تفريغ تفسير سورة الفاتحة ( 7 ) : الشيخ / خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

في التعبير في الجمع في قوله تبارك وتعالى (إياك نبعد وإياك نستعين) حيث ذكرت هنالك إشكالاً ، وهو أن العابد يظهر ضعفه وفقره كما أن المستعين يظهر عجزه وفاقته ، فكيف عبر بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين) وذكرت الجواب عن هذا الإشكال .

ثم هنا في قوله تبارك وتعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) عبر أيضاً بالنون الدالة على الجمع ( اهدنا ) ما قال : اهدني الصراط المستقيم ، فإذا كان العبد مفتقراً إلى هداية الله عز وجل ، فكيف يعبر بضمير الجمع الذي يدل إما على التعظيم أو يدل على أن السائلين جماعة والسائل واحد ؟ وهل يحسن أن يعظم نفسه في مثل هذا المقام ؟

فالحاصل أنه يقال في الجواب: إن قوله (اهدنا الصراط المستقيم) في هذا الموضع مطابقة لقوله تبارك وتعالى (إياك نعبد) ولقوله (إياك نستعين) فكان المناسب أن يتبعه بالجمع ، فيقول : (اهدنا الصراط المستقيم) لا أن يقول: اهدني الصراط المستقيم ، ليكون لكلام على نسق واحد ، والله تعالى أعلم .

ولا شك أن التعبير كما ذكرنا في المرة الماضية بالضمير الدال على الجمع أنه أفخم في هذا المقام وأكثر تعظيماً لله عز وجل ، وهو أليق ، وذلك أن المقام مقام عبودية ، وافتقار إلى الله جل جلاله ، وفي هذا السؤال أقرار بالفاقة والعجز والحاجة إلى المالك المعبود ، وذلك أن العبد بحاجة إلى إعانته ، وهو بحاجة إلى هدايته ، ولا غنى له عن ذلك طرفة عين ، فعبر بضمير الجمع ليقول والله أعلم : نحن معاشر عبيدِك مقرون لك بالعبودية ، كما يقول أحد الرعية للملك : نحن خدمك ، ونحن أعوانك وجنودك ، فلو أنه قال : أنا خادمك ، وأنا وحدي عبدك ، وأنا وحدي جندي لك ؛ فإن ذلك لا يكون لائقاً بالتعظيم المقصود المطلوب ، وإنما يقول : نحن جميعاً لك أعوان وجنود وأنصار ، لأن هذا مقام إظهار للتعظيم ، وإنما الذي يناسب هذا التعظيم أن يبين أن الجميع مقرون له بالعبودية ، وأنهم مفتقرون إليه كل الافتقار ، فهذا أحسن وأعظم موقعاً من الأول والله تعالى أعلم .

كما أنه أيضاً يتضمن أن الجميع مشتركون في العبودية والاستعانة وطلب الهداية ، وهذا يتضمن من الثناء على الله عز وجل بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد ، فإذا قال : نحن عبيدك ، نحن الفقراء إليك ، نحن الراغبون في هدايتك ، فهذا أعظم من أن يقول : أنا راغب في هدايتك ، أنا المستعين بك ، فإذا كثر المحتاجون المفتقرون فإن ذلك أدل على العظمة والمجد وكمال الملك ، وشتان بين من يفتقر إليه شخص واحد وبين من يفتقر إليه جميع المخلوقين .

وإذا تأملت أدعية القرآن وجدتها على هذا النمط ، يعني بأسلوب الجمع ، وليست بأسلوب الإفراد إلا في ما قل ، كقوله تبارك وتعالى : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ) وما إلى ذلك من الأدعية ، فهذا أعظم من أن يقول : ربي إني سمعت منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنت ، ربي فاغفر لي ذنوبي وكفر عني سيئاتني وتوفني مع الأبرار ، الأول أفخم وأعظم وأليق والله تعالى أعلم .

وهكذا في كثير من أدعية القرآن ، وقد نبه على هذا المعنى الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات ، كما نبه عليه الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه كمدارج السالكين .

