الجزء الأول في الطهارة والصلاة الدكتور مصطفى الخن الدكتور مصطفى البغا علي الشربجي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم كتابه المبين: )فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين(.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرسول الأمين قائد الغر الميامين القائل:  “من يرد الله به خيراً يفقه في الدين” وعلى آله الطاهرين وأصحابه الذين عملوا على نشر هذا الدين بالحجة والدليل الواضح المبين.
وبعد: فغن خير ما يشتغل به الإنسان معرفة الحلال والحرام من الأحكام، وعلم الصحيح من الفاسد من الأعمال؛ وعلم الفقه هو الذي أخذ على عاتقه بيان ذلك. ولقد ألف كثير من علمائنا الأقدمين كتبا في هذا الفن يكاد لا يحصيها العدّ، ولا شك أن كل واحد من هؤلاء المؤلفين الأفاضل قد لاحظ أن هناك ثغرة يوجب عليه دينه أن يقوم بسدها وحاجة يجب عليه أن يبذل كل ما في وسعه لقضائها؛ فمن مطول يجد أن هناك حاجة ماسة للتطويل، ومن مختصر يجد أن هناك طلباً ملحاً للاختصار، ومن ناظم ومن ناثر، ومن باحث في أمهات المسائل وما ينبثق منها من فروع، ومن مقتصر على بيان أمهات المسائل من غير تعرض لكثير من الفروع، وكلهم يقصد بما ألفه ملء فراغ يجب أن يملأ، وفرجة في المكتبة الإسلامية يجب أن تسد، لعل الله سبحانه أن يكون راضياً عنه بما عمل، ومسجلاً عمله في عداد الصدقات الجارية والعلم النافع التي لا ينقطع ثوابها إلى يوم القيامة.
ولقد لاحظنا أن هناك حاجة إلى سلسلة فقهية تذكر فيها أمهات المسائل مقرونة بأدلتها من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، مشفوعة ببيان ما نستطيع أن نصل إليه بعقولنا من حكمة التشريع. مع سهولة في التعبير، وإكثار من العناوين المنبهة إلى ما تحتها من مسائل. ومع اعتقادنا بأننا لم نبلغ بعد درجة أسلافنا الفقهاء العظام فإننا شعرنا أن من الواجب علينا أن نقوم بالأمر، فاستعنّا بالله وقمنا بذلك على قدر استطاعتنا تاركين لأرباب الكفاءة الصحيحة تتميم ما نقص، وإصلاح ما اعوجَّ، وتصويب ما وقع فيه من الخطأ، إذ لا ندعي – ولن ندعي- أننا قد بلغنا الغاية مع إفراغ جميع ما لدينا من وسع.
وها نحن أولاء نقدم الحلقة الأولى من السلسة في موضوع الطهارة والصلاة الواجب على كل مسلم العلم به؛ وأسمينا هذه السلسة (الفقه المنهجي) على مذهب الإمام الشافعي، وما على إخواننا الذين يريدون الوصول إلى الأفضل–لا تسقُّط والتقاط العيوب- إلا أن يرشدونا إلى ما فاتنا مما هدفنا إليه.
اللهم أخلص نياتنا وأعمالنا، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وانفع المسلمين بما عملنا، واهدنا سواء السبيل.
المؤلفون

