تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 6 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

يقول الله عز وجل ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقد تحدثنا عن الشق الأول وهو قوله ( إياك نعبد ) ونلاحظ هنا أنه كرر هذه اللفظة ( إيا ) وإن شئت أن تقول مع كاف الخطاب ( إياك ) ( إياك نعبد وإياك نستعين ) كان يمكن أن يقال : نعبدك ونستعينك ، أو نعبدك ونستعين بك ، ولكنه قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) كما أنه يمكن أن يقال أيضاً : إياك نعبد ونستعين ، فيحصل المقصود ، ولكنه أعاده ثانياً للاهتمام به ؛ وذلك أنه يدل على التخصيص والحصر والقصر ، فالعبادة تختص به سبحانه وتعالى لا يبعد أحد سواه ، والاستعانة تقصر عليه فلا يستعان بأحد سواه فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى .

كما أن قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أفصح وأبلغ من قوله : إياك نعبد ونستعين ، فإن ذلك أوضح في بيان المقصود ، لأن هذه الإعادة تدل على أن تعلق هذه الأمور [ العبادة والاستعانة ] أن الحصر متعلق بالأمرين معاً : العبادة والاستعانة ، لئلا يتوهم أحد أن الحصر مختص بالأول مثلاً ( إياك نعبد ) دون الاستعانة فتكون بالله عز وجل وبغيره ، فالحاصل أن هذا التكرار أقوى في الدلالة على المقصود وهو الحصر والقصر ، وهنا سؤال ، وهو : لماذا قدم العبادة على الاستعانة ؟

وقد أشرت إلى ذلك فيما سبق ، والعلماء رحمهم الله يجيبون عن ذلك بأجوبة كثيرة :

فمن هذه الأجوبة ، وهو أولها : أن العبادة له هي المقصودة ، أما الاستعانة فهي وسيلة إلى العبادة ، أنت تستعين من أجل أن تقوى على العبادة ، ومن أجل تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى ، فيكون قد قدم المقصود على الوسيلة لأن المقصود هو المطلوب وهو الأهم .

وقوله ( إياك نعبد ) وهو جواب آخر : متعلق بألوهية الله عز وجل وباسمه (الله) الدال على الإلهية ، وأما إياك نستعين فهو متعلق بالربوبية لأن العون من معاني الربوبية ، ونلاحظ أن ترتيب الأسماء : بسم الله ، الحمد لله رب العالمين ، قدم الله ، ثم ذكر بعده الرب ، فهنا قدم العبادة ( إياك نعبد ) على الاستعانة لأن العبادة لله جل جلاله وهي متعلقة باسمه ( الله ) الدال على صفة الإلهية المتضمن لها بخلاف ( إياك نستعين ) فإنه يتعلق باسمه الرب ، ولا شك أن ما تعلق بالإلهية أنه مقدم على ما تعلق بالربوبية .

وبعض العلماء يجيب بقوله : وهي إجابات متقاربة لها وجه من النظر ، بعضهم يقول : لأن ( إياك نعبد ) قسم الرب ، فكان من الشطر الأول الذي هو الثناء على الله عز وجل ، الله قال : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين – يعني الفاتحة – فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ) فقوله ( إياك نعبد ) متعلق بالله عز وجل ، وهو حقه من العبادة والتوحيد والتأليه ، وأما ( إياك نستعين ) فهو حق العبد ، وهو القسم المتعلق به ، فهو يتصل بالشطر الثاني من سورة الفاتحة .

وبعضهم يقول : لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس ، لأن العبودية إذا حققها العبد على الوجه المطلوب فإنه لا يصدر منه استعانة بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله وإلا يكون قد أشرك مع الله غيره شرك الاستعانة ، لو استعان بصاحب قبر أو استعان بغائب لا يستطيع أن ينصره أو أن يفعل له مطلوبه فإن ذلك يكون من قبيل الشرك ، فإذا حققت العبودية لله عز وجل ، فهذا يعني ضمناً أنك لا تستعين بغير الله جل جلاله ، فقدمت العبودية ( إياك نعبد ) على الاستعانة لأن الاستعانة مضمنة فيها .

وهناك جواب آخر وهو الخامس : أن الاستعانة جزء من العبادة ، وهذا في الواقع عائد إلى الرابع .

وجواب سادس : أن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له ، بمعنى أنك إذا استعنت فأنت تطلب من الله عز وجل المدد والعون ، وإذا توجهت بعبادتك لله عز وجل ، فأنت تصرف له ألوان الأعمال الصالحة ، تتقرب بذلك إليه ، فالعبادة له ، والاستعانة منه ، العبادة من العبد للرب ، والإعانة من الرب للعبد ، فقدمت العبادة على الاستعانة لربما لهذا المعنى .

وهناك جواب سابع قاله بعض أهل العلم : أن العبادة لا تكون إلا من مخلص ، تحقيق العبودية لله عز وجل، ليس أفراد العبادات ، وإنما تحقيق العبادة لله عز وجل ، أن تكون عبداً لله كما أمر لا يكون ذلك إلا مع الإخلاص ، وأما الاستعانة فإنها تكون من مخلص ومن غيره ؛ كل من احتاج فإنه يستعين ، ولذلك كان أهل الإشراك إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فالاستعانة تصدر من أهل الإخلاص ومن غيرهم .

وأما الجواب الثامن : وهو أن العبادة هي حقه الواجب عليك ، والاستعانة هي طلب العون على العبادة ، وأداء حق الله عز وجل أهم مما يتعلق بحاجة العبد وفقره ، وهذا في الواقع عائد إلى بعض الأجوبة السابقة .