ولاحظ هنا أنه قال : ( اهدنا الصراط المستقيم ) ( اهدنا الصراط ) ما قال : اهدنا للصراط المستقيم ، وما قال : اهدنا إلى الصراط المستقيم ، مع أن هذا كله صحيح في كلام العرب وفي لغتهم ، فلماذا قال ( اهدنا الصراط ) يعني جاء بالفعل وعداه بنفسه دون حرف جر : إلى أو اللام ، فما قال : اهدنا إلى الصراط ، وما قال : اهدنا للصراط ، لماذا ؟

بعض أهل العلم يقولون إن فعل الهداية كقوله هنا ( اهدنا ) إذا عدي بنفسه من غير واسطة بحرف جر يعدى به فإن ذلك يدل على معنى ً خاص ، وهو : الهداية بمعنى الإلهام والتوفيق ، أي كأنه يقول : ارزقنا اتباع الصراط المستقيم ، فالهداية تعرفون أنها على نوعين : هداية توفيق ؛ وهذه مختصة بالله عز وجل ، وهي التي نفاها الله عز وجل عن نبيه  e وأثبتها لنفسه في قوله ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ، والهداية الثانية : هداية الإرشاد والدلالة إلى الصراط المستقيم وإلى الحق ، وهذه ثابتة للنبي e ولكل الدعاة إلى الله عز وجل من بعده كما قال الله عز وجل ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) فأثبت الله له الهداية في موضع ونفاها عنه في موضع آخر وليس ذلك من التناقض ، فالهداية المثبتة هي الدلالة والإرشاد، يدلهم ، القرآن هدىً للأحمر والأسود بمعنى الإرشاد والدلالة، وأما هداية التوفيق فهي التي يملكها الله عز وجل وحده يوفق من يشاء ، وهذه هي التي قال الله فيها (يهدي من يشاء ويضل من يشاء) أي هداية التوفيق ، فيهدي ويضل أي أنه يملك الهداية .

فهنا لما عداه بنفسه فقال ( اهدنا الصراط المستقيم ) يقول بعض أهل العلم : إن معناه : وفقنا ليس دلنا ، وفقنا وألهمنا وارزقنا اتباع الصراط المستقيم ، إذا عدي فعل الهداية بنفسه من غير واسطة ، وهذا كقوله تبارك وتعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) وبعض أهل العلم يقولون ( وهديناه النجدين ) يجعلونها من هذا القبيل وهذا فيه نظر في الآية الثانية ، لأن الأقرب أن قوله ( وهديناه النجدين ) أي بينا له طريق الخير وطريق الشر ، فهذه من هداية الدلالة والإرشاد .

فإذا عدي بنفسه إذاً بعض العلماء يقولون ، معناه : ألهمنا ووفقنا وارزقنا اتباعه ، لأن الله هو الذي يملك ذلك وحده ، لا أحد يستطيع أن يهدي أحداً من الناس مهما أوتي من الأساليب والقدر ، ولهذا يأتي النبي وليس معه أحد ويأتي النبي ومعه الرجل الواحد ، فهل هذا يعني أن النبي قد فشل في دعوته ؟ أو أنه ليس عنده أساليب ؟ حاشاه من ذلك ، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أكمل الناس علماً وأكملهم بياناً ، ولكن الهداية الله هو الذي يملكها ، والدعاة إلى الله عز وجل والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون هداية أحد (إن عليك إلا البلاغ) والله يوفق من يشاء ويهدي من يريد ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) لا تملك هدايتهم لأن هدايتهم موكولة إلى ربهم وخالقهم ، بمعنى التوفيق والإلهام إلهام الهدى .

وإذا عدي بـ(إلى) : اهدنا إلى الصراط المستقيم، كقوله : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) وكقوله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وكقوله أيضاً ( اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) فبعض أهل العلم يقولون إذا عديت بإلى فهي بمعنى الإرشاد والدلالة : ( إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) أي تهدي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم (فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) يعني دلوهوم وجهوهم أرشدوهم إلى طريق النار .

وإذا عديت بـ(اللام) ، عدي فعل الهداية باللام : هداه لكذا ، فيكون المعنى عند بعض أهل العلم : أي وفقنا له ؛ لهذا الشيء واجعلنا له أهلاً ، كقوله تبارك وتعالى ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) هذا أهل الجنة (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) فيقولون ذلك بعد ما يعاينون الحقائق ، ويدخلون الجنة ، ويعلمون صدق ما جاءت به الرسل صلى الله عليهم وسلم يكونون بذلك يصلون به إلى حق اليقين ، مرتبة حق اليقين حينما يكونون في بحبوحة الجنة ، فيصلون إلى هذه المرتبة ويقولون ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) فهذه الهداية بمعنى التوفيق ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) بمعنى وفقنا إليه وجعلنا من سالكيه .