مدخـل

في التعريف بعلم الفقه ، ومصادره، وبعض مصطلحاته
معنى الفقه:
إن للفقه معنيين: أحدهما لغوي، والثاني اصطلاحي.
أما المعنى اللغوي: فالفقه معناه: الفهم. يقال: فقه يفقه: أي فهم يفهم.
قال تعالى: }فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا{ [النساء:78]. أي لا يفهمون. وقال تعالى:}ولكن لا تفقهون تسبيحهم{ [الإسراء: 44]. أي لا تفهمون تسبيحهم.
وقال رســـول الله  صلى الله عليه وسلم : ” إن طولَ صّلاةِ الرَّجُلِ وقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌٌ مِنْ فٍقْهِهِ”  (رواه مسلم:869). أي علامة فهمه.
وأما المعنى الاصطلاحي؛ فالفقه يطلق على أمرين:
الأول: معرفة الأحكام ا لشرعية المتعلقة بأعمال المكلفين وأقوالهم، والمكتسبة من أدلتها التفصيلية: وهي نصوص من القرآن والسنة وما يتفرع عنهما من إجماع واجتهاد.
وذلك مثل معرفتنا أن النية في الوضوء واجبة أخذاً من قوله  صلى الله عليه وسلم : ” إنَّما الأعْمالُ بِالنيَّات ” (رواه البخاري:1، ومسلم : 1907).
وإن النية من الليل شرط في صحة الصوم أخذاً من قوله  صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ لَم يبيَّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فلا صيام له” (رواه البيهقي:4 / 202،الدارقطني:2/172،وقال: رواته ثقات).
ومعرفتنا أنَّ صلاة الوتر مندوبة، أخذاً من حديث الأعرابي الذي سأل النبي  صلى الله عليه وسلم  عن الفرائض، ثم قال بعد ذلك: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قال: “لا إلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ” .(رواه البخاري:1792/مسلم:11).
وأن الصلاة بعد العصر مكروهة أخذاً من نهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. [ رواه البخاري:561، ومسلم:827].
وأن مسح بعض الرأس واجب أخذاً من قوله تعالى:}وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ   { [المائدة:6]  . فمعرفتنا بهذه الأحكام الشرعية تسمى فقهاً اصطلاحاً.
والثاني: الأحكام الشرعية نفسها، وعلى هذا نقول : درست الفقه، وتعلمته: أي إنك درست الأحكام الفقهية الشرعية الموجودة في كتب الفقه، والمستمدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وإجماع علماء المسلمين، واجتهاداتهم.
وذلك مثل أحكام الوضوء، وأحكام الصلاة، وأحكام البيع والشراء، وأحكام الزواج والرضاع، والحرب والجهاد، وغيرها.
فهذه الأحكام الشرعية نفسها تسمى فقهاً اصطلاحاً.
والفرق بين المعنيين: أن الأول يطلق على معرفة الأحكام، والثاني يطلق على نفس الأحكام الشرعية .
ارتباط الفقه بالعقيدة الإسلامية:
من خصائص الفقه الإسلامي – وهو كما قلنا: أحكامُ شرعية ناظمةُ لأفعال المكلفين وأقوالهم – أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله تعالى، ومشدود تماماً إلى أركان العقيدة الإسلامية، ولا سيما عقيدة الإيمان باليوم الآخر.
وذلك لأن عقدية الإيمان بالله تعالى هي التي تجعل المسلم متمسكاً بأحكام الدين منساقاً لتطبيقها طوعاً واختياراً.
ولأن من لم يؤمن بالله تعالى لا يتقيد بصلاةٍ ولا صيامٍ، ولا يراعي في أفعاله حلالاً ولا حراماً، فالتزام أحكام الشرع إنما هو فرعُ عن الإيمان بمن أنزلها وشرعها لعباده.
والأمثلة في القرآن الكريم التي تبيِّن ارتباط الفقه بالإيمان كثيرة جداً. وسنكتفي بذكر بعضها لنرى مدى هذا الارتباط بين الأحكام والإيمان وبين الشريعة والعقيدة:
1- لقد أمر الله عز وجل بالطهارة وجعل ذلك من لوازم الإيمان به سبحانه وتعالى فقال: } يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ{ [المائدة:6].
2- ذكر الله الصلاة والزكاة وقرن بينهما وبين الإيمان باليوم الآخر، قال تعالى: } الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{ [ النمل:3].
3- فرض الله الصوم المفضي إلى التقوى، وربطه بالإيمان، قال تعالى:}يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا كُتٍِبَ عَليْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ على الَّذينَ مِنْ قَبْلٍكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ [ البقرة:183].
4- ذكر الله تعالى الصفات الحميدة التي يتحلى بها المسلم وربط ذلك بالإيمان به تعالى والتي يستحق بها دخول الجنة، فقال:} قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [ المؤمنون:1-11].
اللغو: الباطل وما لا فائدة فيه من قول أو فعل. لفروجهم حافظون: جميع فرج وهو اسم لعضو التناسل من الذكر والأنثى.
وحفظها: صيانتها عن الحرام ومن الوقوع في الزنى خاصة. ما ملكت أيمانهم: النساء المملوكات وهن الإماء. غير ملومين: بوطئهن.
العادون: الظالمون والمجاوزون.
5- أمر الله تعالى بحسن معاملة النساء ومهَّد لذلك بنداء المخاطبين فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً{ [النساء:19]
 تعضلوهن: تمنعوهن من الزواج. بفاحشة: سوء خلق أو نشوز أو زنى.  مبينة: واضحة وظاهرة.
6- أمر المطلقة أن تعتدّ ثلاثة قروء وألا تكتم ما في رحمها إن كانت حاملاً وعلق ذلك على الإيمان بالله واليوم الآخر، قال تعالى: }وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{ [البقرة:228].
7-أمر الله سبحانه وتعالى باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام بعد أن نادى المؤمنين بوصف الإيمان، مشعراَ بذلك اجتنابها مرتبط بخلوص إيمانهم، فقال تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [المائدة :90].
8- حرَّم الله سبحانه وتعالى الربا وربط بين تركه وتحقيق التقوى والإيمان، فقال تعالى:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{  [آل عمران:130]
وقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{   [البقرة:278].
9- حضَّ على العمل وأحاطه بسياج من الشعور بالمراقبة الإلهية والشعور بالمسؤولية، قال تعالى: }وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{ [التوبة:105].
وهكذا فقلَّما تجد حكماً من أحكام الدين في القرآن إلا وهو مقرون بالإيمان بالله تعالى ومرتبط بأركان العقيدة الإسلامية، وبهذا اكتسب الفقه الإسلامي قداسة دينية، وكان له سلطان روحي، لأنها أحكام شرعية صادرة عن الله تعالى موجبة لطاعته ورضاه، وفي مخالفتها خطر غضبه وسخطه، وليست أحكاماً قانونية مجردة لا يشعر الإنسان لها برابط يربطها في ضميره، أو يصلها بخالقه. قال تعالى: }وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{ [النساء:65].
شمول الفقه الإسلامي لكل ما يحتاج إليه الناس:
لا شك أن حياة الإنسان متعددة الجوانب، وأن سعادة الإنسان تقتضي رعاية هذه الجوانب كلها بالتنظيم والتشريع، ولمَّا كان الفقه الإسلامي هو عبارة عن الأحكام التي شرعها الله لعباده رعاية لمصالحهم ودرءاً للمفاسد عنهم، جاء هذا الفقه الإسلامي ملماً بكل هذه الجوانب، ومنظماً بأحكامه جميع ما يحتاجه الناي، وإليك بيان ذلك:
لو نظرنا إلى كتب الفقه التي تضمن الأحكام الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع علماء المسلمين واجتهاداتهم، لوجدناها تنقسم إلى سبع زمر وتشكل بمجموعها القانون العام لحياة الناس أفراداً ومجتمعات :
الزمرة الأولى: الأحكام المتعلقة بعبادة الله من وضوء وصلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: العبادات.
الزمرة الثانية: الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق، ونسب ورضاع، ونفقة وإرث، وغيرها، وتسمى هذه الأحكام: الأحوال الشخصية. 
الزمرة الثالثة: الأحكام المتعلقة بأفعال الناس،ومعاملة بعضهم بعضاَ من شراء ورهن وإجارة، ودعاوي وبينات، وقضاء وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: معاملات.
الزمرة الرابعة: الأحكام المتعلقة بواجبات الحاكم من إقامة العدل ودفع الظلم وتنفيذ الأحكام، وواجبات المحكوم من طاعة في غير معصية وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: الأحكام السلطانية، أو السياسية الشرعية.
الزمرة الخامسة: الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين وحفظ الأمن والنظام مثل: عقوبة القاتل والسارق وشارب الخمر وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: العقوبات.
الزمرة السابعة: الأحكام المتعلقة بالأخلاق والحشمة، والمحاسن والمساوئ وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: الآداب والأخلاق.
وهكذا نجد أن الفقه الإسلامي شامل بأحكامه لكل ما يحتاج إليه الإنسان، وملمَّ بجميع مرافق حياة الأفراد والمجتمعات.
مراعاة الفقه الإسلامي اليسر ورفع الحرج:
معنى اليسر:
إن الإسلام راعي بتشريع الأحكام حاجة الناس، وتأمين سعادتهم، ولذلك كانت هذه الأحكام كلها في مقدور الإنسان، وضمن حدود طاقته، وليس فيها حكم يعجز الإنسان عن أدائه والقيام به، وإذا ما نال المكلف حرج خارج عن حدود قدرته أو متسبب بعنت ومشقة زائدة لحالة خاصة، فإن الدين يفتح أمامه باب الترخص والتخفيف.
الدليل على أن الإسلام دين اليسر:
وليس أدل على أن الإسلام دين يسر من قوله تعالى: }ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدَّينِ مِنْ حَرَجٍ{ [الحج:78] ومن قوله تعالى:}يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ{ [البقرة:185]. ومن قوله تعالى: }لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إلآ وُسْعَها{ [البقرة:286]. ومن قوله عليه الصلاة والسلام: ” إنَّ الدَّينَ يُسـْرُ” (رواه البخاري:39).
أمثلة على يسر الإسلام :
ومن الأمثلة على يسر الإسلام ما يلي:
1- الصلاة قاعداً لمن يشق عليه القيام، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ” (رواه البخاري:1066).
2- قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين للمســـافر، قال تعالى:}َإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِِ{ [النساء:101]
وروى البخاري(1056) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كانَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إذا كانَ عَلىَ ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ ” .
   [ على ظهر سير: سائر في السفر].
مصادر الفقه الإسلامي:
قلنا إن الفقه الإسلامي هو مجموعة الأحكام الشرعية التي أمر الله عباده بها، وهذه الأحكام ترجع بمجموعها إلى المصادر الأربعة التالية:
القرآن الكريم – السنة الشريفة – الإجماع – القياس.
القرآن الكريم:
القرآن: هو كلام الله تعالى: أنزله على سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو المكتوب في الصحف، والقرآن هو المصدر والمرجع لأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت مسألة رجعنا قبل كل شئ إلى كتاب الله عز وجل لنبحث عن حكمها فيه، فإن وجدنا فيه الحكم أخذنا به، ولم نرجع إلى غيره.
فإذا سئلنا عن حكم الخمر، والقمار، وتعظيم الأحجار، والاستقسام بالأزلام، رجعنا إلى كتاب الله عز وجل لنجد قول الله تعالى: }يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [المائدة:90].
وإذا سئلنا عن البيع، والربا، وجدنا حكم ذلك في كتاب الله عز وجل، حيث قال عز من قائل: }وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا{ [البقرة:275].
وإذا سئلنا عن الحجاب وجدنا حكمه في قوله تعالى:} وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ{ [النور:31]
 بخمرهن: جمع خمار وهو غطاء الرأس. وجيوبهن: جمع جيب وهو شق الثوب من ناحية الرأس، والمراد بضرب الخمار على الجيب: أن تستر أعالي جسمها مع الرأس.
وكذلك في قوله تعالى:}أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً{ [الأحزاب:59].
 يدنين: يرخين ويغطين وجوههن وأعطافهن. جلابيبهن: جمع جلباب وهو الرداء الذي يستر كامل البدن أعاليه وأسافله. أدنى: أقرب لأن تُميَّز الشريفاتُ العفيفات من غيرهن. فلا يؤذين: بالتعرض لهن.
وهكذا يكون القرآن الكريم هو المصدر الأول لأحكام الفقه الإسلامي. لكن القرآن الكريم لم يقصد بآياته كل جزئيات المسائل وتبيين أحكامها والنص عليها، ولو فعل ذلك لكان يجب أن يكون أضعاف ما هو عليه الآن.
وإنما نص القرآن الكريم على العقائد تفصيلاً، والعبادات والمعاملات إجمالاً، ورسم الخطوط العامة لحياة المسلمين وجعل تفصيل ذلك للسنة النبوية. فمثلاً: أمر القرآن بالصلاة، ولم يبين كيفياتها، ولا عدد ركعاتها.
وأمر بالزكاة، ولم يبين مقدارها، ولا نصابها، ولا الأموال التي تجب تزكيتها. وأمر بالوفاء بالعقود، ولم يبين العقود الصحيحة التي يجب الوفاء بها. وغير ذلك من المسائل كثير.
لذلك كان القرآن مرتبطاَ بالسنة النبوية لتبيين تلك الخطوط العامة وتفاصيل ما فيه من المسائل المجملة.
السنة الشريفة:
والسنّة هي كل ما نقل عن النبي  صلى الله عليه وسلم  من قول، أو فعل، أو تقرير.
فمثال القول: ما أخرجه البخاري(48) ومسلم(64) عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” سِبَابُ الْمسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ”.
ومثال الفعل: ما رواه البخاري عائشة رضي الله عنها لما ســئلت: “مَا كَانَ يَصْنَعُ رسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم  في بيته ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكونُ في مَهْنَةِ أَهْلَهِ، فَإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ قَامَ إلَيْها” .
مهنة التقرير: ما رواه أبو داود( 1267) أنَّ النبي  صلى الله عليه وسلم  رأى رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال:” صلاة الصبح ركعتان”، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين التي قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فاعتبر سكوته إقراراً على مشروعية صلاة السنة القبلية بعد الفرض لمن لم يصلِّها قبله.
منزلة السنَّة:
والسنة تعدُّ في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم من حيث الرجوع إليها: أي إنما نرجع أولاً إلى القرآن، فإن لم نجد الحكم فيه رجعنا إلى السنة، فإذا وجدناه فيها عملنا به كما لو كان في القرآن الكريم، شريطة أن تكون ثابتة عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  بسند صحيح.
وظيفة السنة النبوية:
وظيفة السنة النبوية إنما هي توضح وبيان لما جاء في القرآن الكريم، فالقرآن – كما قلنا – نص على الصلاة بشكل مجمل، فجاءت السنة ففصلت كيفيات الصلاة القولية والعملية. وصح عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  أنه قال:” صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلَّي”( رواه البخاري:605).
وكذلك بينت السنة أعمال الحج ومناسكه، وقال صلى الله عليه وسلم :” خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ” (رواه البخاري).
وبينت العقود الجائزة، والعقود المحرَّمة في المعاملات، وغيرها.
كذلك شرعت السنة بعض ما سكت عنه القرآن ولم يبين حكمه؛مثل: تحريم التختُّم بالذهب ولبس الحرير على الرجال.
