أصول الفقه

تعريفه:

أصول الفقه: هو علم يُبحث فيه عن قواعد استنباط أحكام التشريع الإسلامي من أدلّتها.

شرح التعريف:

ولأجل أن نستوضح معنى هذا التعريف كاملاًن نكون بحاجة إلى إيضاح وشرح المفاهيم الثلاثة، التي اشتمل عليها التعريف، وهي: القواعد، والأحكام، والأدلّة.

القواعد

تعريف القاعدة:

القاعدة: هي قضية كلّية تطبق على جزئياتها، لمعرفة أحكام الجزئيات.

توضيح التعريف:

ولمعرفة معنى القاعدة أكثر، ومعرفة كيفيّة استفادة الحكم من تطبيقها على جزئيّاتها، نمثّل لذلك بما يأتي:

القاعدة:

من قواعد علم أصول الفقه، القاعدة التالية: (كلّ ظاهر قرآني حجة.

الجزئي:

ومن الظواهر الواردة في القرآن الكريم، والتي هي من جزئيات هذه القاعدة، قوله تعالى: “أقيموا الصلاة”، لظهور “أقيموا” في الوجوب.

التطبيق:

ويؤلف التطبيق وفق طريقة القياس -التي هي من طرق الاستدلال المنطقي- على الصورة التالية:

“أقيموا” أمر مجرّد، وكل أمر مجرد ظاهر في ا لوجوب، فـ”أقيموا” ظاهر في الوجوب.

ثم نقول:

“أقيموا” ظاهر قرآني، وكلّ ظاهر قرآني حجة، فـ”أقيموا” حجة.

وننتهي إلى النتيجة الأخيرة:

آية “أقيموا الصلاة” حجة في وجوب الصلاة.

الأحكام

تعريف الأحكام:

الحكم: “هو التشريع الصادر من الله تعالى، لتنظيم حياة الإنسان”.

توضيح التعريف:

الإنسان يعيش في الحياة وهذا الكون، ويتفاعل مع جميع ما في هذه الحياة وما في هذه الكون، وتقوم بينه وبين هذه الكائنات من الأحياء والجماد، وبينه وبين خالقه وخالق هذه الكائنات وبارئها، وهو الله تعالى، علاقات متنوعة.

وطبيعة هذه العلاقات، على اختلاف أنواعها ومجالاتها، سواء كانت من الإنسان مع الله تعالى، أو مع الأسرة، أو المجتمع، أو مع الدولة، أو كانت بين الأسرة والأسرة الأخرى، أو بين المجتمع والمجتمعات الأخر، أو بين الدولة والدول الأخريات، أو كانت داخل إطار الإنسان ذاته، أو داخل إطار الأسرة، أو داخل إطار المجتمع، أو داخل إطار الدولة.

أقول: إن طبيعة هذه العلاقات، على اختلاف أنواعها ومجالاتها، تتطلب التنظيم عن طريق وضع تعليمات لتوجيه سلوك الإنسان، لكي تقوم كل علاقة -بدورها- بما يعود على الإنسان، فرداً وأسرة، ومجتمعاً ودولة، بالخير والسعادة.

هذه التشريعات التي توضع نظاماً يوجه سلوك الإنسان، هي الأحكام، وقد شملت هذه الأحكام من قبل الشريعة الإسلامية كل مجالات سلوك الإنسان في الحياة والكون.

فللتشريع الإسلامي في كل سلوك إنساني، فردياً كان أو اجتماعياً، تعليم خاص لتوجيهه، ومجموعة هذه التعليمات لتوجيه سلوك الإنسان، هي أحكام التشريع الإسلامي.

أنواع الحكم:

ينوع الحكم إلى نوعين، هما: الحكم الواقعي، والحكم الظاهري.

1- الحكم الواقعي: وهو الحكم المجعول للشيء بواقعه.

وينوّع الحكم الواقعي إلى نوعين أيضاً، هما: الواقعي الأولي، والواقعي الثانوي.

ألف- الواقعي الأولي: وهو الحكم المجعول للشيء بواقعه الأولي، من دون ملاحظة ما يطرأ للشيء من عوارض، مثل إباحة شرب الماء.