وبعض أهل العلم يقولون إذا عدي بـ(إلى) فمعناه الإيصال إلى الغاية ، تقول : هديته إلى المكان الفلاني ، هديته إليه .

والأقرب والله أعلم أنها بمعنى الدلالة والإرشاد .

ويقول هؤلاء بأنه إذا عدي باللام يدل على التخصيص ، وأما إذا عدي بنفسه يقولون يتضمن جميع هذه المعاني ، وهذا أقرب الأخير ، إذا عدي بنفسه فإنه يتضمن الإرشاد والتوفيق .

انظر إلى قوله تبارك وتعالى (وهديناه النجدين) هل هذا بمعنى التوفيق خاصة؟ ليس ذلك بقاطع وإنما (هديناه النجدين) بينا له طريق الخير وبينا له طريق الشر .

(الحمد لله الذي هدانا لهذا) يعني دلنا عليه ووفقنا لاتباعه ، فهذا كله مضمن فيه (اهدنا الصراط المستقيم) يتضمن هذا وهذا ، بمعنى (اهدنا الصراط المستقيم) أي دلنا عليه .

وعرفنا نحن لماذا نسأل الصراط المستقيم ، وما شرحته لكم في المرة الماضية من الأمور الداخلة تحت هذا الدعاء يظهر بها هذا المعنى ؛ أن من ضمن هذه الهدايات [ الصراط المستقيم ] :

العلم بتفاصيل الصراط ، وهذا من هداية الإرشاد وهو أيضاً من هداية التوفيق ، يوفق الإنسان للصواب ، ويرشد إلى معرفة الحق ، وذلك بما جاءت به الرسل ، بمعرفة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فقولك ( اهدنا الصراط المستقيم ) يتضمن سؤال الأمرين : وهو سؤال هداية الإرشاد ؛ بمعنى أنك تسأل ربك أن يدلك على تفاصيل هذا الصراط ، وأن يوفقك للصواب فتعرف الحق ، وأن يوفقك للعمل به واتباعه ، وأن يوفقك للثبات عليه ، وأن يميتك على ذلك ، وأن يلهمك الصواب والجواب الذي تنجو به عند سؤال الملكين .

وهكذا أيضاً إذا بُعث الإنسان فإنه عند الحساب يلقن حجته عند محاسبة الله عز وجل ، وكذلك أيضاً يهدى إلى الصراط الذي على جسر جهنم ، ويهدى عليه أيضاً فلا ينحرف يمنة ويسرة ، ومعلوم أن الناس في الأصل يكون سيرهم على الصراط الذي على جسر جهنم كسيرهم على الصراط في هذه الدنيا ، وهو اتباع الكتاب والسنة ، فإذا كان الإنسان يقوم ويقع وينحرف يمنة ويسرة في سيرة وسلوكه على صراط الله المستقيم في هذه الدنيا فإن سيره يكون على الصراط الذي في جسر جهنم في الأصل يكون كسيره على هذا الصراط إلا من لطف الله به ورحمه ونجاه، وإلا فالجزاء من جنس العمل (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).

فالذي يظهر والله أعلم أن فعل الهداية إذا عدي بنفسه فإنه يتضمن هداية التوفيق وهداية الإرشاد ، هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم .

وهذه الفروقات بينما إذا عدي بـ ( إلى ) أو عدي بنفسه أو عدي بـ( اللام ) أن المعنى يختلف ، هذا كله مبني على قاعدة من قواعد التفسير ، وهي :

{ الفعل المعدى بالحروف المتعددة يكون له مع كل تعدية معنىً يخصه } .

وفي قاعدة أخرى لها اتصال بهذا قريبة منه وإن لم تكن في صلبه لكن للفائدة لا بأس أن أذكرها ، وهي :

{ أن التعدية إذا كانت في حرف استعمل في غير ما وضع له أصلاً فإنه يبقى من معناه الأصلي ولو شيئاً يسيراً } كما يعبر ابن القيم يقول : ” فتبقى رائحته ” رائحة المعنى الأصلي ، على سبيل المثال ؛ حينما يقول الله عز وجل : ( إنك على صراط مستقيم ) مثلاً وحين ما تقول : إنك لفي صراط مستقيم مثلاً ، ففي تدل على الظرفية ، وعلى تدل على العلو والظهور ، فإذا قلت ( إنك على صراط مستقيم ) وأردت أنك في صراط مستقيم فإنه يبقى من المعنى الأصلي ، من معنى ( على ) وهو معناه الأصلي وهو : الظهور والعلو والارتفاع ، يبقى منه رائحة ، فيدل على : ارتفاع وعلو ، علو السالك على الصراط وتمكنه في سيره على هذا الصراط .