وخلاصة القول: إن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وإن العمل بها واجب ، وهي ضرورية لفهم القرآن والعمل به.
الإجماع:
والإجماع معناه: اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  في عصر من العصور على حكم شرعيَّ، فإذا اتفق هؤلاء العلماء – سواء كانوا في عصر الصحابة أو بعدهم – على حكم من الأحكام الشرعية كان اتفاقهم هذا إجماعاً وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً. دليل ذلك أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أخبر أن علماء المسلمين لا يجتمعون على ضلالة، فما اتفقوا عليه كان حقاً.
روى أحمد في مسنده ( 6/396) عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يَجْمَعَ أُمَّتي عَلى ضَلالَةٍ فَأَعْطَانيها”.
ومثال ذلك: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الجد يأخذ سدس التركة مع الولد الذكر، عند عدم وجود الأب.
منزلة الإجماع:
والإجماع يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الرجوع إليه،فإذا لم نجد الحكم في القرآن، ولا في السنة، نظرنا هل أجمع علماء المسلمين عليه، فإن وجدنا ذلك أخذنا وعملنا به.
القياس:
وهو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما, وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع.
منزلة القياس:
وأركان القياس أربعة: أصلُ مقيسٌ عليه، وفرعٌ مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع.
مثال القياس:
إن الله حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، والعلة في تحريمه: هي أنه مسكر يذهب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حكمنا بتحريمه قياساً على الخمر، لأن علة التحريم- وهي الإسكار – موجودة في هذا الشراب، فيكون حراماً مثل الخمر.
هذه هي المصادر التشريعية التي ترجع إليها أحكام الفقه الإٍسلامي ذكرناها تتميماً للفائدة، ومكان تفصيلها كتب أصول الفقه الإسلامي.
ضرورة التزام الفقه الإسلامي، والتمسك بأحكامه، وأدلة ذلك من القرآن والسنّة.
لقد أوجب الله على المسلمين التمسك بأحكام الفقه الإسلامي، وفرض عليهم التزامه في كل أوجه نشاط حياتهم وعلاقاتهم.
وإحكام الفقه الإسلامي كلها تستند إلى نصوص القرآن والسنة، والإجماع والقياس- في الحقيقة – يرجعان إلى القرآن والسنة.
فإذا استباح المسلمون ترك أحكام الفقه الإسلامي، فقد استباحوا ترك القرآن والسنة، وعطلوا بذلك مجموع الدين الإسلامي، ولم يعد ينفعهم أن يتسموَّا بالمسلمين أو يدَّعوا الإيمان، لأن الإيمان في حقيقته هو تصديق بالله تعالى، وبما أنزل في كتابه، وفي سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم .
والإسلام الحقيقي يعني الطاعة والامتثال لكل ما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم  عن ربه عز وجل مع الإذعان والرضا.
وأحكام الفقه الإسلامي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مهما تبدل الزمن وتغير، ولا يباح تركها بحال من الأحوال.
أدلة ذلك من القرآن والسنة:
والأدلة على وجوب التزام الفقه والتمسك بأحكامه كثيرة جداً في الكتاب والسنة:
أما في الكتاب:
فقد قال الله تعالى: }اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء{ [الأعراف:3]. وقال:}َلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً{ [ النساء: 65]. وقال تعالى: }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا{ [الحشر:7]. وقال تعالى: }إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً{ [النساء:105]
وبناءً على هذه النصوص الآمرة باتباع ما أنزل الله تعالى وتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم  وسنته في كل ما ينشأ من معاملة بين الناس، والناهية عن كل مخالفة لله ورسوله.
بناءً على ذلك يعد من يختار من الأحكام غير ما اختاره الله ورسوله، قد ضلَّ ضلالاً بعيداً
قال تعالى: }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً{ [ الأحزاب:36] .
وأما في السنة:
فالأحاديث كثيرة أيضاً، منها: ما روى البخاري(2797) ومسلم (1835) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصاني فَقَدْ عَصَى اللَّهَ”. ومنها قوله  صلى الله عليه وسلم : “وَالَّذي نَفْسي بيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبعاً لَما جِئْتُ بِهِ”
(ذكره الإمام النووي في متن الأربعين النووية:41، وقال: حديث صحيح). وقوله صلى الله عليه وسلم : “عَلَيْكُمْ بِسُنتَّي” (رواه أبو داود: 4607، والترمذي:2678). وقوله:”تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّو بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتي” (انظر:مسلم:1218،وأبو داود:1905، والموطأ:2/899).
هذه الأدلة من القرآن والسنة واضحة في وجوب إتباع الأحكام التي شرعها الله عز وجل للعباد في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [النور:63].
التعريف ببعض المصطلحات الفقهية:
لا بد قبل البدء بأبواب الفقه ومسائله من التعريف ببعض المصطلحات الفقهية التي تدور عليها أحكام الفقه في جميع الأبواب وهذه المصطلحات هي :
1- الفرض:
الفرض هو ما طلب الشرع فعله طلباً جازماً، بحيث يترتب على فعله الثواب، كما يترتب على تركه العقاب.
ومثاله الصوم، فإن الشرع الإسلامي طالبنا بفعله مطالبة جازمة، قال تعالى: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ{ [البقرة:183]. أي فرض. فإذا صمنا ترتب على هذا الصيام الثواب في الجنة، وإذا لم نَصُمْ ترتب على ذلك العقاب في النار.
2- الواجب:
والواجب مثل الفرض تماماً في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، لا فرق بينهما أبداً إلا في باب الحج.
فالواجب في باب الحج:هو ما لا يتوقف عليه صحة الحج، وبعبارة أخرى: لا يلزم من فوته فوت الحج وبطلانه، وذلك مثل رمي الجمار، والإحرام من الميقات، وغير ذلك من واجبات الحج، فإذا لم يأت الحاج بهذه الواجبات صح حجه، ولكن كان مسيئاً، ووجب جبر ترك هذه الواجبات بفدية هي إراقة دم.
وأما الفرض في الحج فهو ما يتوقف عليه صحة الحج، وبعبارة أخرى: يلزم من فوته فوت الحج وبطلانه.
ومثال ذلك الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وغير ذلك من الفروض فإنه إذا لم يأت بها بطل حجه.
3- الفرض العيني:
هو ما يطلب من كل فرد من أفراد المكلفين طلباً جازماً، مثل الصلاة والصيام، والحج على المستطيع، فإن هذه العبادات تجب على كل مكلف بعينه، ولا يكتفي بقيام بعض المكلفين بها دون الباقين.
4- الفرض الكفائي:
هو ما كان مطالباً بفعله مجموع المسلمين، لا كل واحد منهم، بمعنى: أنه إذا قام به بعضهم كفى، وسقط الإثم عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثموا وعصَوا جميعاً.
ومثل ذلك: تجهيز الميت والصلاة عليه، فإن واجب المسلمين إذا مات فيهم ميت أن يغسلوه ويكفنوه، ويصلوا عليه، ثم يدفنوه، فإذا قام بهذا العمل بعض المسلمين حصل المقصود، وإذا لم يقم به أحد عصَوا جميعاً، وأثموا لتركهم هذا الفرض الكفائي.
5- الركن:
وهو ما وجب علينا فعله وكان جزءاً من حقيقة الفعل،وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، والركوع، والسجود فيها، فهذه الأمور تسمى أركاناً.
6- الشرط:
وهي ما وجب فعله، ولكنه ليس جزءاً من حقيقة الفعل، بل هو من مقدماته، وذلك مثل الوضوء، ودخول وقت الصلاة، واستقبال القبلة، فهذه الأمور كلها خارجة عن حقيقة الصلاة، ومقدمة عليها، ولا بد منها لصحة الصلاة، وتسمى شروطاً.
7- المندوب:
والمندوب هو ما طلب الشرع فعله لكن طلباً عير جازم، حيث يترتب الثواب على فعله، ولا يترتب العقاب على تركه.
ومثال ذلك: صلاة الضحى، وقيام الليل، وصيام ستة أيام من شوال وغير ذلك، فهذه العبادات إن فعلناها أثبنا عليها، وإن لم نفعلها لم نعاقب على تركها.
ويسمى المندوب سنة، ومستحباً، وتطوعاً، ونفلاً.
8- المباح:
وهو ما كان فعله وتركه سواءً، لأن الشرع لم يأمرنا بتركه، ولم يأمرنا بفعله، بل جعل لنا حرية الترك والعمل، ولذلك لم يترتب على فعل المباح أو تركه ثواب أو عقاب، ومثال ذلك قوله تعالى: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ{ [الجمعة:10].
أفادت هذه الآية أن العمل بعد صلاة الجمعة مباح، فمن شاء عمل، ومن شاء ترك.
9- الحرام:
وهو ما طالبنا الشرع بتركه طلباً جازماً، بحيث يترتب على تركه امتثالاً لأمر الله ثوابٌ ويترتب على فعله عقاب، ومثال ذلك: القتل، قال الله تعالى: }وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ{ [الإسراء:33]. وأكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: }وََلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ{ [البقرة:188]. فإذا فعل الإنسان شيئاً من هذه المحرَّمات أثم واستحق العذاب، وإذا تركها تقرباً إلى الله استحق على تركها الثواب.
ويسمى الحرام محظوراً، ومعصية، وذنباً.
10- المكروه:
والمكروه قسمان: مكروهاً تحريمياً، ومكروهاً تنزيهياً.
المكروه تحريمياً: هو ما طالبنا الشرع بتركه طلباً جازماً لكن دون طلب ترك الحرام، بحيث يترتب على تركه امتثالاً لأمر الله تعالى الثواب، ويترتب على فعله العقاب، لكن دون عقاب الحرام. ومثال ذلك صلاة النفل المطلق عند طلوع الشمس، أو عند غروبها. فهذه الصلاة مكروهة تحريمياً.
المكروه تنزيهياً: هو ما طلب الشرع تركه طلباً غير جازم، بحيث إذا عرفة للحاج، فإن ترك الصوم امتثالاً لأمر الدين أثيب ، وإن صام لم يعاقب.
11- الأداء:
وهو فعل العبادة في وقتها المحدد لها من قبل الشرع، وذلك كصيام رمضان في شهر رمضان، وكصلاة الظهر في وقتها المحدد شرعاً.
12- القضاء:
وهو فعل العبادة التي وجبت خارج وقتها المحدد لها من قبل الشرع، وذلك كمن صام رمضان في غير رمضان بعد فواته، أو صلى الظهر في غير وقتها المحدد شرعاً بعد فواته.
والقضاء واجب، سواء فاتت العبادة بعذر، أو بغير عذر، والفرق بينهما: أن فوتها بغير عذر موجب للإثم، وفوتها بعذر غير موجب للإثم.
قال تعالى: }ِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ{ [البقرة:185] . أي من أفطر لعذر مرض أو سفر، فعليه قضاء ما فاته بعد رمضان.
13- الإعادة:
والإعادة هي فعل العبادة في وقتها مرة ثانية لزيادة فضيلة، وذلك كمن صلى الظهر منفرداً، ثم حضرت جماعة، فإنه يُسَنُّ له إعادتها تحصيلاَ لثواب الجماعة.
* * *
أحكَام الطهَارَة
معنى الطهارة:
الطهارة لغة: النظافة والتخلص من الأدناس حسيَّة كانت كالنجس، أو معنوية كالعيوب. يقال تطهّر بالماء: أي تنظف من الدنــس، وتطهر من الحسد: أي تخلص منه.
والطهارة شرعاً: فعل ما تستباح به الصلاة – أو ما في حكمها- كالوضوء لمن كان غير متوضئ، والغسل لمن وجب عليه الغسل، وإزالة النجاسة عن الثوب والبدن والمكان.
عناية الإسلام بالنظافة والطهارة:
لقد اعتنى الإسلام بالطهارة والنظافة عناية تامة، ويظهر ذلك مما يلي:
1- الأمر بالوضوء لأجل الصلاة كل يوم عدت مرات. قال الله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ{م [ المائدة:6]
2- الحضُّ على الغسل في كثير من المناسبات، قال تعالى: }وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ { [ المائدة:6] ، وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :” لِلهِ عَلَى كلَّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فيِ كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامِ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسِهُ وَجَسَدَهُ”[رواه البخاري:856، ومسلم:849].
3- الأمر بقص الأظفار، ونظافة الأسنان، وطهارة الثياب، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :    ” خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ : الْخِتان، والاسْتِحْدَاد، َوَنْتفُ الإِبط، وَتَقْليمُ الأََْظافِر، وَقَصُّ الشَّاربِ”   [رواه البخاري:5550، ومسلم:257] . وقال  صلى الله عليه وسلم  : ” لّوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّواكِ عِنْدَ كلِّ صَلاَةٍ” [ رواه البخاري:847، ومسلم:252]. وفي رواية عند أحمد   [ 6/325]:
“مع كل وضوء”.
[ الاستحداد: هو استعمال الموسى في حلق العانة].
وقال تعالى: }وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{ [المدثر:4]. 
 وقال النبي  صلى الله عليه وسلم  لأصحابه:
” إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحوا رِحَالَكُمْ، وَاَصْلِحُوا لباسَكم، حتى تكونوا كأنكم شامةٌ في الناس، فإن اللهَ لا يحبّ الفُحْشَ وَلا َالتَّفَحُّشَ” ([1]} إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ [ البقرة:222] ، ولقد جعل الدين الطهارة نصف الإيمان، فقال  صلى الله عليه وسلم  : ” الطُّهور شَطْرُ الإيمان” [أخرجه مسلم:223].
حكمة تشريع الطهارة:
لقد شرع الإسلام الطهارة لحكمٍ كثيرة نذكر منها ما يلي:
1- أن الطهارة من دواعي الفطرة، فالإنسان يميل إلى النظافة بفطرته وينفر بطبعه من الوساخة والقذارة، ولما كان الإسلام دين الفطرة كان طبيعياً أن يأمر بالطهارة والمحافظة على النظافة.
2- المحافظة على كرامة المسلم، وعزته، فالناس يميلون بطبعهم إلى النظيف، ويرغبون بالاجتماع إليه، والجلوس معه، ويكرهون الوسِخ، ويحتقرونه، وينفرونه، وينفرون منه، ولا يرغبون بالجلوس إليه. ولما كان الإسلام حريصاَ على كرامة المؤمن وعزته أمره بالنظافة، ليكون بين إخوانه عزيزاً كريماً.
3- المحافظة على الصحة ،فالنظافة من أهم الأسباب التي تحفظ الإنسان من الأمراض، لأن الأمراض أكثر ما تنتشر بين الناس بسبب الأوساخ والأقذار.
فتنظيف الجسم، وغسل الوجه، واليدين، والأنف، والرجلين – وهذه الأعضاء التي تتعرض للوسخ كثيراً – عدة مرات كل يوم يجعل الجسم حصيناً من الأمراض.
4- الوقوف بين يدي الله طاهراً نظيفاَ، لأن الإنسان في صلاته يخاطب ربه ويناجيه، فهو حرَ أن يكون طاهر الظاهر والباطن نظيف القلب والجسم، لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين.
المياه التي يُطهر بها:
المياه: جمع ماء، وهي ماء السماء، وماء البحر، وماء البئر، وماء النهر، وماء العين، وماء الثلج.
وتندرج هذه المياه جميعها تحت قولنا: ما من السماء ، أو نبع من الأرض، قال تعالى:}وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً{ [ الفرقان :48]، وقال تعالى: }وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ{ [ الأنفال :11]. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: يَا رَسولَ اللهِ، إنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، وَنَحمِلُ مَعَنا القَليلَ مِنَ المَاءِ، فَإنْ تَوَضَّأْنا بهِ عَطِشْنَا، أَفَتَوَضَّأُ بِماءِ البَحْرِ؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” هُوَ الطَّهُورُ ماُؤهُ الحِلُّ مَيتَتُهُ” [ رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح]
[ الحل ميتته: أي يؤكل ما مات فيه من سمك ونحوه بدون ذبح شرعي].
الخمسة هم: أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه وأحمد بن حنبل.
****