وجواب تاسع : وهو أن العبادة شكر نعمته عليك ، والله يحب أن يشكر ، والإعانة هو فعله بك وتوفيقه لك ، فإذا التزمت بعبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها ، فكان التزامها والدخول تحت رقها سبباً لنيل الإعانة ، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم ، فالإعانة على قدر تحقيق العبادة ، ولهذا قال الله عز وجل ( وإن جندنا لهم المنصورون ) وقال ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) فنصر الله وكلاءته وألطافه أقرب ما تكون من أهل تحقيق العبودية لله جل جلاله .

فالعبودية محفوفة بإعانتين :

الأولى : إعانة قبلها على التزامها والقيام بها .

وأما الثانية : فهي إعانة بعدها على عبودية جديدة أخرى ، وهكذا .

وبعض أهل العلم يقولون وهو العاشر : لما كانت عبودية الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد ، أتبع قوله ( إياك نعبد ) بقوله ( إياك نستعين ) لئلا يتعاظم المرء في نفسه ويداخله العجب بعبادته ، بمعنى أن العبد إذا حقق العبودية يكون قد ارتقى وارتفع ، وأعلى مقام يصل إليه العبد هو مقام العبودية ، فشرف العبد على قدر عبوديته لله جل جلاله ، ولهذا يقول الله عز وجل عن نبيه  صلى الله عليه وسلم في أشرف المقامات ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ) وقال ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) في مقام الإيحاء ، وقال ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ) وذلك في مقام الإنزال ، إنزال الكتاب ، وقال في مقام الإسراء ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام ) فهذه أشرف المقامات ، وذكر الله عز وجل بها رسوله  صلى الله عليه وسلم الذي فعل به هذه الأمور الكريمة الشريفة ذكره بوصف العبودية ، ما قال : سبحان الذي أسرى بمحمد ليلاً من المسجد الحرام ، وما قال : الحمد لله الذي أنزل على محمد الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، وما قال : وأنه لما قام محمد يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ، وإنما ذكره بوصف العبودية المطلقة من غير إضافة إلى اسمه أو من غير ذكر اسمه مجرداً ، كل ذلك يدل على أن مقام العبد يرتفع ويشرف بقدر تحقيقه للعبودية لله جل جلاله .

فهذا الجواب الذي ذكره بعض أهل العلم مفاده : أن العبد يشرف بالعبودية ، ولئلا يخالطه شيء من العجب عقبه بذكر الاستعانة لدفع الغرور عنه لما ارتفع إلى هذا المقام فناسب هذا التعقيب ( وإياك نستعين ) .

ولهذا يقول العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره ، يقولون : إن قوله ( إياك نعبد ) تدفع الإشراك مع الخلق وبالخلق ، فلا يلتفت قلبه إلى أحد للرياء أو للسمعة ، ولا يتوجه إلى شجر أو حجر أو غير ذلك ليتعبد لله عز وجل .

( إياك نعبد ) أي أننا نفردك بالعبادة وحدك ، وأما ( إياك نستعين ) فهي لطرد الإشراك بالنفس لئلا يلتفت الإنسان إلى نفسه ويعجب بعمله ، ومن ثم يصاب بداء يحبط الأعمال وهو الزهو والإدلاء على الله عز وجل والغرور والعجب بسبب هذه الأعمال الصالحة .

وبعضهم يقول : إن قوله ( إياك نعبد ) هذا موجه لله ( وإياك نستعين ) هذا يكون به ، وما كان له فهو مقدم على ما كان به ، وهذا يرجع إلى بعض الأجوبة السابقة ، يقولون : إن الأول : ما كان له ؛ متعلق بمحبته ورضاه ، يعني ألوان العبوديات التي توجه لله عز وجل يُتقرب بها إليه لا يتقرب إليه إلا بشيء يحبه ويرضاه ، وأما الاستعانة : فهي طلب العون ، فهي منه وليست له ، وما كان متعلقاً بمحبته ورضاه فهو أكمل وأشرف مما تعلق بمشيئته وإرادته ، فالإعانة متعلقة بمشيئته وإرادته ، والعبادة متعلقة بمحبته ورضاه ، فالله يحب أن يعبد ، ويحب أن يتقرب له بألوان القربات ، هذا هو الفرق بينهما والله تعالى أعلم .

وقد ذهب بعض الأئمة ككبير المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله : إلى أنهما متلازمان ، فالعبودية تتضمن الاستعانة ، إذا حقق العبد  العبودية لله عز وجل فهذا يتضمن أنه يستعين بالله لا يستعين بغيره ، لأن من ألوان العبادة الاستعانة بالله عز وجل وألوان الدعاء والمسألة وغير ذلك .

والاستعانة يلزم أن تكون بالمعبود بالرب وحده لا شريك له حتى يكون العبد محققاً للعبودية ، لا يكون محققاً للعبودية إلا بتحقيق هذا المعنى ، فهي قضايا متلازمة ومن ثم فلا إشكال أن يتقدم أحدهما على الآخر .

هذه أجوبة ذكرها العلماء رحمهم الله على وجه تقديم العبادة على الاستعانة في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .

وإذا نظرت إلى هذه الآية الكريمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) نلاحظ أنه عبر بالنون ( نعبد ) فهذه النون تحتمل أحد أمرين :

إما أن تكون للجمع ، والقائل واحد ؛ فكيف عبر بالجمع ؟

وإما أن تكون للتعظيم ، لأن المعظم نفسه يعبر بنون الجمع ، يقول : أمرنا بكذا وهو واحد ، وقلنا كذا ، وذكرنا كذا، وأشرنا بكذا، ورأينا كذا، وحكمنا بكذا، وليس معه أحد آخر، يقول ذلك معظماً نفسه.