لاحظتم هذه المعاني المليحة ، هذه التي يسمونها باللطائف ، كيف تستخرج ؟ تستخرج بهذه الطريقة ، وهكذا في قضايا أخرى تتعلق بالتعدية ، حينما يقال بتضمين الحرف من حروف الجر معنى حرف آخر ، فالله عز وجل مثلاً يقول عن فرعون أنه قال : ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) كثير من المفسرين وأهل اللغة يقولون : إن ( في ) هنا بمعنى ( على ) لأن ( في ) تعني الظرفية ، يقولون : لو أخذنا بظاهرها لكان الصلب في بطن الجذع جذع النخلة ، وهذا ليس بمراد، إذاً ما المراد ؟ قالوا: لأصلبنكم على جذوع النخل، وهناك معنىً أحسن من هذا ، بدلاً من أن نلغي ( في ) تماماً ونقول هي بمعنى ( على ) المضمن الفعل معنى فعل آخر يصلح أن يعدى بـ ( في )، وإذا قلنا بتعدية الحرف مكان الحرف فعلى الأقل نقول: (لأصلبنكم في جذوع النخل) دل على شدة الربط والشد ، ومعلوم أن جذع النخل هو أخشن جذوع الأشجار ، أليس كذلك ؟ فإذا صلبه فيه وشده شداً قوياً محكماً ؛ فإن ذلك يكون أكثر تعذيباً وإيلاماً لهذا المصلوب ، إذا ربطه ربطاً ، فكأنه لشدة الربط والشد كأنه صار في داخل الجذع من شدة الجذب والشد والربط ، فقالوا
(لأصلبنكم في جذوع النخل) والله تعالى أعلم .

فهذا من بلاغة القرآن ولا حاجة لإلغاء الحرف من معناه الأصلي من أجل المعنى الذي استشكلوه والله تعالى أعلم .

( اهدنا ) اهدنا ما ذا ؟ ( اهدنا الصراط المستقيم ) الصراط فيه قراءات سبعية ، فيه قراءات متواترة عشرية ، أما من جهة الحروف فهو يُقرأ بالسين ويقرأ بالصاد ، بالسين وبالصاد (اهدنا الصراط) و (اهدنا السراط) وهناك قراءات بين بين متعددة متواترة في هذه الكلمة .

وإذا نظرنا إلى قراءة السين ( السراط ) فيمكن أن يكون هذا اللفظ مأخوذاً من الاستراط ، والاستراط هو الابتلاع ، تقول : يسترط الطعام استراطاً ، معناه يلتهمه ويبتلعه ابتلاعاً ، فكأن الصراط يبتلع المارة السابلة السالكين عليه ، كأنه يبتلعهم .

وقرئ على كل حال أيضاً بغير ذلك .

والصراط المستقيم ما معناه ؟

الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا عوجاج فيه .

وبعض أهل العلم يقولون : إن الصراط لا يطلق إلا على ما كان مستقيماً ، إذاً : لماذا قال : ( الصراط المستقيم ) ؟

فعلى هذا المعنى ؛ إذا قلنا إن الصراط لا يطلق إلا على ما كان مستقيماً وإلا فإنه لا يقال له صراط ، تكون لفظة المستقيم من قبيل الصفات الكاشفة ، صفة كاشفة ، فهي تكشف عن حقيقته فحسب وإلا فهو مستقيم ، كما قال الله عز وجل ( يكتبون الكتاب بأيديهم ) ومعلوم أنهم يكتبونه بأيديهم ( يقولون بأفواههم ) ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ) والطائر يطير بجناحيه ، وتقول : فلان مشى إلى كذا برجله ، وقال بلسانه ، ونظر بعينه ، ومعلوم أن النظر لا يكون إلا بالعين ، ومع أن هذه الأمثلة في بعضها يمكن أن يقال شيء آخر : ( نظر ) ببصيرته و ( كتب ) تقول يمكن أن يكون قال ذلك بلسانه ، يمكن أن يكون قد كتبه ، قال فلان : تقرأ كلامه المكتوب ، فبعض هذه الأمثلة يمكن أن يقال فيها شيء آخر ، لكن على كل حال يبقى بعضها يدل على المعنى الذي ذكرته والله تعالى أعلم .

