؟ اللام للاستحقاق ؛ أي أن الحمد مستحق لله ، هذا معنى ما ذكرت من أن اللام هنا للاستحقاق ، الحمد لله ، الحمد مستحق لله ، والمعنى : الحمد مستقر لله عز وجل ، الحمد ثابت لله تبارك وتعالى .

إذاً : (لله) هذا جار ومجرور ، اللام حرف جر ، يتعلقان بمحذوف مستقر ، ثابت ، مستحق ، أو واجب، أو نحو ذلك ، والله أعلم .

وإذا قال العبد : ( الحمد لله ) فإنه بهذا يكون قد أثبت كل كمال للرب تبارك وتعالى فعلاً ووصفاً واسماً ، ونزهه عن كل عيب وسوء فعلاً ووصفاً واسماً ، فالله عز وجل محمود في أسمائه وفي ذاته وفي صفاته وفي أفعاله وفي كل شأن من شؤونه مع أنه منزه عن كل عيب ونقص ، لماذا نقول هذا الكلام ؟ لأن ( ال ) كما قلنا تدل على الاستغراق ، فإذا قلت : كل المحامد لله فمعناه أنه لا يلحقه وصف نقص ، وإلا تكون بعض المحامد مستحقة له ، لأن المحمود يستحق من صفات الحمد ، يستحق من المحامد على قدر ما فيه من أوصاف الكمال ، فعلى قدر نقصه ينقص ما يضاف إليه من المحامد ، فإذا قال العبد : ( الحمد لله ) فهو يضيف جميع المحامد لله عز وجل وهذا لا يكون البتة لمن كان يلحقه شيء من أوصاف النقائص أو ممن كان عادماً لبعض أوصاف الكمالات ، ولذلك النبي  e أول ما هاجر إلى المدينة سأل بعض بطون الأنصار : ( من سيدكم ؟ فقالوا: فلان بن فلان على أننا نبخله ) يقولون: هو سيد على أننا نبخله، يعني أننا نرميه بالبخل ، فقال النبي  e : ( وأي داء أدوا من البخل ، وإنما سيدكم فلان ) فإذاً هذا السيد وجد فيه صفة من صفات النقص وهي البخل ، فهو بهذا ناقص ، وأما من اكتمل من كل وجه وتنزه عن كل عيب ونقص ، فهذا الذي له الكمال المطلق ، بتحقق أوصاف الكمال فيه وللتنزه عن جميع النقائص .

هكذا نفهم من هذه الإضافة ( الحمد لله ) .

ولهذا كان الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله كما يقول ابن القيم رحمه الله :مع المحبة والرضا عنه والخضوع له ، فلا يكون حامداً من جحد صفات المحمود ولا من أعرض عن محبته والخضوع له ، وكل ما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل ، وكل ما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها ، ولهذا كان ( الحمد لله ) حمداً لا يحصيه سواه ، لكمال صفاته وكثرتها ، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه.

فحينما نقول : ( الحمد لله ) هذا الاسم الكريم عرفتم معناه ، وهو أحق بالعبادة ، لماذا ؟ لأنه يتضمن صفة الإلهية ، ومعلوم أن الله هو المألوه ، يعني المعبود الذي تألهه الخلائق ، أي أنها تعبده وتخضع له مع المحبة والتعظيم والإجلال ، وعرفنا قبل أن هذا الاسم الكريم يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى بأنواع الدلالة الثلاث : المطابقة ، والالتزام ، والتضمن .

فهو يدل على إلهية الله عز وجل المتضمنة لصفات الإلهية الثابتة لله جل جلاله مع نفي أضدادها عنه ، ومعلوم أن الأسماء الحسنى كما سبق تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها هذا الاسم الكريم ( الله ) .

ثم أيضاً هذا الاسم الكريم يدل على أن الله عز وجل هو المألوه المعبود الذي تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج ، وهذا يستلزم لكمال الربوبية والرحمة وهما يتضمنان كمال الملك ، فمن كملت فيه هذه الأوصاف فقد كمل ملكه وكمل حمده أيضاً لكمال صفاته مع تنزهه عن النقائص .

وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه ؛ كل ذلك يستلزم لصفات كماله جميعاً بلا استثناء لأنه يستحيل ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر كما شرح ذلك ابن القيم رحمه الله وأطال في بيانه .

وقولنا ( الحمد لله ) هذه جملة خبرية ، هي جملة خبرية لكنها تتضمن معنى الأمر ، فكأن الله عز وجل يخبر عن اتصافه بالحمد وفي نفس الوقت هو يعلم عباده كيف يحمدونه ، كما قال الله عز وجل : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) .

وفي حديث أبي مالك الأشعري  t عند مسلم: (الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان).

وفي حديث أنس عند مسلم : ( إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها ) .

فالله يحب منّا الحمد ويثيبنا عليه ويرضى منّا ذلك ، فهو حينما يقول ( الحمد لله ) فهو يخبرنا عن نسبة المحامد إليه سبحانه وتعالى ، وهو في نفس الوقت يعلمنا أن نحمده ونضيف ذلك إليه جل جلاله .

( الحمد لله رب العالمين ) رب العالمين هو خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم .

والرب يأتي بمعانٍ متعددة ، وتأمل في هذه المعاني ثم بعد ذلك تستطيع أن تعرف هل صفة الربوبية من صفات الأفعال أو أنها من الصفات الذاتية ؟

فالرب يأتي بمعنى السيد المطاع في كلام العرب كما قال لبيد :

    وأهلكنا يوماً رب كندة وابنه              ورب مَعَدٍّ بين خبتٍ وعرعرِ

ورب كندة يقصد والد امرؤ القيس ، أهلكوه في هذا المكان بين خبتٍ وعرعرِ .

فالحاصل أنه قال : رب كندة ؛ أي سيد كندة ، فالرب هو السيد .

وكما قال النابغة :

    تخب إلى النعمان حتى تنالَه          فدىً لك من ربٍ طريفِ وتالدِ

يعني يقول : أفديك بطريفِ وتالدِ ، يعني بكل أموالي القديمة والتي امتلكتها وحصلت لي حديثاً ، أعطيك كل ما أملك من القديم والجديد .

فالشاهد فيه قوله : فدىً لك من ربٍ ؛ يعني من سيدٍ ، هذا المعنى الأول : السيد ، المطاع .

والمعنى الثاني : المصلح للشيء القائم عليه المدبر له المتولي لشؤونه ، كما قال الفرزدق :

كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت          سلاءها في أديم غير مربوبِ

في أديم غير مربوب : يعني : الأديم معروف : الجلد ، في أديم غير مربوب : يعني غير مصلح .

ومعنى سلأ السمن أي طبخه وعالجه فأذاب زبده ، ومعروف أن العرب في أخبارهم في الجاهلية أن الحمس كانوا لا يسلأون ولا يأقطون  ، يعني أنهم لا يستخلصون من الحليب مشتقات الحليب المعروفة من الزبد والأجبان وما إلى ذلك .

لا يسلأون ولا يأقطون، ولا يصنعون منه الأقط، ما يطبخون الحليب فيصنعون منه الأقط كما هو معروف، فلا يأخذون شيئاً منه من خلاصته كالزبد ولا يطبخونه فيصنعون منه أقطاً ، وإنما يبذلونه جميعاً للحجيج في الموسم ، لا يسلأون ولا يأقطون ، يبذلونه لهم مجاناً ، فهذا الشاعر يقول :

في أديم غير مربوب : يعني غير مصلح ، فالمصلح لأمور غيره الذي يربها أي يصلحها فهو يقال له في كلام العرب ربٌّ .

وأيضاً المعنى الثالث : هو المالك للشيء والمتصرف فيه ، ومنه قول عبد المطلب في القصة المعروفة مع صاحب الفيل أبرهة ، ما ذا قال له ، قال : أنا رب الإبل ، والبيت له رب يحميه ، يعني أنا صاحب الإبل ، أنا المالك لها ، فالرب بمعنى المالك ، وتقول فلان رب الدار ، بمعنى مالك الدار .