ب- الواقعي الثانوي: وهو الحكم المجعول للشيء بملاحظة ما يطرأ له من عوارض تقتضي تغيير حكمه الأولي، مثل وجوب شرب الماء إذا توقف إنقاذ الحياة عليه، فإن عروض توقف إنقاذ الحياة على شرب الماء، اقتضى تغيير حكمه الأولي، وهو الإباحة، إلى حكمه الثانوي، وهو الوجوب.

2- الحكم الظاهري: وهو الحكم المجعول للشيء عند الجهل بحكمه الواقعي، مثل الحكم بطهارة الإناء الذي لم تعلم نجاسته.

أقسام الحكم

يقسم الحكم بمختلف أنواعه إلى ثلاثة أقسام، هي: التكليفي، و التخييري، والوضعي.

أولاً- الحكم التكليفي: وهو الوجوب والندب والحرمة والكراهة.

ألف- الوجوب: وهو الإلزام بالفعل.

أقسام الوجوب:

يقسم الوجوب بتقسيمات مختلفة إلى الأقسام التالية:

أولاً- يقسم إلى العيني والكفائي:

1- الوجوب العيني: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من كل مكلف، ولا يسقط عنه بامتثال الآخرين، كالصلاة والصوم.

2- الوجوب الكفائي: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من عامة المكلفين، ويسقط بامتثاله بعضهم له، كالصناعات والحرف التي يحتاجها المجتمع.

وثانياً: يقسم إلى التعييني والتخييري:

1- الوجوب التعييني: “هو الوجوب الذي يتعلق بفعل بعينه، ولا يرخّص في تركه إلى بدل”، كصوم شهر رمضان.

2- الوجوب التخييري: “وهو الوجوب الذي يتعلق بأحد الشيئين أو الأشياء على البدل”، كخصال كفارة إفطار يوم من شهر رمضان تعمداً، حيث يتخير المكلف بين عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.

وثالثاً: يقسم إلى المؤقت وغير المؤقت:

1- الوجوب المؤقت: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله في وقت معين.

وينقسم الوجوب المؤقت إلى قسمين، هما: المضيق والموسع.

ألف- المضيّق: وهو الوجوب المؤقت الذي يطلب امتثاله في زمان بمقداره، كصوم نهار شهر رمضان.

ب- الموسّع: وهو الوجوب المؤقت الذي يتطلب امتثاله في زمان أوسع منه، كالصلاة اليومية.

2- الوجوب غير المؤقت: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من غير توقيت بزمن معيّن، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ورابعاً: يقسّم إلى المطلق والمقيّد:

1- الوجوب المطلق: وهو الوجوب الذي لم يقيّد تحققه بشيء.

ويقسم الوجوب المطلق إلى قسمين، هما: المنجز والمعلق:

ألف- المنجز: “وهو ما كان مخلّى عن القيد الزماني وجوباً وواجباً”، كالصلاة بعد دخول وقتها.

2- الوجوب المقيد، ويسمى بالمشروط أيضاً: وهو الوجوب الذي يقيّد تحقّقه بشيء، كالحج المشروط بالاستطاعة.

وخامساً: يقسّم إلى التعبّدي والتوصّلي:

1- الوجوب التعبدي: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله مشروطاً بالتقرب به إلى الله “تعالى”، كالصلاة والصوم وسائر العبادات.

2- الوجوب التوصّلي: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله غير مشروط بالتقرب به إلى الله تعالى، كتطهير الثوب من النجاسة.

وسادساً: يقسّم إلى المحدّد وغير المحدّد:

1- الوجوب المحدّد: وهو الوجوب المحدّد بمقدار معيّن، ويطلب امتثاله بالمقدار المحدّد له، كدفع ضريبة الزكاة كاملة، الإتيان بصلاة الصبح ركعتين.

2- الوجوب غير المحدد: وهو الوجوب الذي لم يحدّد بمقدار معيّن، كالعدل والاحسان.

وسابعاً: يقسّم إلى النفسي والغيري:

1- الوجوب النفسي: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله لغيرهن كالوضوء للصلاة.

ب- الندب: وهو الدعوة إلى الفعل من غير إلزام، كالصلاة.

ج- الحرمة: وهو الإلزام بالترك، كشرب الخمر.

د- الكراهة: وهي الدعوة إلى الترك من غير إلزام كالوضوء بالماء المسخّن بالشمس.

ثانياً- الحكم التخييري: وهو الإباحة.