فالحاصل أن الصراط المستقيم الذي نسأل الله عز وجل دائماً في صلاتنا وفي قراءتنا للفاتحة أن يسلك بنا سبيله ، ما هو هذا الصراط المستقيم ؟

هو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله عليهم الصلاة والسلام ، وجعله موصلاً لعباده إليه ، ولا طريق لهم إليه سواه ، بل الطرق جميعاً مسدودة إلا هذا الطريق ، وحقيقته : إفراد الله عز وجل بالعبادة ، وإفراد رسله عليهم الصلاة والسلام بالطاعة ، فلا يشرك به أحد في عبوديته ، ولا يشرك برسوله أحد في طاعته ، فيكون بذلك العبد مجرداً للتوحيد ، مجرداً للاتباع ، اتباع الرسول  e ، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله كما قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى ، وهو مضمون شهادة أن محمداً رسول الله ، فإن اتباع الرسول في كل شيء ، وتوحيد هذا الاتباع هو معنى : شهادة أن محمداً رسول الله ، هو مضمن فيها ، ونكتة ذلك وعقده : أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله ، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه كما قال ابن القيم ، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة من مرضاته .

والأول يحصل بالتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله ، والثاني يحصل بالتحقق بالشهادة الأخرى وهي أن محمداً رسول الله ، وهذا هو الهدى الكامل ودين الحق الذي بعث الله به رسله عليهم الصلاة والسلام ، وهو معرفة الحق والعمل به والقيام بذلك ظاهراً وباطناً ، وكل العبارات التي يعبر بها السلف رضي الله تعالى عنهم في تفسير الصراط المستقيم تدور على هذا المعنى وتقاربه ، وليس بينها اختلاف حقيقي وإنما هو من قبيل اختلاف التنوع والله تعالى أعلم .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” الصراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ، ولا تفعل ما نهيت عنه ، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت “- الهدايات التي ذكرتها لكم من قبل وأن العبد مفتقر إليها – يقول : “وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت وما نهي عنه وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة بفعل المأمور وكراهة لترك المحظور ، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يُتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد ، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك إلى الصراط المستقيم ، يقول : نعم حصل له هدىً مجمل ، بأن القرآن حق والرسول حق ودين الإسلام حق وذلك حق ، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدىً مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق ، فيغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم ، يقول : والإنسان خلق ظلوماً جهولاً ، فالأصل فيه عدم العلم ، وميله إلى ما يهواه من الشر ، فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به جهله ، وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه ، إلى أن يقول : فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله ، وعدل ينافي ظلمه ، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم ، وقد قال الله تعال لنبيه  e بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) إلى قوله ( ويهديك صراطاً مستقيماً ) فإذا كان هذا حاله في آخر حياته أو قريباً منها ، فكيف حال غيره ؟ ” انتهى كلامه رحمه الله .

وهذا ما يوضح ما سبق في ألوان الهدايات الداخلة تحت قولك ( اهدنا الصراط المستقيم ) ، وبهذا تعرف أن تفسير الآية بـ ( ثبتنا ) أنه تفسير قاصر ، وأنه لا يفي بسعة ما تضمنته من هذه المعاني والله تعالى أعلم .

وبعض أهل العلم كابن القيم رحمه الله يقول : إن الصراط لا يكون كذلك ، يعني لا يكون الطريق صراطاً إلا إذا تضمن خمسة أمور ، أو وصف بخمس صفات :

أولها : الاستقامة . والثاني : الإيصال إلى المقصود . والثالث :القرب ، أن يكون قريباً . والرابع : يقول أن يكون واسعاً للمارين وهذا ليس على إطلاقه ، معلوم أن الصراط الذي على جسر جهنم أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف ، فهذه الصفة الرابعة فيها إشكال . والخامس : أن يكون متعيناً للمقصود ، تعينه طريقاً للمقصود .