إذا كان رب الدار للدف ضارباً      فشيمة أهل البيت …

فالحاصل أن الرب يأتي بمعنى المالك .

ويأتي بمعنى صاحب الشيء ، يمثل لذلك بقول الله عز وجل : ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) فرب العزة ليس معناه خالق العزة ، وإنما معناه صاحب العزة .

ويأتي الرب بمعنى المعبود ، كما قال الله عز وجل عن يوسف  e لما قال لمن معه في السجن للرجلين : (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) أأرباب متفرقون : يعني المعبودين ، خير أم الله الواحد القهار .

ومنه قول غاوي بن عبد العزة في البيت المشهور :

أرب يبول الثعلبان برأسه        لقد هان من بالت عليه الثعالب

يعني أمعبود يبول الثعلبان ، الثعلبان : يعني الثعلب ، يقال له ثعلبان ، في القصة المعروفة في السيرة ، لما جاء الثعلب وبال على رأسه فكان ذلك سبباًَ لتركه وترك عبادته .

أرب يبول الثعلبان برأسه ؛ كيف يكون معبوداً وهو بهذه المنزلة من الهوان والذل والضعف والعجز ، فقد هان من بالت عليه الثعالب .

فهذه جميعاً : المعبود ، والمالك ، والمتصرف ، المربي ، إلى آخره ؛ كل هذه تصدق على الله عز وجل .

فالله هو السيد الذي لا شبه له ، ولا مثل في سؤدده وفي ذاته وأسمائه وصفاته ، وهو المصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من النعم ، وهو المالك الذي له الخلق والأمر ، وهو مربي الخلق ، وهو معبودهم ، والقائم على خلقه ، وهو صاحب العزة .

وبهذا الاعتبار تكون صفة الربوبية صفة ذات أو صفة فعل ؟

إذا نظرنا إليه بمعنى المالك والسيد والمعبود فهي صفة ذات .

وإذا نظرنا إليها باعتبار أنه هو المربي لخلقه فهي صفة فعل .

ولذلك نقول : إن صفة الربوبية هي صفة ذات وصفة فعل ؛ لأن جميع هذه المعاني صحيحة وثابتة .

وهذا الاسم الكريم ( الرب ) الذي يتضمن هذه المعاني جميعاً يختص بالله عز وجل عند الإطلاق ، وأما عند الإضافة فلا مانع من إطلاقه على غير الله عز وجل بقيد ، فيقال : رب الدار ، رب الإبل ، رب السيارة ، وما أشبه ذلك .

وأما إذا أطلق ، قيل : فلان رب ؛ هذا لا يجوز إلا لله عز وجل ، وقد جاء قليلاً في كلام العرب استعمال هذا الاسم الكريم ، هذا الاسم الذي لا يصلح إلا لله عز وجل عند الإطلاق ؛ إطلاقه على غير الله عز وجل من غير إضافة ، وهذا من كفرهم على كل حال وجهلهم .

ومنه قول الحارث من حلّزة ، يقول :

وهو الرب والشهيد على يومِ           الحيارينِ والبلاء بلاءُ

يقصد رجلاً هو المنذر .

يقول : وهو الرب والشهيد على يوم       الحيارين والبلاء بلاءُ

فهذا لا يلتفت إليه ولا يجوز أن يقال لأحد : إنه رب ؛ هكذا من غير تقييد ولا إضافة .

هذا الاسم ( الرب ) نحن عرفنا قاعدة من قبل أن كل الأسماء الحسنى مشتقة ، فهذا الاسم من أين اشتق ؟ من أين أخذ ؟

قيل مأخوذ من التربية ، التربية للشيء ، وتنميته ، وتبليغه إلى كماله ، لأن التربية في حقيقتها ؛ هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً .

وقيل مأخوذ من ربه يربه ، فهو صفة مشبهة ، ربه يربه فهو رب ، وإذا نظرنا إليه باعتبار أنه مدبر لخلقه ومربيهم .