أقسـام الميــاه
وتنقسم المياه إلى أربعة أقسام: طاهر مطهر، وطاهر مطهر مكروه، وطاهر غير مطهر، ومتنجس.
الطاهر المطهر:
وهو الماء المطلق الباقي على وصف خلقته التي خلقه الله عليها، ولا يخرجه عن كونه ماء مطلقاً تغيره بطول مكث، أو بسبب تراب، أو طحلب ـ وهو شيء أخضر يعلو الماء من طول مكث ـ أو تغيره بسبب مقرّه أو ممرّه كوجوده في أرض كبريتية، أو مروره عليها، وذلك لتعذر صون الماء عن ذلك والأصل في طهورية الماء المطلق: ما رواه البخاري (217) وغيره: عن أبي هريرة t قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : ” دَعُوهُ، وَهَريقُوا عَلى بَولِهِ سَجْلاً مِنْ ماءٍ ـ أَوْ ذَنُوباً مِنْ ماءٍ ـ فَإنَّما بُعُثُتْم مُسَيِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ” .
[ليقعوا به: ليزجروه بالقول أو الفعل. سجلاً: دلواً ملأى بالماء، ومثله الذنوب].
فأمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بإراقة الماء على مكان البول دليل أنه فيه خاصية التطهير.
الطاهر المطهر المكروه:
وهو الماء المشمس الذي سخنته الشمس، ويشترط لكراهيته ثلاثة شروط وهي:
1ـ أن يكون ببلاد حارة.
2ـ أن يكون موضوعاً بأوان منطبعة غير الذهب والفضة، كالحديد والنحاس، وكل معدن قابل للطرق.
3ـ أن يكون استعماله في البدن لأدمي ولو ميتاً أو حيوان يلحقه البرص كالخيل.
نقل الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ عن عمر t: أنه كان يكره الاغتسال به، وقال: ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب، ثم روى: أنه يورث البرص.
وذلك لأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء، فأن لاقت البدن بسخونتها أمكن أن تضر به، فتورثه البرص، وهو مرض يصيب الجلد.
الطاهر غير المطهر:
وهو قسمان:
الأول: هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة كالغسيل والوضوء. ودليل كونه طاهراً ما رواه البخاري (191) ومسلم (1616) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: جاء رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يعودني وأنا مريض لا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ مِنْ وَضوئِهِ عَلي.
[لا أعقل: أي في حالة غيبوبة من شدة المرض. من وضوئه: الماء الذي توضأ به] ولو كان غير طاهر لم يصبه عليه.
ودليل كونه غير مطهر ما رواه مسلم (283) وغيره: عن أبي هريرة t أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” لاَ يَغْتَسِلْ أَحدُكُمْ في المَاءِ الدَّاثِمِ ـ أي الراكد ـ وَهُوَ جُنُب ” فقالوا: يا أبا هريرة، كيف نفعل؟ قال: يتناوله تناولاً وحكم الوضوء في هذا حكم الغسل لأن المعنى فيهما واحد، وهو رفع الحدث.
فقد أفاد الحديث: أن الاغتسال في الماء يخرجه عن طهوريته، وإلا لم ينه عنه، وهو محمول على الماء القليل لأدلة أخرى.
الثاني: هو الماء المطلق الذي خالطه شيء من الطاهرات التي يستغني عنها الماء عادة والتي لا يمكن فصلها عنه بعد المخالطة، فتغير بحيث لم يعد يطلق عليه أسم الماء المطلق: كالشاي والعرقسوس، أما إذا كان المخلط الطاهر موافقا للماء في صفاته من طعم ولون وريح كماء الورد الذي فقد صفاته فإنه يعمد عند ذلك إلى التقدير بالمخالف الوسط، وهو في الطعم عصير الرمان، وفي اللون عصير العنب، وفي الرائحة اللاذن(1)، فإن قدر تغيره بمخالطة ذلك صار الماء طاهراً غير مطهر، وكونه غير مطهر لأنه أصبح لا يسمى ماء في هذه الحالة والشارع اشترط التطهر بالماء.
الماء المتنجس:
هو الماء الذي وقعت فيه نجاسة وهو قسمان:
الأول قليل: وهو ما كان دون القلتين. وهذا الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة، ولو كانت قليلة ولم يتغير فيه شيء من أوصافه كاللون والريح والطعم. والقلتان: خمسمائة رطل بغدادي وتساوي مائة وأثنين وتسعين كيلو غراماً وثمان مائة وسبعة وخمسين غراماً (857، 192 كلغ)، ويساوي بالمكعب ذراعاً وربعاً طولاً وعرضاً وعمقاً.
روى الخمسة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو يسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: ” إذَا كَانَ الماءُ قلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَث “، وفي لفظ أبي أبي داود (65): ” فَإَّنهُ لا يَنْجُسُ “.
[بالفلاة: الصحراء ونحوها. ينوبه: يرد عليه. السباع: كل ما له ناب يفترس به من الحيوانات].
ومفهوم الحديث: أنه إذا كان الماء أقل من قلتين بنجس ولو لم يتغير، ودل على هذا المفهوم ما رواه مسلم (278) عن أبي هري t أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ في الإنَاءِ حَتَّى يَغْسلها ثَلاَثاً فَإنَّهُ لاَ يدْرِي أَيْنَ بَاَتت يدُهُ “. فقد نهى المستيقظ من نومه عن الغمس خشية تلوث يده بالنجاسة غير المرئية، ومعلوم أن النجاسة غير المرئية لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بمجرد الملاقاة لم ينهه عن ذلك.
والثاني كثير: وهو ما كان قلتين أو كثر، وهذا الماء لا ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، وإنما ينجس إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه. الثلاثة: اللون، أو الطعم، أو الريح. ودليله الإجماع. قال النووي في المجمـوع (1/160): قال ابن المنذر: أجمعوا أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت طعماً أو لوناً أو ريحاً، فهو نجس.
ما يصلح منها للتطهير:
وهذه المياه الأربعة ليست كلها صالحة للطهارة ـ أي لرفع الحديث وإزالة الخبث ـ كما علمت، بل إنما الذي يصلح منها هو النوع الأول والثاني، مع كراهة النوع الثاني في البدن.
أما النوع الثالث: فلا يصلح التطهر به، وإن كان طاهراً في ذاته بحيث يصح استعماله في غير الطهارة كالشرب، والطبخ وغير ذلك أما النوع الرابع: فهو متنجس لا يصلح لشيء.
*   * *