والإباحة: هي التخيير بين الفعل والترك من دون ترجيح، كشرب الماء في الحالات غير الاضطرارية.

ثالثاً- الحكم الوضعي: وهو “الاعتبار الشرعي الذي لا يتضمن الاقتضاء والتخيير”، كاعتبار شيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً لشيء آخر، أمثال:

اعتبار السرقة سبباً لقطع اليد بقوله تعالى: “والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما”.

واعتبار الاستطاعة شرطاً لوجوب الحج بقوله تعالى:”ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً”.

اعتبار القتل مانعاً من الإرث بقوله صلى الله عليه وآله: “لا يرث القاتل شيئاً”.

الأدلّة

تعريف الدليل:

الدليل: هو ما يستنبط منه الحكم، أمثال: الكتاب والسنة والاستصحاب والبراءة.

تقسيم الدليل:

يقسّم الدليل على أساس استفادة الحكم منه إلى قسمين، هما: الدليل الاجتهادي والدليل الفقاهي:

1- الدليل الاجتهادي: وهو مصدر الحكم الواقعي.

والأدلّة الاجتهادية هي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

2- الدليل الفقاهي: وهو مصدر الحكم الظاهري.

والأدلّة الفقاهية هي: الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير.

موضوعه:

موضوع أصول الفقه: هو أدلة أحكام التشريع الإسلامي.

فائدته:

فائدة أصول الفقه: هي تحصيل القدرة على استنباط أحكام التشريع الإسلامي من أدلتها.

أدلة التشريع الإسلامي

وإلى هنا نكون قد انتهينا إلى أنّ أدلة التشريع الإسلامي، التي هي مصادره ومستنداته، والتي يرجع إليها في معرفة أحكامه، اجتهادية وفقاهية، هي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، والاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير.

ووفق هذا التقسيم المشار إليه، نشرع بدارة كل واحد من هذه المصادر أو الأدلّة، التي تشكل بدورها موضوع علم أصول الفقه.

الأدلّة الاجتهادية

الأوّل- الكتاب

تعريفه:

الكتاب: هو القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى على نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله واعتبره قرآناً.

شرح التعريف:

قيّد التعريف بعبارة: واعتبره قرآناً، لإخراج الحديث القدسي، فإنه وإن نسب إلى الله، إلا إنه لا يعتبر قرآناً.

ولإخراج السنّة، فإن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وإن كانت من الله تعالى، لتصريح القرآن نفسه بذلك في قوله تعالى: “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”، إلا إنها ليست بقرآن. ولإخراج نقل آيات القرآن بالمعنى وتفسيرها وترجمتها، فإنها لا تعتبر قرآناً، لعدم توفرها على الألفاظ والأسلوب، الذين نزل بهما القرآن، لأنّهما -أعني الألفاظ والأسلوب- شرط أساسي في اعتباره قرآناً.

وفي ضوئه: لا يعدّ الاستدلال بتفسير القرآن استدلالاً بالقرآن، ولا الاستدلال بترجمة القرآن استدلالاً بالقرآن.

والكتاب المتداول بين أيدينا هو القرآن الكريم، كما نزل بمعانيه وألفاظه وأسلوبه، لم يزد عليه شيء ولم ينقص منه شيء، لثبوت ذلك بالنقل المتواتر، “وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله”.

حجيته:

لا خلاف بين المسلمين في أن القرآن حجة على كل مسلم ومسلمة، والدليل على ذلك يتألف من مقدمتين، تنهيان إلى القطع بصدوره من الله تعالى المستلزم لحجيته، وهما:

1- القطع بصدوره عن النبي صلى الله عليه وآله، لثبوت ذلك بالنقل المتواتر من قبل المسلمين جيلاً بعد جيل.

2- ثبوت نسبته إلى الله تعالى، لإعجازه بأسلوبه ومعانيه، وتحدّيه بلغاء عصره، وعجزهم عن مجاراته، وثبوت صدقه في أخباره عن المغيبات.

آيات التشريع في القرآن:

في القرآن الكريم حوالي خمسمائة آية ترتبط بأحكام التشريع الإسلامي وتشكل هذه الآيات الشريفة قسماً من نصوص التشريع الإسلامي، وتسمى بـ(آيات الأحكام).

 السُنة

تعريفها:

السنة: هي قول المعصوم وفعله وتقريره.