فالإشكال على الأول إذا قلنا إنها للجمع ، كيف صارت للجمع ، كيف عبر بالجمع والقائل واحد ؟

وإذا قلنا إنها للتعظيم ، فهذا مقام تذلل وخضوع يعلن عبوديته لله عز وجل ويعلن فقره وخروجه وبراءته من حوله وطوله وقوته وأنه مفتقر إلى الله كل الافتقار ، فهو بحاجة إلى عونه وتسديده ( وإياك نستعين ) .

فما هو الجواب ؟

إذا قلنا : إنها للجمع ؛ فيمكن أن يكون المراد الإخبار عن جنس العباد ، أي أنهم يقولون ذلك ويتوجهون إلى الله عز وجل بالعبودية ، والمصلي أو القارئ لسورة الفاتحة واحد منهم لا سيما إذا كان في الجماعة ، بصلاة الجماعة ، فيقول : إياك نعبد ) أي نحن جماعة المصلين ( وإياك نستعين ) ولهذا أخذ منه بعض أهل العلم مشروعية دعاء المسلم لإخوانه ، فلم يكتفِ بنفسه ، وأخذوا منه فضل الجماعة ، وأخذوا منه أيضاً تعظيم الله عز وجل ، وسعة مجده بكثرة عبيده وسائليه ، وبعض هذه الأمور المستنبطة لا يخلو من تكلف .

وبعض أهل العلم يقولون : يجوز أن تكون هذه النون للتعظيم ، وما وجهه ؟

يقولون : لأن العبد إذا دخل في باب العبودية وحقق العبودية لله عز وجل ؛ فإنه يشرف بذلك ، فحق له أن يقول ( إياك نعبد ) .

وبعض أهل العلم يقولون : بل إن ذلك ألطف في التواضع لله عز وجل ، بنون الجمع ، من قول القائل : إياك عبدت ، فيقولون : هذا لا يليق مع المعظم إذا دخل بين يدي ملك وقال له : أنا خادمك وأنا عبدك ، فإن هذا ليس بمنزلة من يقول : كل هؤلاء الرعية فداء لك ، وكلهم أعوان لك ، وكلهم جنود لك ، بخلاف ما إذا قال : أنا جنديك ، وأنا خادمك ، وأنا رعيتك ، وما إلى ذلك ، فهذا لا يكون بمنزلة التعبير بالجمع ، فكأنه أيضاً إذا فعل ذلك ، إذا قال : إياك عبدت أيضاً كأنه جعل نفسه وحده أهلاً لهذا المعنى ، وكأن الناس يتقاصرون عنه ، فكأنه يشعر بشيء من الإدلاء : إياك عبدت وإياك أستعين ، بخلاف ما إذا قال : ( إياك نعبد ) فهو لا يتحدث عن نفسه فقط ، وإنما يتحدث بلسان العباد ، فيقول : كلنا عبيدك ، فهذا فيه تعظيم لله أكثر ، وفيه أيضاً تأدبٌ بحيث إن الإنسان لا يبرز نفسه في هذا المقام كأنه حققه دون غيره فيكون ذلك من قبيل الإدلاء على الله عز وجل .

وبعض أهل العلم يقولون : لما كان المقام عظيماً لم يستقل به الواحد استصغاراً لنفسه ، فعبر بالنون لقصد التواضع لا التعظيم ، ووجه ذلك :

يقول : إنه لو قال : إياك عبدت ، فإن المقام أكبرمن ذلك ، فكأنه يقول : لا أستطيع أن أحقق العبودية بمفردي وإنما تتظافر أعمال الخلق وتتحد وجهتهم من أجل القيام بجزء من حقوقك يا رب ، هذا وحه هذا القول .

وعلى كل حال كثير من هذه الأوجه لا يخلو من تكلف ، ولو تأمل الإنسان لوجد أن الناس يعبرون بهذا والقرآن أنزل بلغة العرب ، ولا يقصدون به الجمع في بعض الأحيان ولا يقصدون به التعظيم ، الواحد منهم ما ذا يقول : الطفل الصغير إذا ذهب يشتري حاجة فهو ما ذا يقول للبائع ؟ يقول: أعطنا كذا، وبعنا كذا، اشترينا منك كذا ، أليس كذلك ؟ وهو لا يقصد أن يعظم نفسه ولربما كان حافي القدمين ممزق الثياب تعلوه غبرة وهو واحد ويعلم أنه واحد، وهو أبعد ما يكون عن الكبر وعن تعظيم النفس، ومع ذلك يقول: أعطنا واشترينا وبعنا كذا وما إلى ذلك ، وهو أسلوب عربي معروف أن الواحد يعبر بالجمع ولا يقصد به حقيقة الجمع ولا يقصد به التعظيم في بعض الأحيان .

فالإنسان حينما يقرأ هذه السورة ، أو يقف بين يدي الله عز وجل يردد هذه الآية ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فهو يفخم أمر الرب جل جلاله ويتواضع ويستكين بين يديه لا يتعاظم وإنما يقول : نحن عبيدك ننطرح بين يديك ونتقرب إليك بألوان القربات .