وعلى كل حال المستقيم معروف عند أهل الهندسة أنه الذي يربط بين نقطتين ؛ أقصر طريق يربط بين نقطتين ، أليس كذلك ؟ أقصر طريق هو المستقيم ، وإلا فالمقوس أبعد ، المتعرج أبعد ، وهكذا .

فأقصر طريق يربط بينهما فهو المستقيم .

ولاحظوا هنا أنه أفرد الصراط ، قال ( اهدنا الصراط ) وكذلك أيضاً عرفه بتعريفين :

الأول : بدخول ( ال ) ( اهدنا الصراط ) .

والثاني : أنه ذكر صفته ، وهو قوله ( المستقيم ) .

فما وجه ذلك ؟

يقال : هذا يدل على تعينه واختصاصه ، ما قال : اهدنا صراطاً مستقيماً ، أي صراط ، وإنما قال (اهدنا الصراط المستقيم) وكلما كثرت القيود والأوصاف كلما كان ذلك أدق في تعيين المقصود، فإذا قلت مثلاً: أريد ماءً ، فهذا يصدق على  كل ماء من مياه الأمطار والبحار والأنهار والآبار وغير ذلك ، الماء النقي وغير النقي ، البارد وغير البارد .

وإذا قلت : أريد ماء نقياً ، فخرجت المياه الملوثة ، وإذا قلت : أريد ماء نقياً عذباً ، خرجت المياه النقية المالحة ، وإذا قلت : أريد ماء نقياً عذباً بارداً ، خرجت المياه التي لا تكون كذلك ، فكلما كان القيود والأوصاف كلما كان ذلك أكثر تحديداً للموصوف .

انظروا إلى قول الله عز وجل لبني إسرائيل حينما أمرهم على لسان نبيه  e موسى أن يذبحوا بقرة ، فلو ذبحوا أي بقرة لكفى ، فسألوا عن صفتها من جهة السن ، فقال لهم هي وسط لا فارض ولا بكر ، فسألوا عن لونها، فقال لهم صفراء فاقع لونها، فبالأول خرجت الأبقار الصغيرة والأبقار الكبيرة، وبالثاني خرجت سائر الألوان غير اللون المذكور صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، ثم سألوا عن منافعها وما تصلح له من العمل لما قالوا له ، ( قال لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ) ضيقت هذه الأوصاف ضيقت الموصوف ، فما وجدوا هذه البقرة إلا بصعوبة ، وهكذا في كل شأن من الشؤون ، فإذا قال  اهدنا صراطاً مستقيماً ، فهذا واسع ، إذا قال : اهدنا صراطاً فقط غير لما يقول : اهدنا صراطاً مستقيماً ، غير لما يقول ( اهدنا الصراط المستقيم ) فهذا يدل على تعينه واختصاصه ، بخلاف السبل الأخرى فهي كثيرة متعرجة مائلة منحرفة ، كما أنه أيضاً يدل على أنه صراط واحد ( الصراط المستقيم ) ليس هناك صراط آخر يصل به العبد إلى النجاة سوى هذا الصراط المستقيم ، وقد أخرج الإمام أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود t قال : خط لنا رسول الله  e خطاً وقال : ( هذه سبيل الله ) ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره وقال : ( هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ) ثم قرأ قوله تعالى ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) فالطرق كثيرة جداً ، ولكن صراط الله عز وجل واحد ، ولهذا قال هنا عرفه بهذين التعريفين لأنه طريق متعين ، عينه الله عز وجل ورسمه وحدده ووصفه بأبلغ الأوصاف ولا يمكن أن يوصِل إليه طريق آخر سوى هذا الطريق .

فـ(الألف واللام) التي دخلت على الصراط إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره ، وهذه ( اللام ) هنا للعهد العلمي الذهني .

قد بينت لكم أنواع اللامات العهدية ، العهد الذهني ، والعهد الحضوري ، والعهد الذكري ، الذكري في قوله ( أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول ) يعني المذكور قبل قليل ، وأما الذهني ؛ فكما إذا كان بيني وبينك أمر من الأمور فقلت لك : جاء الرجل ، فعرفت أنت من المقصود للأمر الذي في الذهن ، في ذهنك أنت ، جاء الرجل ففهمت قلت : أين هو ؟

وأما العهد الحضوري فكأن أقول مثلاً : الرجل ينتظرك ، الرجل اللي أمامك حاضر ، فهذه ( ال ) للعهد ، لأي عهد ؟ العهد الحضوري .