على كل حال ( الرب ) هذا الاسم يمكن أن يكون مأخوذ من التربية ، ويمكن أن يكون مأخوذ من الفعل ، ربه يربه فهو صفة مشبهة ، وهذا الاسم أحق بالاستعانة كما قال ابن القيم رحمه الله ، لأن من أخص معاني الرب المالك والمدبر والقائم بما يصلح الخلق، ولهذا كان أكثر دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يا رب، ربنا ، ربي ، وما أشبه ذلك .

فطلب المنافع ودفع المضار أعلق باسم الرب من غيره من الأسماء الحسنى ، لأن من معاني الربوبية : العطاء والمنع ، ولذلك كان أكثر الدعاء الذي ذكره الله عز وجل في القرآن عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذا الاسم الكريم ( يا رب ) ، وهذه الفائدة نبه عليها الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذا المعنى : ” عامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الرب ” .

وأما علة ذلك فهو أن نداء العبد للرب نداء رغبة وطلب بما يصلح شأنه من دفع الأمور المكروهة أو جلب الأمور المحمودة كل ذلك يتعلق بالربوبية فجاء به هنا في هذا الموضع ليعلمنا كيف نتأدب معه سبحانه وتعالى، فإذا دعا العبد فإنه يطلب من ربه جل جلاله يطلب منه بهذا الاسم الكريم ، يقول : يا رب ، ولا مانع من أن يدعو باسم آخر ، فيقول : يا الله ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا عزيز ، يا غفور ، والله عز وجل يقول : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله : ” فالاسم الأول – يعني الله – يتضمن غاية العبد ومصيره ( الحمد لله ) ومنتهاه وما خلق له وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله ، والاسم الثاني – يعني الرب – يتضمن خلق العبد ومبتداه وهو أنه يربه ويتولاه ” مع أن الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية ،والربوبية تستلزم الإلوهية أيضاً ، لأننا نحن نعرف أن الله أو الألوهية تتضمن صفة الربوبية كما سبق ، وأن الربوبية تستلزم الألوهية وقد شرحت هذا المعنى من قبل .

إذا قلنا إن من معاني الرب الصحيحة : المربي لخلقه ، فما هذه التربية التي يربي الله عز وجل خلقه بها ؟

فقل ذلك من وجوه متعددة :

منها : التربية الخلقية ، بمعنى أن الله عز وجل يخلقهم في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث وينقلهم من طور إلى طور ، ثم بعد ذلك يولد الإنسان ويقوى ويشتد ويصلب عوده فيمر بمراحل شتى في حياته بعد خروجه إلى هذه الدنيا ، فهذا كله من التربية الخلقية التي يربينا الله عز وجل بها ، فهذه تربية .

والتربية أيضاً الأخرى وهي : تربية الهداية الفطرية ، تلاحظ أن المولود حينما يولد من الآدميين والحيوانات حينما يخرج من بطن أمه يلتقم الثدي ، من الذي علمه ذلك ؟ من الذي علم هذه الكائنات أن تتصرف في تصرفات شتى لتحصل معاشها وتحمي أنفسها من الإنقراض والهلاك ؟ من الذي علمها ذلك ؟

هو الله جل جلاله بهذه التربية الفطرية ، ومن ذلك ، أن الله عز وجل أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ، فمن الذي علم السباع أن تأكل اللحوم ؟ وعلم بهيمة الأنعام وما شابهها أن تأكل الحشائش وأوراق الأشجار والنباتات ؟ لا يخطئ واحد من السباع فيأكل النباتات ، أو نجد شيئاً من بهيمة الأنعام يأكل اللحوم ، لماذا ؟

لأن الله عز وجل ألهمها ورباها هذه التربية الفطرية ، لماذا نجد أن المولود أو الصغير لم يعلم كيف يأكل ؟ تمتد يده مباشرة إلى أي شيء أمامه ثم يضعه أين ؟ في فمه ، لماذا لا يضعه في أذنه ؟ لماذا لا يضعه في عينه ؟ لماذا لا يضعه في أنفه ؟ لماذا في الفم ؟ من علمه أن هذا هو الطريق إلى المعدة ؟ وأنه يأكل ليتحقق له الشبع أو الري عن طريق هذا التجويف وهو الفم ؟ من علمه ذلك ؟ هل الأم تعلم ولدها في الصغر أن هذا الفم هو ؟ أبداً ، هذه تربية فطرية ، هداية فطرية ، يهدي الله عز وجل بها الخلائق .