الأوانـي
 
الأواني:جمع آنية وهي الأوعية التي توضع فيها المائعات وغيرها وفيها أمور:
أولاً ـ حكم استعمال أواني الذهب والفضة:
يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في جميع وجوه الاستعمال: كالوضوء والشرب، إلا لضرورة كأن لم يجد غيرها.
روى البخاري (5110) ومسلم (2067) عن حذيفة بن اليمان t قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: ” لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة “.
[الديباج: نوع نفيس من ثياب الحرير. آنية: جمع إناه. صحافها: جمع صحفها وهي القصعة. لهم: أي الكفار].
ويقاس على الأكل والشرب غيرهما من وجوه الاستعمال، ويشمل التحريم الرجال والنساء.
وكالاستعمال الاتخاذ، فإن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه، أي اقتناؤه للتزيين ونحوه.
ثانياً ـ حكم استعمال الأواني المضببة بالذهب أو الفضة:
يحرم استعمال ما ضبب بالذهب مطلقاً سواء كانت الضبة صغيرة أم كبيرة، وأما التضبيب بالفضة، فإن كانت ضبة صغيرة لغير زينه جاز، وإن كانت كبيرة لزينة فحرام، وإن كانت كبيرة لحاجة أو صغيرة لزينة كره، ودليل جواز ضبة الفضة الكبيرة لحاجة: ما رواه البخاري (5305) عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي  صلى الله عليه وسلم  عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة، وقال أنس: لقد سقيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
ثالثاً ـ حكم استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة:
يجوز استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة من نحو الماس واللؤلؤ والمرجان وغيرها، لعدم ورود نص بالنهي عنها، والأصل الإباحة ما لم يرد دليل التحريم.
 
رابعاً ـ حكم استعمال أواني الكفار:
يجوز استعمال هذه الأواني، لما رواه البخاري (5161) عن أبي ثعلبه t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “فاغسلوها وكلوا فيها”. والأمر بغسلها للاستحباب لاحتمال تلوثها بسبب استعمال الكفار لها بخمر أو خنزير وغيرهما. ومثل الأواني استعمال ثيابهم ونحوها.
*****


أنواع الطهارة
 
الطهارة نوعان:
أولاً ـ طهارة من النجس.
ثانياً ـ طهارة من الحدث.
الطهارة من النجس:
معنى النجس: النجس لغة: كل مستقذر. وشرعاً: مستقذر يمنع صحة الصلاة، كالدم والبول.
الأعيان النجسة:
والأعيان النجسة كثيرة نذكر أهمها في سبعة أشياء:
1ـ الخمر وكل مانع مسكر. قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس) أي نجس [المائدة:90]. وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام” [رواه مسلم: 2003، عن أبن عمر رضي الله عنهما].
2ـ الكلب والخنزير: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب” [رواه مسلم:279]. وفي رواية للدارقطني (1/65):   “إحداهن بالبطحاء”.
[ولغ: شرب، البطحاء: صغار الحصى ويقصد به التراب].
3ـ الميتة: وهي كل حيوان مات بغير زكاة شرعية ، قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة) [المائدة: 3). وتحريمها إنما كان من أجل نجاستها.
ويدخل في حكم الميتة ما ذبح على الأنصاب، وما ذكر عليه غير اسم الله، قال تعالى: (وما أهل لغير الله به) [المائدة: 3].
ما سيتثنى من نجاسة الميتة:
ويستثنى من نجاسة الميتة ثلاثة أشياء:
الأول- ميتة الإنسان: قال تعالى:(ولقد كرمنا بني آدم) [الإسراء: 70]. ومقتضى تكريمه أن يكون الإنســان طاهراً حياً وميتاً. وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “سبحان الله إن المسلم لا ينجس” [رواه البخاري: 279]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ” المسلم لا ينجس حياً وميتاً” [رواه البخاري تعليقا في الجنائز، باب غسل الميت ووضوئه].
والثاني والثالث ـ السمك والجراد: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “أحلت لكم ميتتان ودمّان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال ” [رواه ابن ماجه].
4ـ الدم السائل ومنه القيح: قال تعالى: (أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) [سورة الأنعام: الآية 145].
ويستثنى من نجاسة الدم: الكبد والطحال للحديث السابق.
5ـ بول الإنسان وغائطه، وبول الحيوان وفرثه:
روى البخاري (217) ومسلم (284) أن أعرابياً بال في المسجد، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : صًُبُّوا عليه ذنوباً من ماء”  أي دلواً، والأمر يصب الماء عليه دليل نجاسته.
6ـ كل جزء انفصل من الحيوان حال حياته فإنه نجس. قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “ما قطع من بهيمة فهو ميتة” [رواه الحاكم وصححه].
ويستثنى من ذلك شعر وريش الحيوانات المأكول اللحم فإنه طاهر. قال تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) [سورة النحل:80].
7ـ لبن الحيوان غير مأكول اللحم: كالحمار ونحوه، لأن لبنه كلحمه، ولحمه نجس.
 
النجاسة العينية والنجاسة الحكمية:
النجاسة العينية: هي كل نجاسة لها جرم مشاهد، أولها صفة ظاهرة من لون أو ريح، كالغائط أو البول أو الدم.
والنجاسة الحكمية: كل نجاسة جفت وذهب أثرها، ولم يبق لها أثر من لون أو ريح، وذلك مثل بول أصاب ثوباً ثم جف، ولم يظهر له أثر.
النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة:
النجاسة المغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، ودليل تغليظها أنه لا يكفي غسلها بالماء مرة كباقي النجاسات، بل لا بد من غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب، كما مر في حديث “ولوغ الكلب” وقيس عليه الخنزير لأنه أسوأ حالاً منه.
النجاسة المخففة: وهي بول الصبي الذي لم يأكل إلا اللبن ولم يبلغ سنه حولين، ودليل كونها مخففة أنها يكفي رشها بالماء، بحيث يعم الرش جميع موضع النجاسة من غير سيلان.
روى البخاري (2021)، ومسلم (287) وغيرهما: عن أم قيس بنت مِحْصن رضي الله عنها: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
[فنضحه: رشه بحيث عم المحل بالماء وغمره بدون سيلان]..
النجاسة المتوسطة: وهي غير الكلب والخنزير، وغير بول الصبي الذي لم يطعم إلا لبن، وذلك مثل بول الإنسان، وروث الحيوان، والدم. وسميت متوسطة لأنها لا تظهر بالرش، ولا يجب فيها تكرار الغسل إذا زالت عينها بغسلة واحدة.
روى البخاري (214) عن أنس t قال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به.
[تبرز لحاجته: خرج إلى البزار وهو الفضاء، ليقضي حاجته من بول أو غائط].
وروى البخاري (176)، ومسلم (303): عن على t قال: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: “وفيه الوضوء”. ولمسلم “يغسل ذكره ويتوضأ”.
[مذاء كثير خروج المذي، وهو ماء أصفر رقيق يخرج غالباً عند ثوران الشهوة].
وروى البخاري (155): عن عبدالله بن مسعود t قال: أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  الغائط، فأمرني أن آتية بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخلت روثه فاتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: “هذا ركس”. والركس: النجس، والروثة براز الحيوان.
فدلت هذه الأحاديث على نجاسة الأشياء المذكورة، وقبس ما لم يذكر منها على ما ذكر.
كيفية التطير من النجاسات:
التطهر من النجاسة المغلطة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، وهذه لا تطهر إلا إذا غسلت سبع مرات إحداهن بالتراب، سواء كانت النجاسة عينية أم حكمية، وسواء كانت على الجسم، أو الثوب، أو المكان.
التطهر من النجاسة المتوسطة: وهي نجاسة ما عدا الكلب والخنزير، والصبي الذي لم يطعم، وهذه النجاسة إنما تطهر إذا جرى الماء عليها وذهب بأثرها، فزالت عينها وذهبت صفاته من لون أو طعم أو ريح، سواء كانت عينية أم حكمية، وسواء كانت على ثوب أم جسم أم مكان، ولكن لا يضر بقاء لون عسر زواله، كالدم مثلاً.
تطهير جلود الميتة غير الكلب والخنزير:
ويطهر جلد الحيوان غير الكلب والخنزير بالدباغ، والدباغ: نزع رطوبة الجلد التي يفسده إيقاؤها، بمادة لاذعة حِرِّيفة، بحيث لو تقع في الماء بعد إليه النتن والفساد.
قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا دبغ الإهاب فقد طهر” [رواه مسلم:366]، ويجب غسل الجلد بالماء بعد الدبغ لملاقاته للأدوية النجسة التي دبغ بها، أو الأدوية التي تنجست بملاقاته قبل طهر عينه.
بعض ما يعفى عنه من النجاسات:
الإسلام دين النظافة، لذلك أوجب إزالة النجاسة أينما كانت، والتحرز منها، وجعل الطهارة من النجاسة شرطاً لصحة الصلاة سواء في الثوب أم البدن أم المكان.
إلا أن الدين راعي اليسر، وعدم الحرج، فعفا عن بعض النجاسات لتعذر إزالتها، أو مشقة الاحتراز عنها، تسهيلاً على الناس، ورفعاً للحرج عنهم، وإليك بعض هذه المعفوات:
1ـ رشاش البول البسيط الذي لا يدركه الطرف المعتدل إذا أصاب الثوب أو البدن، سواء كانت النجاسة مغلظة أم مخففة أم متوسطة.
2ـ اليسير من الدم، والقيح، ودم البراغيث وونيم الذباب أي نجاسته ما لم يكن ذلك بفعل الإنسان وتعمده.
3ـ دم وقيح الجروح ولو كان كثيراً، شريطة أن يكون من الإنسان نفسه، وأن لا يكون بفعله وتعمده، وأن لا يجاوز محله المعتاد وصوله إليه.
4ـ روث الدواب الذي يصيب الحبوب أثناء دراستها، وروث الأنعام الذي يصيب اللبن أثناء الحلب ما لم يكثر فيغير اللبن.
5ـ روث السمك في الماء ما لم يتغير، وذرق الطيور في الأماكن التي تتردد عليها كالحرم الملكي والحرم المدني والجامع الأموي، وذلك لعموم البلوى، وعسر الاحتراز عنه.
6ـ ما يصيب ثوب الجزار من الدم ما لم يكثر.
7ـ الدم الذي على اللحم.
8ـ فم الطفل المتنجس بالقي، إذا أخذ ثدي أمه.
9ـ ما يصيب الإنسان من طين الشارع.
10ـ الميتة التي لا نفس لها سائلة أي لا دم لها من نفسها إذا وقعت في مائع: كالذباب، والنحل، والنمل، شريطة أن تقع بنفسها، ولم تغير المائع الذي وقعت فيه.
روى البخاري (5445) وغيره: عن أبي هريرة t : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله ثم يطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء”. ووجه الاستدلال: أنه لو كان ينجسه لم يأمر بغمسه. وقيس بالذباب كل ما في معناه من كل ميتة لا يسيل دمها.
 