وبالاستعانة وبالعبادة يتحقق الإيمان ، فجمع بينهما ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فالعبادة إذا كانت خالصة لله عز وجل فهذا براءة من الإشراك ، والاستعانة بالله عز وجل إذا كانت خالصة فهذا براءة من الحول والطول والقوة وفي ذلك تمام التفويض إلى الله جل جلاله ، وهذا هو كمال الطاعة ، أن يتبرأ الإنسان من حوله وطوله وقوته وألا يلتفت إلى أحد من المخلوقين فيتوجه إليه بلون من ألوان عبوديته ليتقرب إليه ويتزلف ، فيكون العبد ملتزماً لجادة العبودية إذا حقق ذلك جميعاً والله تعالى أعلم .

وقد قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وهذه الآية ( إياك نعبد وإياك نستعين ) هي سر الفاتحة ، فالأول ( إياك نعبد ) تبرء من الإشراك ، والثاني تبرء من الحول والقوة .

ونظير هذه الآية في كتاب الله عز وجل قوله جل جلاله : ( فاعبده وتوكل عليه ) وقوله : ( قل هو الرحمن أمنا به وعليه توكلنا ) وقوله : ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً ) .

وفي هذه الآية رد على القدرية الذين يقولون إن الإنسان يخلق فعله فقد أثبت الله عز وجل فعل العبد فيها (إياك نعبد وإياك نستعين) وأثبت أيضاً أنه لا يكون هذا الفعل منه إلا بإعانة الله عز وجل له على ذلك .

ثم بعد ذلك قال : ( اهدنا الصراط المستقيم ) ومناسبة هذه الآية للآية التي قبلها أن يقال والله تعالى أعلم : لما تقدم الثناء على الله عز وجل وهو المسؤول الذي أظهر العبد فقهره إليه وحاجته إليه وطلب منه العون ناسب أن يعقب بالسؤال فقال :

( اهدنا الصراط المستقيم ) وهذا أكمل أحوال السائل أن يبدأ بالثناء على المسؤول بما يليق به ثم بعد ذلك يذكر حاجته وافتقاره فيكون ذلك أدعى للإجابة ، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله : ” لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيله أشرف المواهب علم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده ” ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم ، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته ؛ وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم :

أحدهما حديث بريدة قال : سمع النبي  صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو ويقول : الله أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمت الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ) هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو حديث صحيح .

والحديث الثاني حديث أنس  رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ، فقال : ( لقد سأل الله باسمه الأعظم ) وهذا أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وهو حديث صحيح .

يقول ابن القيم رحمه الله : ” ففي هذين الحديثين توسل إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما : التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين ، فالداعي به حقيق بالإجابة ” انتهى كلامه رحمه الله .

بعد ذلك أقول : ما معنى قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) ؟ إذا قلت ذلك ودعوت الله عز وجل به ، أن يهديك الصراط المستقيم ، فما معناه ؟

معناه : أي وفقنا للثبات عليه وأداء ما كلفنا من فرائضه في ما نستقبل من العمر . ذكر ذلك جماعة من أهل العلم منهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله .

فأنت على سبيل الإجمال إذا دعوت ربك أن يهديك إلى الصراط المستقيم فأنت تطلب منه شيئين :

الشيء الأول : أن يدلك إلى هذا الصراط وأن يوفقك إلى لزومه والعمل بتفاصيله إلى الممات ، هذا هو المراد على سبيل الإجمال ، فإنه لا سبيل إلى سلوك الصراط من غير معرفته ، فيحتاج العبد إلى لون من التوفيق وهو أن يوفق إلى معرفة حقائق الدين وتفاصيل الصراط الذي رسمه الله عز وجل لعباده .

والأمر الآخر : وهو أن العبد بحاجة إلى أن يوفق إلى سلوك هذا الصراط والعمل بما علم ، وكم من إنسان يعلم ولكنه لا يوفق للعمل وكم من عامل يعمل من غير علم ويكون ما يفسده أكثر وأعظم مما يصلحه .

وقولك ( اهدنا الصراط المستقيم ) حينما تعبر بهذا الفعل ( اهدنا ) ما المراد بالهداية ؟

الهداية يراد بها هنا معرفة الحق مع العمل به فمن عرف الحق ولم يعمل به لم يحقق الهداية ولم تحصل له ، والله قال عن كثير من الكافرين ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) فلم يكونوا مهتدين بذلك ، وأبو طالب كان يقول :

ولقد علمتُ أن دين محمد     من خير أديان البرية ديناً

فما نفعته هذه المعرفة ، فلا بد من أمر آخر وهو أن يوفق إلى لزوم هذا الحق والعمل بمقتضاه ، فإذا اجتمع له العلم الصحيح مع العمل ، فإنه يكون مهتدياً ، وإلا فإنه يتردد بين أمرين :

إما الغضب ؛ لأنه علم ولم يعمل بعلمه .

وعالم بعلمه لم يعملاً      معذب من قبل أصحاب الوثن

وإما أن يكون عاملاً ، ولكنه من غير علم ، فهو جاهل ، يعبد الله عز وجل على ضلالة ، وعلى جهل ، ومن ثم فإن هذا الإنسان قد لا ينفعه عمله ولا يزيده من الله جل جلاله إلا بعداً .

وأما على سبيل التفصيل ، فيقال : إن قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) ( اهدنا ) يدخل تحتها سبعة أنواع من أنواع الهداية التي يفتقر إليها العبد كل الافتقار ، ويحتاج إليها ولا غنى له عنها بحال من الأحوال ولو لحظة ، وإذا اجتمعت هذه الأمور السبعة اكتملت له الهداية وقد أجملتها في الأمرين السابقين .