وهناك هداية أعظم من هذه ، وهي الهداية الشرعية التي تكون بإنزال الكتب وإرسال الرسل بتنزل الوحي لهداية الخلق ، لبيان الشرائع ، وبيان الطريق التي توصل إلى الله جل جلاله ، وهذه نعمة عظمى يختص بها بعض الخلق ، فهذه لا تكون للحيوانات ، ولا للجمادات ، وإنما تكون للعقلى من بني آدم ومن الجن ، فيربيهم الله عز وجل هذه التربية ، فينزل عليهم الوحي ويتدرج ذلك ، ويعلمهم كيف يعبدونه ، ويعلمهم دلائل قدرته وتوحيده وعظمته وما إلى ذلك من الأمور التي تعرفونها ، كيف عرفنا هذا جميعاً ؟ هو بهذه الهداية .

وهناك تربية أخرى؛ وهي تربية معيشية بتسخير ما في هذا الكون لهم، هذا البترول كيف اكتشفه الإنسان؟ وكيف صارت تقوم عليه الآن حضارة كبيرة جداً حضارة مادية ، ورزق الله به أمماً ، وهذه المأكولات والنباتات التي تخرج من الأرض ، كيف يستفيد منها الإنسان ؟ وكيف عرفها ؟ والأشياء المستخرجة من البحار ، من الحيوان ، والنبات ، كيف عرفها الإنسان وتعامل معها بألوان شتى من التعاملات حتى انتفع بها في طعامه أو شرابه أو في أي شأن من شؤونه في العلاج في الدواء ، كيف عرف هذه الأشياء وهي في قعر البحر: كيف عرف أن المادة الفلانية في الخاصية الفلانية؟ وأن الشيء الفلاني ينفع في علاج المرض الفلاني؟ وأن النبات الفلاني يخلط مع كذا وكذا فينفع في كذا ؟ أو حتى في الأكل ، الآن لو جاء الإنسان يستف الحب وهو لم يطهى ولم يطبخ، فإنه لا يستسيغه، من علمه أنه يضعه على النار ويضعه مع الماء وإلى آخره، حتى يجد به ألوان المطعومات الطيبة المستلذة ، كيف عرف هذه الأشياء ؟ هو بتربية الله عز وجل له ، هذه التربية التي سخر له فيها ما في هذا الكون .

وهذه الدواب تأكل من الأرض ثم تمتد خواصرها ، ثم تمتلئ أجسامها باللحم وما إلى ذلك ، ثم تكون طعاماً لهذا الإنسان ، فهو يرقبها ويرعاها هذا الإنسان ، ثم بعد ذلك يجعلها في طعامه ، وهذا الذي تأكله من العلف من النباتات تمتد ضروعها وتمتلئ باللبن ثم يشربه الإنسان سائغاً ، وهكذا سخر الله عز وجل له هذا الكون ، فهذا من تربية الله جل جلاله لنا .

وإذا عرفتم هذه المعاني عرفت لماذا عقب الله عز وجل الربوبية بالرحمة فقال ( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم ) فربوبيته مبنية على الرحمة ، هذه الربوبية التي يربينا الله عز وجل فيها بألوان هذه التربية مبنية على رحمته وإلا لم نجد شيئاً ننتفع به ولا نأكله ولم يسخر لنا شيء من هذه الأشياء التي في الكون ، وإنما سخر ذلك جميعاً وهدينا إليه ونزلت الكتب وأرسلت الرسل ، كل ذلك رحمة من الله عز وجل بنا ، فهو ربنا ومالكنا وسيدنا ومربينا والمتصرف في شؤوننا ، وهو أيضاً رحيم بنا .