فالحاصل أن هذه اللام إذا دخلت على موصوف أنها تدل على فأنها أحق بهذه الصفة من غيره .

وقد يقول قائل : إن الله عز وجل ذكر هذا الصراط في موضع آخر من غير ( ال ) وذلك في قوله تبارك وتعالى ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) فقد تقول : بينت أن دخول ( ال ) عليه تدل على تعينه وأنه أحق بهذه الصفة المذكورة وهي الاستقامة ، فهنا لم تدخل عليه ( ال ) ( وإنك لتهدي إلى صراط ) وكقوله ( ويهديك صراطاً مستقيماً ) وكقوله ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم صراط الله ) فتجردت من
( ال ) جميعاً ، فما الجواب عن ذلك ؟ ماذا يقال فيه ؟

عند تأمل هذه الأمثلة جميعاً (إنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (يهديك صراطاً مستقيماً) (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) إذا نظرت إلى هذه الأمثلة الثلاثة وقارنت بينها وبين قوله (اهدنا الصراط المستقيم) .

ما الفرق بين آية الفاتحة وبين هذه الآيات الثلاث ؟

نقول : آية الفاتحة في مقام الدعاء والمسألة ( اهدنا الصراط المستقيم ) وأما قوله ( وإنك لتهدي إلى صراط ) فهذا إخبار ، وكقوله تبارك وتعالى ( ويهديك صراطاً مستقيماً ) وعدٌ ، وكذلك ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ) فهذا كله على سبيل الإخبار ، ليس على سبيل الدعاء .

فيمكن أن يقال والله تعالى أعلم : إن آية الفاتحة في مقام الطلب والدعاء ، ثم أيضاً هذه المواضع الثلاث كأنه لا عهد للمكلف بهذا الصراط ، فوعد نبيه  e بالهداية إليه فقال ( ويهديك صراطاً مستقيماً ) وأمره بالإخبار بهذه الهداية فقال ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ) ووصف نبيه  e في ذلك بقوله ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) فبعض أهل العلم يقولون : كأنه لا عهد للمكلفين والمخاطبين بهذا الصراط فلما عرفوه وجههم إلى سؤاله ، فكأنهم قالوا : يا رب اهدنا الصراط الذي أخبرتنا عنه وهديت إليه نبيك  e وأخبرت أنه يهدي إليه ويدعو إليه ويرشد إليه ، فاهدنا هذا الصراط ، كأنهم لما عرفوا بتلك الأخبار هذا الصراط سألوا ربهم أن يهديهم إليه ، والله تعالى أعلم .

وهنا في سورة الفاتحة عرف الصراط بـ ( ال ) كما سبق ، وعرفه بوصفه بالاستقامة ( المستقيم ) وعرفه في موضع آخر بالإضافة وهو في الآية التي بعدها (صراط الذين أنعمت عليهم) لا حظ في الموضع الأول (اهدنا الصراط) بدخول (ال) عليه ، وبوصفه بالاستقامة (المستقيم) وفي الآية التي بعدها (صراط الذين أنعمت عليهم) فعرفه بالإضافة إلى السالكين وهم المنعم عليهم .

وعلى كل حال كل ذلك على سبيل الإفراد ( صراط الذين أنعمت عليهم ) اهدنا الصراط المستقيم ) ( إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) ( ويهديك صراطاً مستقيماً ) ( قل إنني هداني ربي إلى صراط ) كله على سبيل الإفراد لتقرير المعنى الذي ذكرته والله أعلم وهو أن طريق الحق واحد ، وأن طرق الباطل كثيرة ، فمن رام الحق وأراد النجاة فعليه أن يتبع القرآن ، أن يتبع الرسول e (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).

وأما الذين يقولون : إن الطرق إلى الله كثيرة ، وأنها بعدد أنفاس الخلائق ، فإن هؤلاء لا شك أنهم معارضون للقرآن مخالفون لصريح نصوصه ولما جاء عن النبي e من قوله ( فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) فليس هناك طريق يوصل إلى المطلوب إلا الطريق الذي رسمه الشارع ، ولا يجوز لأحد أن يسلك طريقاً آخر بذوقه واجتهاده أو ما يستحليه ويختاره برأيه ، ليس له ذلك لأنه متعبد لله عز وجل باتباع الرسول e والله لا يعبد إلا بما شرع .

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s