وأما التفصيل الذي أشرت إليه :

فأول ذلك مما يحتاجه العبد ليكون مهتدياً ، وهو داخل تحت هذا الدعاء ( اهدنا الصراط ) فأنت تطلب من ربك أولاً هداية العلم والبيان ، أن تعرف الحق ، ولذلك كان النبي  صلى الله عليه وسلم يدعو : ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ) كان يدعو ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، فكم من إنسان يبحث عن الحق ويقرأ وينقضي عمره في البحث والمطالعة ولا يهتدي إلى الحق ، كم من إنسان يقرأ ويقال له ليتك ما قرأت ، وكم من إنسان يتعلم ويقال له ليتك ما تعلمت ، لأن علمه لم يفده ، ولهذا أخبرنا الله عز وجل عن أقوام أنهم ضلوا على علم ، ولما جاءت الرسل  عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم فرحوا بما عندهم من العلم فكان ذلك سبباً لضلالهم وزيغهم ، ولربما قرأ الإنسان المسألة ونظر فيها فخرج بها برأي معكوس ، ولربما أمضى السنوات وهو يقرأ ويبحث ولم يهده هذه القراءة والاطلاع والبحث إلى الغلط المححض الذي لم يكن له من قراءته إلا التعب والسهر ، وهذا كثير ، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقول : “إني لأقرأ في الآية الواحدة مائة تفسير ” مائة تفسير ، يذهب إلى المساجد الخربة المهجورة ويمرغ جبهته بالتراب ، يمرغ وجهه بالتراب ويدعو بالدعاء المأثور : ( اللهم رب جبرائيل ومكائيل … ) فالعبد بحاجة ماسة إلى معرفة الحق ، والناس أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم ، فإذا وجدت العقائد الملوثة عند الإنسان والتصورات المعكوسة فإنه يقدم نفسه رخيصة في سبيل خدمة هذه المبادئ والعقائد ، ما رأيتم أولئك الذين عبدوا علياً  رضي الله عنه ، فلما حفر لهم خندقاً وملأه بالنار واستتابهم ، قالوا : قد علمنا أنك هو ، قال : من هو ؟ قالوا : الله ، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار ، فصاروا يتهافتون في النار تهافت الفراش طواعية ، فانظر كيف قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل ثباتهم على باطلهم ، ونحن نسمع أن أقواماً في الأرض يتقربون إلى معبوداتهم بقتل أنفسهم وإزهاق أرواحهم ، فإذا كانت تصورات الإنسان معكوسة ومقلوبة ، فإنه ينفق أمواله من أجل نصرها ، وإذا كانت صحيحة فكذلك .

وهنا نقول : العبد بحاجة ماسة إلى معرفة الصواب ، أول خطوة هي : العلم الصحيح ، لا يمكن أن يستقيم العمل إذا كان العلم مختل ، ولذلك تجد الذين يدرسون العقائد الفاسدة في الكتب الفاسدة ، كتب الأشعرية والكتب الكلامية وغيرها ، يؤثر ذلك فيهم ألواناً من الإنحرافات المرتبة على هذه المعلومات المغلوطة في هذه الكتب ، فنحن بحاجة أولاً إلى معرفة الصواب ، معرفة الحق ، فهذه الخطوة الأولى ، فإذا قلت ( اهدنا الصراط المستقيم ) فأنت تطلب من الله أن يهبك العلم الصحيح ، أن تعرف الحقيقة كما هي ، فهذا أولاً .

ثم إذا عرف العبد ذلك ، فإن العبد ضعيف ، عاجز ، مسكين ، لا حول له ولا طول ولا قوة ، فهو بحاجة إلى أن يقدره الله عز وجل على ذلك ، على مقتضى هذا العلم ، وهو العمل ، لا بد من القدرة ، ومن غير قدرة لا يمكن للإنسان أن يعمل .

ثم هو بحاجة إلى أمر ثالث ، وهو أنه يكون مريداً له ، قد عرف العبد الحقيقة كما هي ، وقد يكون قادراً على فعلها ، ولكنه منصرف عنها ، لا يريد أن يعمل ، وهذا كثير ، تأتي للإنسان أحياناً بأدلة ، وتوضح له الحكم في المسألة الفلانية ، ولكنه لا يعمل ، لا يريد أن يعمل ، فأنت بحاجة إلى أمر ثالث ، وهو أن يجعلك الله عز وجل مريداً لهذا العمل الذي تتقرب به إليه .

ثم أنت بحاجة إلى هداية رابعة ، وهو أن يجعلك الله عز وجل فاعلاً له ، قد يكون الإنسان مريداً ، ولكنه لا يفعل ، لوجود مانع ، فهذه هداية رابعة .

وهداية خامسة ، وهو أن الإنسان قد يعمل مدة من الزمن ، قد يعمل أياماً أو شهوراً أو سنوات ، ثم بعد ذلك ينقطع ، لسبب أو لآخر ، لشبهة أو لشهوة ، ينكس على عقبيه إما كلية فيرتد عن الإسلام ، أو في بعض الأعمال فيفرط ويترك الأعمال الصالحة التي كان يعملها ويرجع إلى سابق حاله أو إلى أسوأ ، فالعبد بحاجة إلى هداية خامسة وهي الثبات على هذا الحق الذي عرفه وأراده ووجدت القدرة عليه وعمل به ، ولذلك كان النبي  صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ( قلبي على طاعتك ) فيحتاج الإنسان أن يكرر ذلك ليثبت .