فهذه الآثار من الإنعام والتربية التي تصلنا من الله جل جلاله ناتجة عن رحمته سبحانه وتعالى ، وهي أثر من آثارها ، ولهذا قال بعدها ( الرحمن الرحيم ) فهذه عقيدة إذا رسخت في قلب العبد أن ربوبية الله مبنية على الرحمة ؛ عظم ربه جل جلاله ، وأحبه المحبة اللائقة بالله ، وأتذكر أني قرأت قديماً لا أذكر في أي كتاب الآن عن بابل ، وسبب تسمية هذه البلدة بهذا الاسم ، لماذا قيل لها : بابل ؟ فذكرت بعض الأخبار الإسرائيلية التي هي من كذب بني إسرائيل على الله عز وجل وتجنيهم عليه ، لكن كنت أعجب إذا كان قوم ينظرون إلى ربهم بهذه النظرة فكيف يعبدونه ، وهل يوجد في قلوبهم محبة له هؤلاء اليهود ؟ فيقولون : إن الله عز وجل أول ما أنزل الخلق أنزلهم في بابل في هذه البلدة ، فكانوا مجتمعين ، ثم بعد ذلك أرادوا أن يتفقوا وأتمروا بينهم أنهم لا يخرجون منها لئلا تختلف ألسنتهم ولئلا يحصل بينهم تفرق واختلاف وتطاحن وتشاحن وحروب وكيانات متعددة موزعة ، فقالوا : فلنجتمع ، فلما علم الرب بذلك جل جلاله وتقدس عما يقوله هؤلاء الكذبة ، يقولون : لما علم بذلك ، قال : هيا فلنبلبل ألسنتهم ، ففرق اللغات ، وصار لكل قوم لغة ، وتفرقوا في البلاد ، فوقع بينهم الفساد والشر والشحناء والقتال والحروب والدمار والمنافسات ، يقولون : ما أراد أن يجتمعوا لتتحقق مصالحهم ، وإنما لما علم نيتهم وعزمهم على الاجتماع لتحقيق مصالحهم مباشرة قال : هيا فلنبلبل ألسنتهم ، هذا رب اليهود ومعبود اليهود قبحهم الله ، قوم ينظرون لله عز وجل بهذه النظرة ما ذا تتوقع ، أن ربهم يضاد كل مصلحة لهم ، ويعمل على إبطالها وإزالتها ، بينما نحن نعلم أن ربوبيته مبنية على الرحمة وليست مبنية على الإفساد والتخريب وإنما هو رحيم بعباده سبحانه وتعالى أرحم بالواحد منهم من الوالدة بولدها .

ورحمة الله عز وجل أيضاً بهذا الاعتبار وبما وصفت ؛ هي رحمة تعم الخلق أجمعين ، المسلم والكافر ، الإنسان والحيوان ، فإنما يتحركون ويعيشون وينتشرون ويرزقون برحمة الله جل جلاله ، فرحمة الله الرحمة العامة لا ينفك منها أحد ، ولو أن أحداً انفصلت عنه رحمة الله عز وجل وارتفعت عنه لحظة لهلك ، فربوبيته العامة يدخل فيها خلقُهُ كلهم وملكُهُ لهم وتدبيرُهُ الكوني ورزقُهُ لهم وهدايتُهُم لمصالح دنياهم ، فهذه هي الربوبية العامة التي لا يخرج عنها مخلوق .

وأما الربوبية الخاصة ، هي ربوبيته لأهل الإيمان ، يربيهم ، ينقلهم من هداية إلى هداية ، هي ربوبية أولياء الله عز وجل ، وهذه الربوبية تكون بما يفيض عليهم من النعم المعنوية والحسية التي يختصهم بها وما يحصل لهم من الروح وانشراح الصدر والعلوم النافعة التي تثمر استقامة وعبودية لله تبارك وتعالى ، كما قال الله عز وجل : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) .

فهذه ربوبية ليست للكفار، أما الربوبية العامة وهي النوع الأول، فهي لا يخرج عنها أحد المسلم والكافر، الله رب الخلق أجمعين : الإنسان والحيوان والنبات والجماد ؛ الله ربهم .

فالربوبية إذاً عامة وخاصة ، عامة لكل الخلق ؛ لأنه المالك السيد المتصرف .

والخاصة لأهل الإيمان ، لأوليائه ، والله أعلم

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s