شرح التعريف:

لأجل أن نفهم محتوى هذا التعريف كاملاً، لابد من توضيح المفاهيم التي اشتمل عليها، وهي:

1- المعصوم: وهو كل من ثبتت له العصمة بالبرهان.

والمقصود من المعصوم -هنا- النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الإثنا عشر من أهل بيته -عليهم السلام-، حيث قام البرهان على عصمتهم -كما تأتي الإشارة إليه-

2- قول المعصوم: هو كلّ ما يتكلم به المعصوم، مما يتصل بالتشريع وبيان الأحكام.

3- فعل المعصوم: وهو كل ما يقوم به المعصوم من سلوك عملي.

4- تقرير المعصوم: وهو كل ما يثبت إقرار المعصوم المسلمين عليه، من أعمال يقومون بها أمامه وبمرأى منه.

والخلاصة:

السنة: هي كل ما يقوله المعصوم أو يفعله أو يقره، مما يتصل بالتشريع وبيان الأحكام.

حجيتها:

يجمع المسلمون كافة على أن السنة الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله، قولاً وفعلاً وتقريراً، حجة علىكل مسلم ومسلمة، لأنها عدل القرآن في التشريع، لقيامها بتفسير أحكامه وبيان تفصيلاتها وتفريعاتها، ولولاها لما عرفت أحكام القرآن، لأنه تضمّن أسس التشريع وأصوله، دون تفصيلاته وتفريعاته.

أمّا حجية السنة الصادرة عن الأئمة من أهل البيت “عليهم السلام”، قولاً وفعلاً وتقريراً، فترجع إلى ثبوت إمامتهم وعصمتهم، وقيامهم مقام النبي صلى الله عليه وآله من بعده بوظيفة تبليغ الأحكام الواقعية، وقد تكفلت باستعراض الأدلّة الوافية على إمامتهم وعصمتهم وإسناد مهمة تبليغ الأحكام الواقعية بعد النبي صلى الله عليه وآله إليهم، كتب ومدوّنات الإمامة وعلم الكلام فلتراجع هناك.

كيفية استنباط الحكم من الكتاب والسنة

يشترك كل من القرآن والحديث في نوعية دراستهما، لاستفادة أحكام التشريع الإسلامي منهما، وذلك لأن كليهما نصوص لفظية ولا يختلفان إلا في مصدرهما، حيث إن القرآن من الله تعالى، والحديث عن المعصومين “عليهم السلام”.

ودراسة النصوص اللفظية تنوع في علوم التشريع الإسلامي إلى نوعين، هما: دراسة السند، ودراسة المتن:

1- دراسة السند: وتدور حول معرفة صحة أو خطأ نسبة النص إلى قائله.

2- دراسة المتن: وتدور حول معرفة مدلول النص (مضمون النص).

 النص

ودراسة النص -بطبيعتها- لا تتطلب أكثر من التأكد من أن اللفظ نص في معناه، وليس هو من نوع الظاهر.

وذلك لأن هذا النوع من التأكد ينتهي – عادة – إلى القطع بإدراة المعنى، الذي دل عليه اللفظ، والقطع حجة بالبداهة -كما تقدم.

مثاله:

1- من القرآن: “والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هو الفاسقون”.

ففي هذا الآية الكريمة، يستفاد من كلمة “أبداً”، حرمة قبول شهادة الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، حرمة مؤبدة، وذلك لإنحصار كلمة “أبداً” في الدلالة على التأبيد والاستمرار، لأنها نص في معنى التأبيد.

2- من الحديث: “المحرم إذا تزوج وهو يعلم إنه حرام عليه، لم تحلّ له أبداً”.

ففي هذا الرواية الشريفة أيضاً ينتهي إلى إستمرار عدم حلية المرأة على المحرم، الذي تزوجها في حالة إحرامه، وهو يعلم أن الزواج حالة الإحرام حرام عليه، وذلك لأن كلمة “أبداً” نص في الإستمرار والتأبيد – كما تقدم.

الظاهر

أما دراسة الظاهر، فقد وضع العلماء قواعد لتعيين ظواهر الألفاظ وتشخيصها، بحثوها ضمن العناوين التالية:

الأوامر، النواهي، المفاهيم العالم والخاص، المطلق والمقيد.