وأمر سادس من ألوان الهدايات الداخلة تحت قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) أن يصرف عنه الموانع وبنيات الطريق والعوارض التي تعرض له هنا وهناك ، فيصرف عن العمل ويتشاغل بها من القيل والقال أو غير ذلك من الأمور التي تصرفه عن تحقيق العبودية لله جل شأنه ، وقد يظن أنه يحسن صنعاً بتشاغله عن ذلك وتزين له نفسه هذا التشاغل ، وما علم أنه في مكر أبليس وأن الشيطان يتلاعب به وهو غافل ، يظن أنه يحسن صنعاً .

وأما الأمر السابع ، فهو أننا بحاجة إلى معرفة التفاصيل ، تفاصيل الصراط المستقيم ، هذه الشريعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، شريعة واسعة ، وهي مقارنة بالشرائع السابقة ، إذا قارناها ، نجد كأنها شرائع ، المعروف أن الإنجيل يغلب عليه الرقاق وقضايا السلوك والأخلاق ، والتوراة يغلب عليها الأحكام ، ولربما كان الزبور يشتمل على كثير من الثناء والتمجيد لله عز وجل .

وهذه الشريعة إذا نظرت إليها تجد أن الباب الواحد منها كأنه شريعة متكاملة ، إذا نظرت إلى ألوان العبادات البدنية ، الصلاة وأنواع الصلوات ، فهو باب واسع ، وإذا نظرت إلى الصيام ، فهو باب واسع ، وإذا نظرت إلى الحج والعمرة وأحكام ذلك فهو باب واسع تؤلف فيه المؤلفات ، وإذا نظرت إلى القضايا المالية ، الصدقات والزكوات بأنواعها ألوان القربات المالية من الأوقاف وغيرها تجد أنه باب واسع تؤلف فيه المجلدات ، أحكام الزكاة لربما ألف فيها مجلدات ، وإذا نظرت إلى أبواب الرقاق فهي تستحق أن يؤلف فيها المجلدات وقد ألف ، وإذا نظرت إلى الأحكام الاحترازية في أبواب سد الذرائع من البدع أو التشبه بالكفار أو سد طرق الشرك بالله عز وجل ، فكل واحد من هذه تؤلف فيه المجلدات ، وهكذا إذا نظرت إلى القضايا المتعلقة بظاهر الإنسان ، في مشيه ولباسه وأكله وشربه ونومه وآداب دخوله الخلاء وما إلى ذلك ، فهذا باب واسع ، وإذا نظرت إلى قضية الحكم ، ما يسمى بالحاكمية فهو باب واسع ، وهكذا ، فهي بمنزلة الشرائع المتعددة ، فتفاصيلها كثيرة جداً ، والعبد بحاجة إلى أن يعرف هذه التفاصيل ، قد تعرف بعض الجوانب ، ولكن قد يخفى عليك كثير منها .

لا زلت أتذكر موقفاً عجيباً في أحد المساجد ، كان من عادتنا في غير هذه البلدة أن نقرأ بعد صلاة العصر ، ولم أكن إماماً للمسجد وإنما هو تعليق على رياض الصالحين أو غيره مما يتيسر ، ففي بعض الأيام يجد الإنسان شيء من التباطؤ والتعب والتثاقل والإرهاق ، فيبحث عن مسجد آخر من أجل أن لا يقرأ ، لأنه ليس متهيئاً لذلك لتعبه ، فذهبت إلى مسجد آخر في صلاة العصر ، ولما أقيمت الصلاة لم يأتِ الإمام فقدموني للصلاة ، فصليت بهم ، فلما انصرفنا من الصلاة جلس بعض كبار السن ينظرون إلي ، ورياض الصالحين مع رف المصحف ، فلما أغلقت المكبر ، قالوا : اقرأ علينا ، فقلت : الحمد لله ، ففتحته هكذا ، لم أحدد شيئاً ، فتحته هكذا ، فتحت رياض الصالحين ، فإذا الكلام عن السنن الرواتب ، فقرأت عليهم من السنن الرواتب ، السنن الرواتب من رياض الصالحين ، فلفت نظري صوت من الناحية اليسرى في المسجد ، فإذا هو رجل ينشج نشيجاً ، يبكي بصوت من كبار السن هؤلاء ، تعجبت ، لا يوجد شيء مؤثر ، وأنا أتكلم بتثاقل من باب تحلة القسم أني قرأت عليهم فقط ، فإذا الرجل يبكي ، فتعجبت ، فأكملت القراءة ، وبعد ما فرغت من القراءة وأغلقت الكتاب ، فإذا بالرجل يزحف ، يدنو عندي ، بعد ما بكى ومسح دموعه ، فجاء وجلس يسأل عن بعض الأشياء المتعلقة بالسنن الرواتب والوتر ، وأخبرني عن عمله الذي يعمله ، تبين لي أن الرجل كانت عنده بعض الأخطاء في هذه السنن ، أشياء يفهمها منذ سبعين سنة يمكن على غير وجهها ، فلما سمع القراءة والتعليق بكى ، أنه مضى عليه هذا العمر ولم يعرف هذه الأشياء وكان يعبد الله عز وجل بطريقة خاطئة ، فجلس يبكي بكاءً مراً ، فبعد ما جلست أشرح له كيف يصنع فذكر لي كيف يوتر وكيف يصلي السنن الرواتب ، ذكر  أنه يأتي للمسجد ويوتر ، ثم يرجع إلى بيته ويتعشى ، ثم يجلس يصلي ثم يوتر مرة ثانية ، فذكر بعض الأخطاء ، فلما سمع بعض الأحاديث (لا وتران في ليلة) (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) تعجب جداً وجلس يبكي بكاء أكثر من البكاء الأول .