*****


الاسْتنجاء وآدابُه
معناه: هو إزالة النجاسة أو تخفيفها عن مخرج البول أو الغائط. مأخوذ من النَّجاء وهو الخلاص من الأذى، أو النجوة: وهي المرتفع عن الأرض، أو النجو: وهو الحُزْء، أي ما يخرج من الدبر. سمي بذلك شرعاً، لأن المستنجي يطلب الخلاص من الأذى ويعمل على إزالته عنه، وغالباً ما يستتر وراء مرتفع من الأرض، أو نحوها، ليقوم بذلك.
حكمه: وهو واجب، وقد دل على ذلك قول الرسول  صلى الله عليه وسلم  كما سيأتي خلال البحث.
ما يستنجي به:
يجوز الاستنجاء بالماء المطلق، وهو الأصل في التطهير من النجاسة كما يجوز بكل جامد خشن يمكن أن يزيل النجاسة، كالحجر والورق ونحو ذلك.
والأفضل أن يستنجي أولاً بالحجر ونحوه، ثم يستعمل الماء، لأن الحجر يزيل عين النجاسة والماء بعده يزيل أثرها دون أن يخلطها. وأن أقتصر على أحدهما فالماء أفضل، لأنه يزيل العين والأثر، بخلاف غيره، وأن أقتصر على الحجر ونحوه، فيشترط أن يكون المستعمل جافاً، وأن يستعمل قبل أن يجف الخارج من القبل أو الدبر، وألا يجاوز الخارج صفحة الآلية أو حشفة الذكر وما يقابلها من مخرج البول عند الأنثى، وأن لا ينتقل عن المحل الذي أصابه أثناء خروجه. كما يشترط أن لا نقل المسحات عن ثلاثة أحجار أو ما ينوب منابها، فإن لم ينظف المحل زيد عليها، ويسن أن يجعل وتراً، أي منفردة: كخمسة أو سبعة، ونحوها.
روى البخاري (149)، ومسلم(271): عن أنس بن مالك t قال: كان رسول الله يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إدواة من ماء وعنزة، فيستجني بالماء.
[الخلاء: مكان قضاء الحاجة. إداوة: إناء صغير من جلد عنزة: الحربة القصيرة، تركز ليصلى إليها كسترة. يستنجي: يتخلص من أثر النجاسة].
وروى البخاري (155) وغيره، عن ابن مسعود t قال: أتي النبي  صلى الله عليه وسلم  الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار.
[الغائط: المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة، ويطلق على ما يخرج من الدبر].
وروى أبو داود (40) وغيره، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه “.
[يستطيب: يستنجي، سمي بذلك لأن المستنجي يطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج].
وروى أبو داود (44)، والترمذي (3099)، وابن ماجه (357)، عن أبي هريرة t عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) [التوبة: 108].
قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية “.
روى مسلم (2622) عن سلمان t عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار”.
وروى البخاري (160)، ومسلم(237) عن أبي هريرة t : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” ومن استجمر فليوتر “.
[استجمر: مسح بالحجار وهي الأحجار الصغيرة].
ما لا يستنجي به:
لا يصح الاستنجاء بما كان نجس العين أو متنجساً لأنه ربما زاد في أثر النجاسة بدل تخفيفه.
روى البخاري (155) عن عبدالله بن مسعود t قال: أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمســت الثالث فلم أجدهـن فأخذت روثة فاتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثـة وقال:”هذا ركس “.
[ الركس: النجس. روثة: براز الحيوان مأكول اللحم وغيره].
ـ ويحرم الاستنجاء بما كان مطعوماً لأدمي كالخبز وغيره، أو جني كالعظم.
روى مسلم (450) عن مسعود t، عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرات عليهم القرآن “. قال: وسألوه الزاد، فقال: ” لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم “. فقال رسول  صلى الله عليه وسلم : ” فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم” وعند الترمذي (18): ولا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن”.
فيقاس طعام الأدمي على غيره من باب أولي.
ـ يحرم الاستنجاء بكل محترم، كجزء حيوان متصل به، كبده ورجله، ومن الآدمي من باب أولى، لأنه يتنافى مع تكريمه، فإن كان جزء الحيوان منفصلا عنه، وكان طاهراً كشعر مأكول اللحم وجلد الميتة المدبوغ، جاز ذلك.
آداب الاستنجاء وقضاء الحاجة:
هناك آداب يطلب من المسلم أن يراعيها عند القيام بقضاء حاجته واستنجائه وهي:
1ـ ما يتعلق بالمكان الذي يقضي فيه حاجته: فإنه يجتنب التبول والتغوط في:
ـ طريق الناس أو المكان الذي يجلسون فيه، لما فيه من الأذى لهم.
روى مسلم (269) وغيره، عن أبي هريرة t : أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” اتقوا اللعانين” . قالوا: وما اللعانان؟ قال: ” الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم”.
[اللعين: الأمرين الجالبين اللعن].
ـ ثقب في الأرض أو جدار أو نحوه، لما قد ينتج عنه من أذى، فقد يكون فيه حيوان ضار كعقرب أو حيه، فيخرج عليه ويؤذيه، وقد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى.
روى أبو داود (29) عن عبدالله بن سرجس قال: ” نهى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن يبال في الجحر”. وهو الثقب في الأرض.
ـ تحت الشجرة المثمرة، صيانة للثمر عن التلويث عند وقوعه سواء كان مأكولاً أو منتفعاً به لئلا تعافه النفس.
ـ الماء الراكد: لما ينتج من تقزز النفس منه إن كان كثيراً لا تغيره النجاسة، ومن إضاعته إن كانت النجاسة تغيره، أو كان دون القلتين.
روى مسلم (281) وغيره، عن جابر t ، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  : أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. والتغوط أقبح وأولى بالنهي ، والنهي للكراهة، ونقل الإمام النووي أنه للتحرم.
[انظر شرح مسلم: 3/ 187].
2ـ ما يتعلق بالدخول إلى قضاء الحاجة والخروج منه، فيستحب لقاضي الحاجة: أن يقدم رجله اليسرى عند الدخول ويمناه عند الخروج لأنه الأليق بأماكن القذر والنجس.
ولا يحمل الله تعالى ومثله كل اسم معظم.
كما يسـتحب له أنن يقول الأذكار والأدعيـة التي ثبتت عـن رسـول الله  صلى الله عليه وسلم  ، قبل دخول الخلاء وبعد الخروج منه:
فيقول قبل الدخول: “باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث” [رواه البخاري 142، ومسلم: 375].
[الخبث: جمع خبيث. والخبائث: جمع خبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإنائهم].
وبعد الخروج يقول: “غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافني، الحمــد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى من قوته، ودفع عنى أذاه” [رواه أبو داود:30، والترمذي:17 وابن ماجه:301، والطبراني].
3ـ ما يتعلق بالجهة: يحرم على قاضي الحاجة أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، إن كان في الفضاء ولا ساتر مرتفع يستر عورته حال قضاء حاجته، وكذلك إن كان في بناء غير معد لقضاء الحاجة، ولم تتحقق شروط الساتر المذكورة، ويشترط ألا يبعد عنه الساتر أكثر من ثلاثة أذرع بذارع الآدمي، أي ما يساوى 150سم تقريباً. فإن كان البناء معداً لقضاء الحاجة جاز الاستقبال والاستدبار.
روى البخاري (381) ومسلم (264)، عن أبي أيوب الأنصاري t عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط، ولكن شرقوا أو غربوا” .
وخص ذلك بالصحراء وما في معناها من الأمكنة التي لا ساتر فيها، ودليل التخصيص: ما روى البخاري(148)، ومسلم (266) وغيرهما، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت النبي  صلى الله عليه وسلم ، مسدبر القبلة، مستقبل الشام. فحمل الأول على المكان غير المعد لقضاء الحاجة، وما في معناه من الاماكن التي لا ساتر فيها، وحمل الثاني على المكان المعد وما في معناه، جمعاً بين الأدلة، ولا يخلو الأمر معه عن كراهة في غير المعد مع وجود الساتر.
4ـ ما يتعلق بحال قاضي الحاجة: أن يعتمد على يساره وينصب يمناه. ولا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه لأنه لا يليق بحاله. ويكره القاضي الحاجة الكلام وغيره أثناء قضائها.
روى مسلم (370) وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا مرّ ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه.
وروى أبو داود(15) وغيره، عن أبي سعيد t قال: سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول: “لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك”.
[يضربان: يأتيان. يمقت: يغضب]
ويقاس على الكلام غيره كالأكل والشرب والعبث، ونحو ذلك
5ـ الاستنجاء باليسار: يستعمل قاضي الحاجة شماله لتنظيف المحل بالماء اليمنى لهذا، كما يكره له أن يمس بها ذكره. وإن احتاج أن يمسك الذكر لينظفه بالحجر ونحوه من الجامدات، أمسك الجامد بيده اليمنى دون أن يحركها، وأمسك الذكر باليسرى وحركها لينظف المحل.
روى البخاري (153)، ومسلم (267)، عن أبي قتادة t، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه”.
الطهارة من الحدث:
معنى الحدث: الحدث لغة: الشيء الحادث. وشرعاً: هو أم اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، حيث لا مرخص. ويطلق الحدث أيضاً على نواقض الوضوء التي سنتحدث عنا فيما بعد، وعلى موجبات الغسل.
أقسام الحدث:
والحدث يقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر.
الحدث الأصغر: هو أمر اعتباري يقوم بأعضاء الإنسان الأربعة، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فيمنع من صحة الصلاة ونحوها، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء، فيصبح الإنسان مستعداً للصلاة ونحوها.
والحدث الأكبر: وهو أمر اعتباري يقوم بالجسم كله فيمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، ويرتفع هذا الحدث بالغسل فيصبح الإنسان أهلاً لما كان ممنوعاً عنه.
*****
الوضُوء
معناه:
الوضوء لغة: مأخوذة من الوضاءة وهي الحسن والبهجة، وشرعاً: اسم للفعل الذي هو استعمال الماء أعضاء معينة ما النية. والوضوء اسم للماء الذي يتوضأ به، وسمي بذلك لما يضفي على الأعضاء من وضاءة يغسلها وتنظيفها.
فروض الوضوء:
وفروض الوضوء ستة وهي: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، مع المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب. والأصل في مشروعية الوضوء وأركانه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة:6].
1ـ النية: لأن الوضوء عبادة، وبالنية تتميز العبادة، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” [رواه البخاري:1، ومسلم:1907]. أي لا تصح العبادة ولا يعتد بها شرعاً إلا إذا نويت، ولا يحصل للمكلف أجرها إلا إذا أخلص فيها.
تعريف النية: والنية معناها لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقروناً بفعله.
محل النية: ومحل النية القلب، ويسن التلفظ بها باللسان.
كيفية النية: وكيفيتها أن يقول بقلبه: نويت فرض الوضوء، أو رفع الحدث، أو استباحة الصلاة.
وقت النية: ووقتها عند غسل أول جزء من الوجه، لأنه أول الوضوء.
2ـ غسل جميع الوجه: لقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم).وحدود الوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
ويجب غسل كل ما على الوجه: من حاجب، وشارب، ولحية، ظاهرة وباطناً لأنها من أجزاء الوجه، إلا اللحية الكثيفة ـ وهي التي لا يرى ما تحتها ـ فإنه يكفى غسل ظاهرها دون باطنها.
3ـ غسل اليدين مع المرفقين: لقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق). جمع مرفق وهو مجتمع الساعد مع العضد و”إلى” بمعنى مع، أي: مع المرافق، دل على ذلك ما رواه مسلم (246)، عن أبي هريرة t: “أنه توضأ فغسل وجهه فاسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت الرسول  صلى الله عليه وسلم  يتوضأ”.
[أشرع في العضد وأشرع في الساق، معناه: أدخل الغسل فيهما].
ويجب تعميم جميع الشعر والبشرة بالغسل، فلو كان تحت أظافره وسخ يمنع وصول الماء أو خاتم لم يصح الوضوء، لما رواه البخاري (161)، ومسلم (241) واللفظ له، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رجعنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء” . أي أتموه وأكملوه باستيعاب العضو بالغسل.
[عجال: مستعجلون].
وروى مسلم (243) : أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فقال: “أرجع فأحسن وضوءك”. فرجع ثم صلى.
[فرجع: أي فأتم وضوءه وأحسنه].
فدل الحديثان: على أنه لا يجزئ الوضوء إذا بقي أدنى جزء من العضو المغسول دون غسل.
4ـ مسح بعض الرأس، ولو شعرة ما دامت في حدود الرأس، لقوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم). وروى المغيرة بن شعبة t : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  توضأ، ومسح بناصيته، وعلى عمامته. [رواه مسلم:279].
ولو غسل رأسه أو بعضه يدل المسح جاز. والناصية: مقدم الرأس، وهي جزء منه، والاكتفاء، بالمسح عليها دليل على ان مسح الجزء هو المفروض ويحصل بأي جزء كان.
5ـ غسل الرجلين مع الكعبين: لقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين). الكعبان مثنى الكعب: وهو العظم الناتئ من كل جانب عند مفصل الساق مع القدم، و “إلى”: بمعنى مع، أي مع الكعبين، دل على ذلك: ما جاء في حديث أبي هريرة t السابق وحتى أشرع في الساق”.
ويجب تعميم الرجلين بالغسل بحيث لا يبقى منهما ولو موضع ظفر، أو تحت شعر لما مر في غسل اليدين.
6ـ الترتيب على الشكل الذي ذكرناه:
وهذا مستفاد من الآية التي ذكرت فروض الوضوء مرتبة، ومن فعله  صلى الله عليه وسلم  فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً ـ كما جاء في الآية ـ ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة منها حديث أبي هريرة t السابق، وفيه العطف بثم، وهي الترتيب باتفاق. قال النووي في المجموع (1/ 484): واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي  صلى الله عليه وسلم ، وكلهم وصفوه مرتباً، مع كثرتهم وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير ذلك، ولم يثبت فيه ـ مع اختلاف أنواعه ـ صفة غير مرتبة، وفعله صلى الله عليه وسلم  بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، كما ترك التكرار في أوقات.
سنن الوضوء:
للوضوء سنن كثيرة نذكر أهمها وهي:
1ـ التسمية في ابتدائه: روى النسائي (1/61) بإسناد جيد، عن أنس t قال: طلب بعض أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  وضوءاً فلم يجدوا ماء، فقال عليه الصلاة والسلام: “هل مع أحد منكم ماء”، فأتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: “توضأوا بسم الله” أي قائلين ذلك عند الابتداء به. قال أنسt: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتى توضأوا من عن آخرهم ـ أي جميعهم ـ وكانوا نحواً من سبعين.
2ـ غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء: روى البخاري (2183)، ومسلم (235)، من حديث عبدالله بن زيد t وقد سئل عن وضوء النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فدعا بنور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي  صلى الله عليه وسلم  فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء…”.
[التور: إناء من نحاس. فأكفأ: صب].
3ـ استعمال السواك: لما رواه البخاري (847)، ومسلم (252)، وغيرهما، عن أبي هريرة t عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء”. أي لأمرتهم أمر إيجاب، وهذا دليل الاستحباب المؤكد.
4 و 5 ـ المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى، جاء في حديث عبد الله بن زيد t السابق من غرفة واحدة، وكرر ذلك ثلاثاً.
[استنثر: أخرج الماء الذي أدخله في أنفه].
6ـ تخليل اللحية الكثة: روى أبو داود (145) عن أنس t كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: “هكذا أمرني ربي عز وجل”   
7ـ مسح جميع الرأس: جاء في حديث عبد الله بن زيد t: فمسح رأسه بيديه، فاقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما على قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
8ـ تخليل ما بين أصابع اليدين والرجلين بالماء: أما اليدين فبالتشبيك بينهما، وأما الرجلان فبخنصر اليد اليسرى: عن لقيط بن صبرة t قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: “أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً” [رواه أبو داود:142، وصححه الترمذي:788، وغيرهما]
[أسبغ: أكمله وأتمه بأركانه وسننه].
وعن المستورد قال: “رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره، [رواه أبن ماجه:446].
9ـ مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد غير ماء الرأس عن ابن عباس t : “أن النبي  صلى الله عليه وسلم  مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما” [رواه الترمذي:36، وصححه]. وعند النسائي (1/ 74): “مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالمسحتين، وظاهرهما بإبهاميه”. وقال عبدالله بن زيد: “رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي أخذه لرأسه” [رواه الحاكم:1/151]، وقال عنه الحافظ الذهبي: صحيح.
10ـ التثليث في جميع فرائض الوضوء وسننه. روى مسلم (230) أن عثمان t قال: ألا أريكم وضوء رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ؟ ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
11ـ تقديم اليمنى على اليسرى، في اليدين والرجلين: عن أبي هريرة t أن رسول الله قال: “إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم” [رواه ابن ماجه:402]. ودلّ على ذلك حديثه السابق في فرائض الوضوء.
12ـ الدلك ـ وهو إمرار اليد على العضو عند غسله ـ: روى أحمد في مسنده (4/39) عن عبدالله بن زيد t أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  توضأ، فجعل يقول هكذا، يدلك.
[في المصباح: دلكت الشيء ـ من باب قتل ـ مرسته بيدك، ودلكت النعل بالأرض مسحتها بها . يقول: عبر عبدالله بالقول عن الفعل].
13ـ الموالاة: أي غسل الأعضاء بالتتابع من غير انقطاع، بحيث يغسل العضو الثاني قبل أن يجف الأول، أتباعاً للنبي  صلى الله عليه وسلم ، لما مر معك من أحاديث على ذلك.
14ـ إطالة الغرة والتحجيل: والغرة غسل جزء من مقدم الرأس والتحجيل غسل ما فوق المرفقين في اليدين، وما فوق الكعبين في الرجلين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل” [رواه البخاري:136، ومسلم:246]. وفي رواية عند مسلم: ” فليطل غرته وتحجيله”.
[غرّاًً: جمع أغر، أي ذو غرة، وهي بياض في الجبهة. محجلين: من التحجيل وهو بياض في اليدين والرجلين، وهذا تشبيه لأن الأصل في الغرة والتحجيل أن يكون في جهة الفرس وقوائمها، والمراد به هنا: النور الذي يسطع من المؤمنين يوم القيامة].
15ـ الاعتدال بالماء دون سرف أو تقتير: فقد روى البخاري (198) عن أنس t: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يتوضأ بالمد.
[والمد: إناء يساوي مكعباً طول حرفه 10 سم تقريباً].
16ـ استقبال القبلة عند الوضوء، لأنها أشرف الجهات.
17ـ أن لا يتكلم أثناء الوضوء، اتباعاً للرسول  صلى الله عليه وسلم .
18ـ التشهد عند الانتهاء من الوضوء والدعاء، يقول: “أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله” [رواه مسلم:234].”اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين” [رواه الترمذي:55]. “سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك”. [رواه النسائي في أعمال اليوم والليلة، كما قال الإمام النووي في الأذكار].
مكروهات الوضوء:
ويكره في الوضوء الأمور التالية:
1ـ الإسراف في الماء، والتقتير فيه: لأن ذلك خلاف السنة، ولعموم قوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) [سورة الأعراف:31]. والإسراف هو التجاوز عن الاعتدال المعروف والمألوف. روى أبو داود (96) أنه  صلى الله عليه وسلم  قال: “إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء”. أي يفرطون فيهما، والإفراط في الدعاء: أن يسأل أشياء مخصوصة وبصفة معينة.
2ـ تقديم اليد اليسرى على اليمنى، وتقديم الرجل اليسرى على اليمنى: لأن هذا على خلاف ما مر من فعله  صلى الله عليه وسلم .
3ـ التنشيف بمنديل إلا لعذر، كبرد شديد أو حر يؤذي معه بقاء الماء على العضو، أو خوف نجاسة أو غبارها، روى البخاري (256)، ومســلم (317): أنه  صلى الله عليه وسلم  أتي بمنديل فلم يمسه.
4ـ ضرب الوجه بالماء، لأن ذلك ينافي تكريمه.
5ـ الزيادة على ثلاث يقيناً بالغسل أو في المسح، أو النقص عنها، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعدما توضأ ثلاثاً ثلاثاً:”هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم” [رواه أبو داود:135]، وقال النووي في المجموع :إنه صحيح. معناه أن من اعتقد أن السنة أكثر من ثلاث أو أقل منها، فقد أساء وظلم، لأنه قد خالف السنة التي سنها النبي  صلى الله عليه وسلم .
6ـ الاستعانة بمن يغسل له أعضاء من غير عذر، لأن فيه نوعاً من التكبر المنافي للعبودية.
7ـ المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم خشية أن يسبقه الماء إلى حلقه فيفسد صومه، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً” [رواه أبو داود:142]. وتقاس المضمضة على الاستنشاق من باب أولى.
نواقص الوضوء:
وينتقص الوضوء بخمسة أشياء:
1ـ كل ما خرج من أحد السبيلين من بول أو غائط أو دم أو ريح: قال تعالى: (لو جاء أحد منكم الغائط) [النساء:42]. أي مكان قضاء الحاجة، وقد قضى حاجته من تبرز أو تبول. والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله تقضى الحاجة من تبرز أو تبول. والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله نقضى الحاجة غالباً وعادة.
وروى البخاري (135) ومسلم (225) عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ”. فقال رجل من أهل حضر موت ك ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط.
وقيس على ما ذكر كل خارج من القبل أو الدبر، ولو كان طاهراً.
2ـ النوم غير المتمكن: والتمكن أن يكون جالساً ومقعدته ملتصقة بالأرض، وغير التمكن أن يكون هناك نجاف بين مقعدته والأرض، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “من نام فليتوضأ” [رواه أبو داود:203 وغيره]. وأما من نام على هيئة المتمكن فلا ينقض وضوؤه، لأنه يشعر بما يخرج منه، ودل على هذا ما رواه مسلم(376) عن أنس t قال: أقيمت الصلاة والنبي  صلى الله عليه وسلم  يناجى رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم.
[يناجي: يتحدث معه على انفراد بحيث لا يسمعهما أحداً].
وعنه أيضاً قال: كان أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ينامون، ثم يصلون ولا يتوضأون [أنظر البخاري:541، 544، 545].
وواضح أنهم ناموا جالسين على هيئة التمكن، لأنهم كانوا في المسجد ينتظرون الصلاة، وعلى أمل أن يقطع حديثه  صلى الله عليه وسلم  فجأة ويصلي بهم.
3ـ زوال العقل بسكر أو إعماء أو مرض، أو جنون: لأن الإنسان إذا انتابه شيء من ذلك كان هذا مظنة أن يخرج منه شيء من غير ان يشعر، وقياساً على النوم، لأنه أبلغ منه في معناه.
4ـ لمس الرجل زوجته أو المرأة الأجنبية من غير حائل، فإنه ينتقض وضوؤه ووضوؤها. والأجنبية هي كل امرأة يحل له الزواج بها. قال تعالى في بيان موجبات الوضوء: (أو لامستم النساء) [النساء:42]. أي لمستم كما في قراءة متواترة.
5ـ مس الفرج نفسه أو من غيره، قبلاً أو دبراً، بباطن الكف والأصابع من غير حائل.
 