الطريقة العامة:

والطريقة العامة لاستفادة الحكم من ظواهر القرآن والحديث، هي:

1- أن يتأكد من ظهور اللفظ في المعنى، وذلك لتطبق عليه قاعدة الظهور، وهي: كل ظاهر حجة، التي ثبتت حجيتها بالبداهة، لقيام بناء العقلاء وسيرتهم الإجتماعية على الأخذ بالظواهر في مجال التفاهم والمحاورات، والشارع المقدس أحد العقلاء بل سيّدهم، ولم يعرف عنه أنه انتهج طريقة جديدة له في عالم التفاهم، وإنما المعروف عنه أنه سار بنفس السيرة الاجتماعية للعقلاء.

2- ويتأكد بعد ذلك من عدم وجود ما يمنع من الأخذ به والعمل على وفقه.

3- فينتهي إلى تحصيل الحكم، وهو المعنى الظاهر.

كما سيتضح هذا أكثر عند استعراضنا قواعد تعيين الظواهر فيما يأتي.

 الأوامر

تعريف الأمر:

الأمر: هو طلب الفعل من العالي إلى الداني.

ويبحث الأمر من ناحيتي مادته وصيغته:

ألف- مادة الأمر:

وهي: (أ.م.ر)، وكل ما اشتق مها من أفعال، وهي: أمر، يأمر، مر، وأسماء، أمثال: آمر، مأمور، أمر.

دلالتها:

مادة الأمر من الألفاظ الظاهرة في الوجوب والدالة عليه، وذلك لن “العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره، قضاء لحق المولوية والعبودية”.

شرط دلالتها:

يشترط في ظهور لفظ الأمر في الوجوب ودلالتها عليه ما يلي:

1- أن يكون من العالي إلى الداني.

2- أن يكون مجرداً من القرائن، التي تصرفه إلى الاستحباب أو إلى مطلق الجواز.

ب- صيغة الأمر:

يتحقق الأمر بكل تعبير يعطي معناه، أمثال:

1- فعل الأمر، نحو: اقرأ، صل.

2- الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، نحو: لتقرأ، لتصم.

3- اسم فعل الأمر، نحو: صه عليك، مكانك.

4- الفعل المضارع المقصود به الإنشاء، نحو: الصلاة مطلوبة منك، زكاة الفطرة عليك.

6- المصدر النائب عن فعل الأمر، نحو: إعادة للفعل صياماً.

دلالتها:

صيغ الأمر من الألفاظ والتعابير الظاهرة في الوجوب والدالة عليه، وذلك لحكم العقل بوجوب طاعة الآمر، قضاء لحق المولوية والعبودية، نظير ما تقدم.

شرط دلالتها:

يشترط في ظهور صيغ الأمر في الوجوب ودلالتها عليه ما يلي:

1- أن تكون من العالي إلى الداني.

2- أن تكون مجردة من القرائن التي تصرفها إلى الاستحباب، أو إلى مطلق الجواز.

كيفية استفادة الحكم من الأمر:

هي أن يعمد الفقيه إلى التأكد، من أن اللفظ أو التعبير الوارد في الكتاب والسنة، والذي يريد الاستدلال به يعطي معنى الأمر، ثم إلى التأكد من خلوّه عن أية قرينة تصرفه إلى الدلالة على غير الوجوب.

وبعد أن يثبت لديه أن الآية أو الحديث يتضمن معنى الأمر، وأنه خال من القرينة التي تصرفه إلى غير الوجوب، يقوم بتطبيق قاعدة الظهور عليه، ثم ينتهي بالآخرة إلى النتيجة، وهي: دلالة الآية أو الحديث على الوجوب.

مثاله:

1- “أقيموا الصلاة”.

وكيفية الاستفادة من هذه الآية الكريمة، هي أن نقول:

ألف- أن “أقيموا” فعل أمر، وفعل الأمر متضمن لمعنى الأمر بالبداهة.

ب- وهو مجرد من القرائن التي تصرفه عن الدلالة على الوجوب.

ج- فتكون النتيجة هي: أن “أقيموا” ظاهر في الوجوب ودال عليه.

د- فينتهي إلى وجوب الصلاة بظاهر هذه الآية الكريمة.

2- “اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه”.