طبعاً هذه فائدة جانبية أخرى ، وهو أن بعض الإخوان يستغرب ؛ لماذا الإمام يبكي إذا قرأ الفاتحة ، لماذا يبكي ؟ اسمعوا هذه المعاني كلها في الفاتحة .

ويقول بعضهم : أحد الأئمة يبكي حينما قرأ الآيات المتعلقة بعدد النساء في سورة البقرة ، لماذا لا يبكي ؟ هذه الشريعة اللي ما تركت شيء إلا فصلته وبينته بدقة ، أما ينكسر قلب الإنسان ، ويخشع ، ويبكي عند سماع هذه الآيات التي يفصل الله لنا بها كل شيء ؛ إن طلقها قبل أن يمسها ، وإن طلقها بعد المسيس ، وماذا لها من المهر ، ولا تنسوا الفضل بينكم ، وأشياء من التوجيهات والإرشادات ، لماذا لا يبكي ؟

فالحاصل أقول : هذا الرجل كان يعبد الله عز وجل بطريقة خاطئة مع حرصه واجتهاده ، فغابت عنه أشياء مع هذا العمر المديد في الإسلام ، غابت عنه أشياء ، فتفاصيل الشريعة كثيرة جداً ، والنبي  صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : ( إنك مرؤ فيك جاهلية ، قال : أعلى شيبتي وقدمي في الإسلام ؟ ) هو من أوائل من أسلم ومع ذلك فاته أشياء ، وهكذا بعض الصحابة ، عمر بن الخطاب في مسألة التيمم من الجنابة في قصته مع عمار بن ياسر، وأشياء عديدة خفيت على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم علماء، فالإنسان يغيب عليه أشياء ، فهو بحاجة إلى هداية إلى تفاصيل الصراط ، فهو متشعب ، كثير المعالم والأحكام ، والصراط المستقيم هو الإسلام بكامله .

ثم نحن بحاجة إلى هداية أخرى ، وهي أن العبد قد يعرف التفاصيل ويوفق للعمل ويكون له قدرة ويكون له إرادة على ذلك ويثبت ، لكن على هذه التفاصيل الكثيرة قد يخطئ فيكون مشغولاً بالمفضول عن الفاضل ، هذه الأيام لا تستطيع أن تحصي كثرة السائلين عن زكاة الحلي المستعمل ، وعن أموال يترددون في الزكاة هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها؟ أسألهم دائماً: أنتم لا تتصدقون طوال السنة؟ يقولون: بلى نتصدق، نحن نتصدق ، طيب : الزكاة أرجح في الميزان من الصدقة ، وما تقرب المتقربون إلى الله بأحب إليه مما افترض عليهم ، فأخرجوها ، إن وقعت زكاة فهي أثقل من الصدقات التي تخرجونها ، أخرجها فقط بنية الزكاة وإن لم يكن فيه زكاة فقد وقعت صدقة ، تجد الإنسان يحب أن يتصدق ويتثاقل الزكاة ، وإذا قلت المال الفلاني فيه زكاة هنا تثاقل جداً ورأى أن ذلك عبئاً كبيراً يرهق كاهله ، وهكذا ، فالعبد بحاجة إلى معرفة المفاضلة بين الأعمال ، كثير من الناس يسأل يقول : أيهما أفضل لي أن أشتغل به ، العبادات القاصرة من التطوعات ، أصوم النهار وأصلي الليل أو أنني أشتغل بأمور أخرى تحتاج إلى مزيد من الجهد قد يضعفني الصوم عنها ، من القيام على الفقراء والأرامل والمساكين ، أو غير ذلك من ألوان النفع المتعدي كالجهاد في سبيل الله عز وجل وما إلى ذلك ؟ يسألون الناس عن هذا ، فقد يشتغل الإنسان بعمل قاصر ويفوته ألوان من الخير من الأعمال الفاضلة ، يشتغل بعمل مفضول ويترك العمل الفاضل ، لماذا ؟ لأنه لم يوفق إلى معرفة أعلى العبادات ليعمل بها ، ولا شك أن العمر قصير والمسألة تجارة مع الله عز وجل والدقائق والثواني هي رأس المال فيحتاج أن يتجر بها .

أحد التجار كان يريد أن يقدم تبرعاً مساهمة في جانب من جوانب الخير ، فكان يسأل ابتداءً ، يقول : أنا تاجر ، ولا أدخل في تجارتي في شيء من الأشياء إلا ما أعلم أنه أكثر ربحاً ، فلا أريد أن أساهم بهذا المال إلا فيما هو أوفر عند الله عز وجل ، لم يدفع هذا المال ويقول : تصرف بما تراه ، أبداً ، قال : أنا تاجر ولا أشارك ولا أقدم في تجارة من التجارات إلا ما هو أكثر ربحاً ، وأبحث وأنقر ، وهذه تجارة مع الله عز وجل ، فأنا أريد الأفضل والأرجح في الميزان ، وهذا صحيح ، قد تدفع هذه المائة ثم تكون في عمل مفضول ، وقد تدفعها وينفع الله عز وجل بها نفعاً عظيماً ويكون ذلك دارّاً مستمراً لا ينقطع عنك أجره ، فيحتاج العبد أن يتحرى .