 
 
الأمور التي يشترط لها الوضوء:
الأمور التي يجب الوضوء من أجلها هي:
1ـ الصلاة: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [سورة المائدة:6].
وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ” [رواه البخاري:135، ومسلم:225]. وعند مسلم (224): “ولا تقبل صلاة بغير طهور”.
2ـ الطواف حول الكعبة: لأن الطواف كالصلاة تجب فيه الطهارة، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه تلا يتكلمن إلا بخير”. [رواه الترمذي:960، والحاكم:1/ 459، وصححه].
3ـ من المصحف وحمله: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرين) [سورة الواقعة:79]. وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “لا يمس القرآن إلا طاهر” [رواه الدارقطني:1/459].
صور كاملة لوضوء النبي  صلى الله عليه وسلم  بفرائضه، وسننه
المؤكدة، وبيان فضله، وفضل الصلاة بعده:
روى البخاري في صحيحه(162) عن عثمان بن عفان t:أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، [وفي رواية: ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم غسل رجله اليسرى ثلاثاً]. ثم قال: رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: “من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه”.
[بوضوء: هو الماء الذي يتوضأ به. لا يحدث: أي بشيء من أمور الدنيا].
*****
المسَحُ عَلَى الخٌفَّين
تعريفهما:
الخُفّان: تثنية خف، وهما الحذاءان السائران للكعبين المصنوعان من جلد.
والكعبان كما مر: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق.
حكم المسح عليهما:
ودليل جوازه فعل النبي  صلى الله عليه وسلم  ، قال جرير بن عبدالله البجلي t: “رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  بال، ثم توضأ ومسح على خفيه”. [رواه البخاري:1478، ومسلم:272].
شروط المسح عليهما:
ويشترط لجواز المسح عليهما خمسة شروط:
1ـ أن يُلبسا بعد وضوء كامل: عن المغيرة بن شعبة t قال: كنت مع النبي  صلى الله عليه وسلم  في سـفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال ” دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين”، فمسح عليهما.[رواه البخاري:203، ومسلم:274].
2ـ أن يكونا سائرين لجمع محل غسل الفرض من القدمين، لأنهما لا يسميان خفين إلا إذا كانا كذلك.
3ـ أن يمنعا نفوذ الماء إلى القدمين من غير محل الخرز ـ أي الخياطة.
4ـ أن يكونا قويين يمكن تتابع المشي عليهما يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهما للمسافر.
5ـ أن يكونا طاهرين، ولو كانا من جلد ميتة قد دبغ، لما مر من أن جلد الميتة يطهر بالدباغ.
مدة المسح عليهما:
مدة المسح علي الخفين: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر،روى مسلم (276) وغيره، عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة رضى الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بهذا منّي، كان يسافر مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، فسألته فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم.
هذا ومن بدأ المسح في الحضر ثم سافر مسح يوماً وليلة، ومن بدأ المسح بالسفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأن الأصل الإقامة، والمسح رخصة، فيؤخذ فيه بالأحوط.
متى تبدأ المدة:
وتبدأ مدة المسح من الحدث بعد لبس الخفين، فإذا توضأ الصبح، ولبس خفيه، ثم أحدث عند طلوع الشمس، فإن المدة تحسب من طلوع الشمس.
كيفية المسح عليهما:
الفرض: مسح شيء ولو قل من أعلى الخف(1)، فلا يكفي المسح على أسفلهما. ويسن مسح أعلاه وأسفله خطوطاً، بأن يضع أصابع يده اليمني مفرقة على مقدمة رجله لأعلى، وأصابع يده اليسرى على مؤخرة قدمه من الأسفل، ثم يذهب باليمنى إلى الخلف وباليسرى إلى الأمام.
مبطلات المسح:
ويبطل المسح ثلاثة أمور:
1ـ خلع الخفين أو خلع أحدهما، أو انخلاعهما أو أحدهما.
2ـ انقضاء مدة المسح: فإذا انقضت المدة وكان متوضئاً نزعهما وغسل رجليه هم أعادهما، وإن كان غير متوضئ توضأ، ثم لبسهما إن شاء.
3ـ حدوث ما يوجب الغسل: فإذا لزمه غسل خلعهما وغسل رجليه، لأن المسح عليهما بدل غسل الرجلين في الوضوء، لا في الغسل.
روى الترمذي (96)، والنسائي (1/83) ـ واللفظ له ـ عن صفوان بن عسال t قال: “كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يأمرنا إذا كنا مسافرين: أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة”. وهي موجبات الغسل كما سيأتي.
*****
الجبائر والعصائب
الجبائر: جمع جبيرة، وهي رباط يوضع على العضو المكسور ليجبر.
والعصائب: جمع عصابة، وهي رباط يوضع على الجرح ليحفظه من الأوساخ حتى يبرا.
ولما كان الإسلام دين اليسر، راعى هذه النواحي، وشرع لها الأحكام التي تضمن التوفيق بين أداء العبادة والمحافظة على سلامة الإنسان.
أحكام الجبائر والعصائب:
المريض المصاب بجرح أو كسر، قد يحتاج إلى وضع رباط ودواء على الجرح أو الكسر،وقد لا يحتاج.
فان احتاج إلى وضع رباط لزمه في هذه الحالة ثلاثة أمور:
1ـ أن يغسل الجزء السليم من العضو المصاب.
2ـ أن يمسح على نفس الرباط أي الجبيرة، أو العصابة، كلها.
3ـ أن يتيمم بدل غسل الجزء المريض عند وصوله إليه بالوضوء.
وإن لم يحتج إلى وضع رباط على العضو المكسور أو المجروح، وجب عليه أن يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح إذا كان لا يستطيع غسل موضع العلة. ويجب إعادة التيمم لصلاة كل فرض وإن لم يحدث، لأن يجب عليه غسل باقي الأعضاء، إلا إذا أحدث.
دليل مشروعية المسح على الجبائر:
دلّ على مشروعية المسح على الجبائر، ما رواه أبو داود (336) عن جابر t قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون في رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل عمات، فلما قدمنا على النبي  صلى الله عليه وسلم  أخبر بذلك، فقال: “قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ـ أو يعصب ـ على جرحه خرقة، قم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده”.
[العي: التحير في الكلام، وقيل: هو ضد البيان].
مدة المسح على الجيرة والعصبة:
ليس للمسح على الجبيرة أو العصابة مدة معينة، بل يظل يمسح عليها ما دام العذر موجوداً، فإذا زال العذرـ بأن اندمل الجرح، وانجبر الكسر ـ بطل المسح ووجب الغسل، فإذا كان متوضئاً، وبطل مسحه، وجب عليه إصابة العضو الممسوح وما بعده من أعضاء الوضوء، مسحاً أو علا حسب الواجب.
وحكم الجبائر واحد، سواء كانت الطهارة من حدث أصغر أو حدث أكبر، إلا أنه في الحدث الأكبر، إذا بطل المسح، وجب غسل موضع العصابة أو الجبيرة فقط، ولا يجب غسل سواها من البدن.
ويجب على واضع الجبيرة القضاء في المواضع التالية:
1ـ إذا وضعها على غير طهر وتعذر نزعها.
2ـ أو كانت في أعضاء التيمم: الوجه أو اليدين.
3ـ إذا أخذت من الصحيح أكثر من قدر الاستمساك.
*****
الغُسل وَأحْكامُه وَأنوَاعُه
معناه:
هو في اللغة: سيلان الماء على الشيء، أيا كان.
وشرعاً: جريان الماء على البدن بنية مخصوصة.
مشروعيته:
الغسل مشروع، سواء كان للنظافة، أم لرفع الحدث، سواء كان شرطاً لعبادة أم لا.
ودل على مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:
فآيات، منها قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [سورة البقرة: الآية 222]. أي المتنزهين عن الحدث والأقدار المادية والمعنوية.
وأمَّا السنة:
فأحاديث، منها: ما رواه البخاري( 85)، ومسلم (849)عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده ” .وعند مسلم: ” حق الله “. والمراد بالحق هنا: أنه مما لا يليق بالمسلم تركه، وحمله العلماء على غسل يوم الجمعة. وسيأتي مزيد من الأدلة في مواضعها من البحث إن شاء الله.
وأما الإجماع:
فلقد أجمع الأئمة المجتهدون على أن الغسل للنظافة مستحب، والغسل لصحة العبادة واجب، ولا يغرف ف هذا مخالف.
حكمة مشروعيته:
للغسل حكم كثيرة وفوائد متعددة، ومنها:
1ـ حصول الثواب:
لان الغسل بالمعنى الشرعي عبادة، إذ فيه امتثال لأمر الشرع وعمل بحكمه، وفي هذا أجر عظيم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ” الطهور شطر الإيمان ” [رواه مسلم: 222]. أي نصفه أو جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل.
2ـ حصول النظافة:
فإذا اغتسل المسلم تنظف جسمه مما أصابه من قذر، أو علق به من وسخ، أو أفرزه من عرق. وفي هذه النظافة وقاية من الجراثيم التي تسبب الأمراض، وتطييب الرائحة الجسم، مما يدعو لحصول الألفة والمحبة بين الناس.
روى البخاري (861)، ومسلم (847)، واللفظ له، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكان يكون لهم تفل، فقيل لهم: ” لو اغتسلتم يوم الجمعة “. وفي رواية لهما: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ” لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا “.
[كفاة: أي من يكفونهم العمل من خدم وأجراء. تقل: رائحة كريهة].
3ـ حصول النشاط:
فإذا الجسم يكتسب بالاغتسال حيوية نشاطاً، ويذهب عنه الفتور والخمول والكسل، ولا سيما إذا كان بعد أسبابه الموجبة، كالجماع، على ما سيأتي.
أقسام الغسل:
والغسل قسمان: غسل مفروض، وغسل مندوب.
أولاً ـ الغسل المفروض:
وهو الذي لا تصح العبادة المفتقرة إلى طهر بدونه، إذا وحدت أسبابه.
أسبابه: الجنابة والحيض والولادة والموت.
(1) الجنـــابة
معناها:
الجنابة: في الأصل معناها البعد، قال تعالى: (فبصرب به عن جنب) [سورة القصص: الآية 11]. أي: عن بعد. وتطلق الجنابة على المني المتدفق كما تطلق على الجماع.
وعليه فالجنب هو: غير الطاهر، من إنزال أو جماع. وسمي بذلك لأنه بالجنابة بعد عن أداء الصلاة ما دام على هذه الحالة. والجنب لفظ يستوي فيه المذكر جنب، ويقال للمؤنث جنب، ويقال للجمع جنب.
 