وكيفية الاستفادة من هذا الحديث الشريف، هي أن نتبع حول عبارة “اغسل”، نفس الخطوات التي اتبعناها حول عبارة “أقيموا”، فنقول:

ألف- أن “اغسل” فعل أمر.

ب- وهو مجرد من قرائن الاستحباب ومطلق الجواز.

ج- فتكون النتيجة ظهوره في الوجوب.

د- ثم ينتهي بعده إلى وجوب غسل الثوب من أبوال الحيوانات المحرّمة الأكل بظاهر الرواية الشريفة.

الأمر لغير الوجوب

ومن أمثلة الأمر لغير الوجوب ما يلي:

1- للاستحباب، مثل: “اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى اسباغاً”، الرواية الدالة على استحباب غسل الوجه ثانية في الوضوء، بقرينة مجيئها في سياق “فريضة” و”اسباغا”.

2- للجواز، مثل: “إذا حللتم فاصطادوا”، الآية الدالة على الترخيص ومطلق الجواز، لورودها بعد المنع من الصيد حال الإحرام، الذي تضمنته الآية الكريمة التالية: “وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً”، لأنه لا دلالة فيه على نوع الحكم.

النواهي

تعريف النهي

النهي: هو طلب الترك من العالي إلى الداني.

ويبحث النهي من ناحيتي مادته وصيغته أيضاً:

ألف – مادة النهي:

وهي: (ن.هـ.ي)، وكل ما اشتق منها من أفعال، وهي (نهى، ينهى، إنه)، وأسماء، أمثال: (ناهي، منهي، نهي).

دلالتها:

مادة النهي من الألفاظ الظاهر في التحريم والدالة عليه، وذلك لن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والإنزجار عن زجرهن قضاء لحق المولوية والعبودية -كما تقدم في الأمر.

شرط دلالتها:

يشترط في ظهور لفظ النهي في التحريم ودلالتها عليه ما يلي:

1- أن يكون من العالي إلى الداني.

2- أن يكون مجرّداً من القرائن التي تصرفه إلى الكراهة.

ب- صيغة النهي:

يتحقق النهي بكل تعبير يعطي معناه، أمثال:

1- الفعل المضارع المقترن بـ( لا- الناهية)، نحو: لا تقرأ، لا تكذب.

2- أسلوب التحذير، نحو إياك أن تكذب.

3- الجملة الخبرية، نحو: “ويل للمطففين”.

دلالتها:

صيغ النهي من الألفاظ والتعابير الظاهر في التحريم والدالة عليه، وذلك لحكم العقل بحرمة مخالفة الناهي، قضاء لحق المولوية والعبودية.

شرط دلالتها:

يشترط في ظهور صيغ النهي في التحريم ودلالتها عليه ما يلي:

1- أن تكون من العالي إلى الداني.

2- أن تكون مجردة من القرائن التي تصرفها إلى الكراهة.

كيفية استفادة الحكم منه:

هي أن يعمد الفقيه إلى التأكد، من أن اللفظ أو التعبير الوارد في الكتاب أو السنة، والذي يريد الاستدلال به، يعطي معنى النهي، ثم التأكد من خلوّه عن أية قرينة تصرفه إلى الدلالة على غير الحرمة.

وبعد أن يثبت لديه أن الآية أو الحديث يتضمن معنى النهي، وأنه خال من القرينة التي تصرفه إلى غير الحرمة، يقوم بتطبيق قاعدة الظهور عليه، ثم بالآخرة ينتهي إلى النتيجة، وهي دلالة الآية أو الحديث على الحرمة.

مثاله:

1- “لا تأكلوا الربا”.

وكيفية الاستفادة من هذه الآية الكريمة، هي أن تقول:

ألف- أن “لا تأكلوا” فعل مضارع مقترن بـ( لا الناهية)، والفعل المضارع المقترن بلا الناهية متضمن لمعنى النهي بالبداهة.

ب- وهو مجرد من القرائن التي تصرفه عن الدلالة على الحرمة.

ج- فتكون النتيجة، هي أن “لا تأكلوا” ظاهر في الحرمة ودال عليها.

د- فينتهي إلى حرمة الربا، بظاهر هذه الآية الكريمة.

2- “لا تتزوج إبنة الأخ ولا ابنة الأخت على العمة ولا على الخالة إلا بإذنها”.