ابن مسعود  رضي الله عنه كانوا يقولون له : أنت تقل الصوم ، طبعاً ابن مسعود كان يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض ، ثبت هذا بإسناد صحيح ، لكن أمامهم يعتبر هذا قليل في منظارهم مقاييسهم يعتبر قليل ، الاثنين والخميس والأيام البيض هذه ما تسوي عندهم شيء ، فقال : ( نعم ، لأني ضعيف ، الصوم يضعفني عن وردي من القرآن ) وفي رواية : ( عن صلاتي والصلاة أحب إلي ) العملية مفاضلة ، هو يرى أنه يصلي باليوم أربعمائة ركعة ؛ هكذا كانوا يصلون وليست مبالغة إنما هي مبالغة عند الكسالى البطالين ، يصلي الواحد منهم أربعمائة ركعة باليوم يرى أنها أفضل عنده من صوم يوم لا يستطيع معه أن يصلي ، ما هي تضعفه عن صلاة الفرض والسنن الرواتب هذا شيء يسير عندهم ، ولا زلت أذكر أني ذكرت في أحد المجالس وفيه بعض المشايخ وطلبة العلم ، ذكرت كلام بعض السلف عبد الله بن أحمد كان يقول عن أبيه أحمد بن حنبل رحمه أنه كان يصلي أربعمائة ركعة باليوم ، ولما ضرب وضعف صار يصلي باليوم مائتي ركعة ، فقال أحد طلبة العلم : هذه مبالغات لا يستطيع الإنسان أن يفعل هذا كالذي يقولون إنه يختم القرآن في ركعة ، هذا لا يمكن بحساب الدقائق والساعات من الليل ، طبعاً ثبت بإسناد صحيح عن عثمان أنه ختم القرآن في ركعة خلف المقام ، فكان هذا طالب العلم يقول هذا لا يمكن ، فغضب أحد الموجودين ، فغضب أحد الموجودين من المشايخ ولو شئت لسميته تعرفونه ، فقال : أنا قمت القرآن بركعة واحدة في ليلة ، فسكت هذا ما تكلم ، هذا يقول : مستحيل أن يفعل الإنسان ذلك ، لماذا ؟ لأنه يقيس على عجزه وضعفه وكسله .

فأقول : نحن بحاجة إلى هداية أخرى أيها الإخوان وهي : أن نهدى إلى أفضل الأعمال وأجل القربات ، لأن العمر قصير ونحتاج أن نتقرب إلى الله عز وجل بما هو أوفر في الحسنات وأوفى بالميزان .

هذه الهدايات التي تدخل تحت قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) وندعو الله عز وجل بها ، ولا شك أننا نحتاج إلى هدايات أخرى هي لا تدخل تحت هذا الدعاء في سورة الفاتحة خاصة ، لكن تدخل تحت عموم قول العبد ( اللهم اهدني ) أما إذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) فالمقصود به الإسلام ، أما إذا عم في الدعاء فقال ( اللهم اهدني ) وأطلق ، فيدخل فيه ما ذكرت إضافة إلى أمور أخرى ، وهي :

أن العبد بحاجة إلى هداية عند الموت ليثبت ، وهو بحاجة أيضاً إلى هداية عند سؤال الملكين فيجيب بالجواب الصحيح الذي ينجو به : من ربك وما دينك وما نبيك .

والعبد بحاجة إلى هداية أخرى : وهي الهداية إلى الصراط ، وهو بحاجة إلى هداية أخرى : وهي الهداية على الصراط ، دقيق أدق من الشعرة أحد من السيف وعليه كلاليب ، فهو بحاجة إلى تسديد وهداية ، والعبد بحاجة أيضاً إلى هداية أخرى : وهي الهداية إلى باب الجنة ، إلى الجنة ، وهو بحاجة إلى هداية فوق ذلك أيضاً ، وهو أن يهدى إلى منزله في الجنة ، ويدل على ذلك قول الله عز وجل (الذين قتلوا في سبيل الله) في القراءة الأخرى المتواترة ( والذين قاتلوا في سبيل الله ) فعلى القراءة الأولى ( والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ) لاحظ : قتلوا ، يهديهم إلى أي شيء ؟ انتهى مات ، يهدى إلى أي شيء ؟ يهدى إلى الصراط ويهدى على الصراط ويهدى عند الحساب ، يسأل : ما ذا عملت ؟ ويهدى أيضاً إلى الجنة ، إلى باب الجنة ، ويهدى إلى منزله في الجنة ( سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) وبهذا يزول عنّا الإشكال الذي لربما يتردد في هذه الآية عند بعض الناس ، كيف قال : ( سيهديهم ويصلح بالهم ) وقد قتلوا ؟

وأما الأوجه السابقة التي ذكرتها قبل في قولك ( اهدنا الصراط المستقيم ) إذا عرفتها فإنه يرتفع عنك الإشكال الذي يرد على كثير من الناس: نحن قد هدينا إلى الإسلام، فلماذا نقول (اهدنا الصراط المستقيم) ؟ فبعض الناس يقولون : المقصود ثبتنا على الصراط المستقيم ، وهذا جواب قاصر ، وإذا عرفت التفاصيل السابقة ، عرفت لماذا تقول : ( اهدنا الصراط المستقيم ) .

نسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياكم إليه وأن يثبتنا عليه ، وذلك أن الهداية هدايتان :

هداية البيان والدلالة ، وهداية التوفيق والإلهام ، فإذا حصل الأول وهو ( هداية الإرشاد والدلالة والبيان ) بقي الآخر ، وهو جعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثراً له على غيره، راضياً به، راغباً فيه ، وقد قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر هذين القسمين ، قال : ” وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما ، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلاً وإجمالاً وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهراً وباطناً ، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى في القول والعمل ، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة … إلى أن قال :  ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة ، وبطلان قول من يقول : إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية ، فإما المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم ، وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه ، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك ، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة ، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام ” . انتهى كلامه رحمه الله .

نسأل الله أن ينفعني وإياكم بما سمعنا ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين .

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s