وكيفية الاستفادة من هذا الحديث الشريف، هي أن نتبع حول عبارة “لا تتزوج”، نفس الخطوات التي اتبعناها حول عبارة “لا تأكلوا”، فنقول:

ألف- أن ” لا تتزوج” فعل النهي.

ب- فتكون النتيجة ظهوره في الحرمة ودلالته عليها.

د- ثم ينتهي بعده إلى حرمة تزوج ابنة الأخ، أو ابنة الأخت على العمة أو الخالة بدون إذنهما.

النهي لغير الحرمة

مثل: “الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضؤوا به ولا تعجنوا به، فإنه يورث البرص”، الرواية الدالة على كراهة التوضئ والعجن بماء سخنته الشمس بقرينة التعليل.

المفاهيم

تعريف المفهوم:

المفهوم: هو المدلول الالتزامي للجملة.

شرح التعريف:

يراد من المدلول الالتزامي -هنا- المعنى الذي يدل عليه بالدلالة الالتزامية، التي هي نوع من أنواع الدلالة الوضعية اللفظية، كقولنا: إذا نمت فقد انتقض وضوءك، فإن المدلول الالتزامي لهذه الجملة هو: إذا لم تنم لا ينتقض وضوءك.

ويقابل المفهوم -هنا- المنطوق.

والمنطوق: هو المدلول المطابقي للجملة.

والمدلول المطابقي: هو المعنى الذي يدل عليه بالدلالة المطابقية التي هي نوع أنواع الدلالة الوضعية اللفظية أيضاً.

والمدلول المطابقي للجملة المتقدمة: إذا نمت فقد انتقض وضوءك، هو: إنه إذا تحقق منك النوم يبطل وضوءك.

والخلاصة: إن لهذه الجملة مدلولين: مدلول مطابقي، وهو المنطوق، ومدلول التزامي، وهو المفهوم.

تقسيم المفهوم:

ينقسم المفهوم إلى قسمين، هما: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.

1- مفهوم الموافقه: وهو ما كان الحكم فيه موافقاً للحكم في المنطوق.

شرحه:

يعني بهذا التعريف أنه إذا كان الحكم في المنطوق هو التحريم، يكون الحكم في المفهوم هو التحريم أيضاً، وإذا كان الحكم في المنطوق هو الوجوب، يكون في المفهوم هو الوجوب أيضاً، وهكذا.

مثاله:

ألف- “ولا تقل لهما أف”.

فإن المنطوق في هذه الآية الكريمة، هو النهي عن قول “أُف” للأبوين، وحكمه هو الحرمة.

والمفهوم فيها هو النهي عما يكون أشد إهانة وإيلاماً من قول “أُف” للأبوين، كالضرب والشتم، وحكمه هو الحرمة أيضاً.

ب- “لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة، وإن أصابك من عرقها شيء فاغسله”.

فإن المنطوق في هذه الرواية الشريفة هو الأمر بغسل ما يصيبه عرق الإبل الجلالة، وحكمه هو الوجوب.

والمفهوم فيها هو الأمر بغسل ما يصيبه من الإبل الجلالة، مما هو أولى بالنجاسة كالبول، بناء على أن البول أولى بالنجاسة، وحكمه الوجوب أيضاً.

2- مفهوم المخالفة: وهو ما كان الحكم فيه مخالفاً للحكم في المنطوق.

شرحه:

يعني بهذا التعريف: أنه إذا كان الحكم في المنطوق هو الحرمة، يكون الحكم في المفهوم مخالفاً لهن وهو الحلية، كقولنا: إذا لم تذكّ الشاة فلا تأكل لحمها، فإن حكم المنطوق هنا هو حرمة أكل لحم الشاة إذا لم تذك، وحكم المفهوم هو حلية أكل لحم الشاة إذا ذكّيت.

أقسام مفهوم المخالفة:

ذكروا لمفهوم المخالفة عدة أقسام، هي:

1- مفهوم الشرط.

2- مفهوم الوصف.

3- مفهوم الغاية.

4- مفهوم الحصر.

5- مفهوم العدد.

6- مفهوم اللقب.

ونظراً لعدم ظهور الأقسام الثلاثة الأخيرة: الحصر والعدد واللقب، على الحكم بالانتفاء عند انتفائها، سأقتصر على استعراض الأقسام الثلاثة الأولى: الشرط والوصف والغاية.

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s