 
أسبابها:
وللجنابة سببان:
الأول: نزول المني من الرجل أو المرأة بأي سبب من الأسباب: سواء كان نزوله بسبب احتلام، أو ملاعبة، أو فكر.
عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ” نعم إذا رأت الماء ” [رواه البخاري: 278، ومسلم 313].
[احتلمت: رأت في نومها أنها تجامع].
وروى أبو داود (236) وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت سئل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال ” يغتسل “. وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: ” لا غسل عليه “. فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال ” نعم ” النساء شقائق الرجال “. أي نظائرهم في الخلق والطبع، فكأنهم شققن من الرجال.
الثاني: الجماع ولو من غير نزول المني.
روى البخاري (278)، ومسلم (348)، عن أبي هريرة t، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل “. وفي رواية مسلم : ” وإن لم ينزل “.
[شعبها: جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد هنا فخذا المرأة وساقاها. جهدها: كدها بحركته].
وفي رواية عند مسلم (349)، عن عائشة رضي الله عنها: ” ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ” أي على الرجل والمرأة لا شتراكهما في السبب.
والختان: موضع الختن، وهو عند الصبي: الجلدة التي تغطي رأس الذكر. والمراد بمماسة الختانين: تحاذيهما، وهو كناية عن الجماع.
ما يحرم بها:
ويحرم بالجنابة الأمور التالية:
1ـ الصلاة فرضاً، أو نفلاً، لقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) [سورة النساء: الآية 43]. فالمراد بالصلاة هنا مواضعها، لأن العبور لا يكون في الصلاة، وهو نهي للجنب عن الصلاة من باب أولى.
وروى مسلم (224) وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: ” لا تقبل صلاة بغير طهور “. وهو يشمل طهارة المحدث والجنب، ويدل على حرمة الصلاة منهما.
2ـ المكث في المسجد والجلوس فيه، أما المرور فقط من غير مكث ولا تردد فلا يحرم: قال تعالى: ( ولا جنباً إلا عابري سبيل) . أي لا تقربوا الصلاة موضع الصلاة ـ وهو المسجد ـ إذا كنتم جنباً إلا قرب مرور وعبور سبيل. وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” لا أجل المسجد لحائض، ولا لجنب “.
[ رواه أبو داود: 232]، وهو محمول على المكث كما علمت من الآية، ولما سيأتي في الحيض.
3ـ الطواف حول الكعبة فرضاً، أو نفلاً، لأن الطواف بمنزلة الصلاة، فيشترط له الطهارة كالصلاة، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ك ” الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير “
[رواه الحاكم: 1/ 459، وقال: صحيح الإسناد].
4ـ قراءة القرآن: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ” لا تقرا الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن “. [رواه الترمذي:131، وغيره].
ملاحظة: يجوز للجنب إمرار القرآن على قلبه من غير بلفظ به، كما يجوز له النظر في المصحف. ويجوز له قراءة أذكار القرآن بقصد الذكر، لا يقصد القراءة، وذلك كأن يقول: (ربنا أتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)[ سورة البقرة: الآية 201]. بقصد الدعاء. وكأن يقول إذا ركب دابة: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) [الزخرف: 13]، بقصد الذكر لا بقصد القراءة.
5ـ مس المصحف وحمله أو مس ورقه، أو جلده، أو حمله في كيس أو صندوق: قال تعالى:(لا يمسه إلا المطهرون ) [الواقعة: 79].
وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا يمس القرآن إلا طاهر “[ رواه الدارقطني: 1/ 121، ومالك في الموطأ مرسلاً: 1/ 199].
ملاحظة: يجوز للجنب حمل المصحف إذا كان في أمتعة أو ثوب، ولم يقصد حمله بالذاب، بل كان حمله تبعاً لحمل الأمتعة من القرآن، لأن فاعل ذلك لا يسمى عرفاً حاملاً للقرآن.


(2) الحيـــض
معناه:
حيض في اللغة: السيلان. يقال حاض الوادي إذا سال.
وفي الشرع: دم جبلة ـ أي خلقة وطبيعة ـ تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة، في أوقات معلومة.
دليله:
ودليل أن الحيض يوجب الغسل: القرآن والسنة.
أما القرآن: فقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فأعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله )[سورة البقرة: الآية 222].
وأما السنة : فقوله  صلى الله عليه وسلم  لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنهما: ” فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ” [رواه البخاري: 226، ومسلم 333].
سن البلوغ:
يقصد بالبلوغ السن التي إذا بلغها الإنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ أصبح أهلاً لتوجه الخطاب إليه بالتكليف الشرعية: من صلاة، وصوم، وحج، وغيرها.
ويعرف البلوغ بأمور:
الأول: الاحتلام بخروج المني، بالنسبة للذكر والأنثى.
الثاني: رؤية دم الحيض بالنسبة للأنثى. والوقت الذي يمكن أن يحصل فيه الاحتلام، أو الحيض، فيكون قد تحقق البلوغ، هو استكمال تسع سنين قمرية من العمر. ثم التأخر عن هذا الوقت أو عدم التأخر إنما يتبع طبيعة البلاد، وظروف الحياة.
الثالث: باستكمال الخامسة عشرة من العمر، بالسنين القمرية، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض.
مدة الحيض:
وللحيض مدة دنيا، ومدى قصوى، ومدة غالبة:
فالمدة الدنيا ـ وهي أقل مدة الحيض ـ يوم وليلة.
والمدة القصوى ـ وهي أكثر مدة الحيض ـ خمسة عشر يوماً بلياليها.
والمدة الغالبة ـ ستة أيام أو سبعة.
وأقل طهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، ولا حد لأكثر الطهر، فقد لا تحيض المرأة سنة أو سنتين أو سنين. وهذه التقادير مبناها الاستقراء، أي تتبع الحوادث ـ والوجود، وقد وجدت وقائع أثبتتها.
فإذا رأت المرأة دماً أقل من مدة الحيض ـ أي أقل من يوم وليلة ـ أو رأت الدم بعد مدة أكثر الحيض ـ أي أكثر من خمسة عشر يوماً بلياليها ـ ، اعتبر هذا الدم دم استحاضة، لا دم حيض. وقد تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته.
والاستحاضة:
دم علة ومرض يخرج من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، وهذا الدم ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل، ولا يوجب ترك الصلاة ولا الصوم، فالمستحاضة تغسل الدم، وتربط على موضعه، وتتوضأ لكل فرض، وتصلي.
روى أبو داود (268) وغيره عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي  صلى الله عليه وسلم  : ” إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو غرق”.
[يعرف: يغرفه النساء عادة. عرق: أي ينزف. الآخر: الذي ليست صفته كذلك].
روى البخاري (236) ومسلم (333) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  وقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  “لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي”.
ما يحرم بالحيض:
1ـ الصلاة: لأحاديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها السابقة في الاستحاضة.
2ـ قراءة القرآن ومس المصحف وحمله لما مر ايضأ فيما يحرم بالجنابة رقم (4، 5).
3- المكث في المسجد لا العبور فيه: لما مرَّ معك فيما يحرم بالجنابة رقم(2). ومما يدل على أن مجرد العبور لا يحرم، بالإضافة لما سبق: ما رواه مسلم(298) وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت:قال لي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ” نَاولِيني الْخُمْرَة مِنَ المَسْجدِ” . فَقُلْتُ: إنَّي حَائِضٌ، فقال:” إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ” .
وعن النسائي(1/147) عن ميمونة رضي الله عنها قالت: تَقُومُ إحْدانا بِالخُمْرَةِ إلى المَسْجدِ فَتَبْسُطُها وهِيَ حَائِضٌ.
[ الخمرة: هي السجدة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد].
4- الطواف: ودل على ذلك ما مَّر في الجنابة، رقم (3).
وما رواه البخاري(290)، ومسلم(1211)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا لا نُرى إلاَّ الحجَّ، فلمَّا كنَّا بسَرَفٍ حِضْتُ، فدخل علىَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وأنا أبكي، قال: ” مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟” قُلْتُ: نعم ، قال:” إنَّ هَذا أَمْرُ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَناتِ آدمَ، فاقضِي مَا يَقْضِي الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبَيْتِ”. وفي رواية ” حتى تَطْهُري”.
[لا نرى : لا نظن أنفسنا إلا محرمين بالحج. بسرف: مكان قرب مكة. أنفستِ: أحضتِ. فاقضي: افعلي ما يفعله الحاجُّ من المناسك] .
ويحرم على الحائض زيادة على ذلك أمور أخرى وهي:
1- عبور المسجد والمرور فيه إذا خافت تلويثه، لأن الدم نجس ويحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار، فإذا أمنت التلويث حلَّ لها المرور كما علمت.
2- الصوم: فلا يجوز للحائض أن تصوم فرضاً ولا نفلاً، ودليل ذلك ما رواه البخاري(298)، ومسلم(80)، عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال في المرأة وقد سئل عن معنى نقصان دينها: ” أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟”.
وعلى ذلك الإجماع.
وتقضي الحائض ما فاتها من صوم الفرض بعد طهرها، ولا تقضي الصلاة، وإذا طهرت- أي انتهى حيضها – وجب عليها الصوم، ولو لم تغتسل.
روى البخاري(315)، ومسلم(335) واللفظ له، عن معاذة قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: “كان يصيبنا ذلك مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة”. ولعل الحكمة في ذلك أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم.
3- الوطء- أي الجماع – والاستمتاع والمباشرة بما بين السرة إلى الركبة: لقوله تعالى: ] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[
[ البقرة :222 ]. والمراد باعتزالهنَّ ترك الوطء.
وروى أبو داود(212)عن عبدالله بن سعد t: أنه سأل النبي  صلى الله عليه وسلم  : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائضُ ؟ قال: “لَكَ مَا فّوقَ الإِزَارِ”. والإزار الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دون، وهو ما بين السرة إلى الركبة غالباً.


(3) الـولادة
الولادة، وهي وضع الحمل:
قد تكون الولادة ولا يعقب خروج الولد دم، فحكمها حينئذ حكم الجنابة، لأن الولد منعقد من ماء المرأة وماء الرجل. ولا يختلف الحكم مهما اختلف الحمل الموضوع، أو طريقة وضعه. وإذا أعقب خروج الولد دم – وهو الغالب – سمى نفاساً، به أحكام إليك بيانها.
النَّفـاس
معناه:
النفاس لغة: الولادة . وشرعاً: الدم الخارج عقب الولادة. وسمي نفاساً، لأنه يخرج عقب خروج النفس، ويقال للمرأة نُفَساء.
والدم الذي يخرج أثناء الطلق، أو مع خروج الولد، لا يعتبر دم نفاس، لتقدمه على خروج الولد، بل يعتبر دم فساد، وعلى ذلك تجب الصلاة أثناء الطلق ولو رأت الدم، وإذا لم تتمكن من الصلاة ، وجب قضاؤها.
مدته:
وأقل مدة النفاس لحظة، وقد يمتد أياماً، وغالبه أربعون يوماً وأكثره ستون، فما زاد عليا فهو استحاضة والأصل في هذا الاستقراء، كما علمت في مدة الحيض.
ما يحرم بالنفاس:
أجمع العلماء على أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه.
رؤية الدم حال الحمل:
إذا رأت الحامل دماً، وبلغت مدته أقل مدة الحيض – وهي يوم وليلة – ولم يتجاوز أكثر مدة الحيض – وهي خمسة عشر يوماً بلياليها- اعتبر هذا الدم حيضاً على الأظهر، فتدع الصلاة والصوم وكل ما يحرم على الحائض. أما إذا كان الدم الذي رأته أقل من مدة الحيض، أو أكثر من مدة أكثره، اعتبر الأقل والزائد دم استحاضة، وأخذ حكمه من حيث الصلاة وغيرها.
وقيل: الدم الذي تراه المرأة الحامل يعتبر دم استحاضة مطلقاً كيف كان، وليس دم حيض، لأن الحمل يسد مخرج الحيض، وهذا الغالب الأكثر، وحيض المرأة أثناء الحمل إن لم يكن ممتنعاً فهو نادر جداً.
مدة الحمل:
أقلُّها: وأقل مدة الحمل ستة أشهر أخذاً من الآيتين الكريمتين: قوله تعالى:]وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ[ [لقمان:14] . أي فطامه عن الرضاع.
فإذا كانت مدة مجموع الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وكانت مدة الرضاع وحده عامين، كانت مدة الحمل ستة أشهر، وهي أقل مدته، فإذا جاءت المرأة بولد بعد الزواج بأقل من ستة أشهر وهو حي، لا يثبت نسبه لأبيه.
غالبها: وغالب مدة الحمل تسعة أشهر، أخذاً من واقع الحال فإن عامة النساء يلدن بعد بدء الحمل بتسعة أشهر، أو يزيد على ذلك أياماً قليلة، أو ينقص.
أكثرها: وأكثر مدة الحمل عند الشافعي رحمه الله أربع سنين، وهي مدة أن لم تكن ممتنعة فيهي نادرة للغاية، ولكنها تقع، وقد وقعت بالفعل، وعلى وقوعها بني الشافعي رحمه الله تعالى قوله.
( 4 ) المـوت
إذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله، وهو واجب كفائي، إذا قام به البعض من أقربائه أو غيرهم سقط الطلب عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثِمَ الجميع. وتجب نية الغسل على الغاسل . هذا في غير الشهيد، أما الشهيد فإنه لا يغسَّل، وسيأتي تفصيل أحكام الميت في بحر الجنائز.
ودليل وجوب غسل الميت ما رواه ابن عابس رضي الله عنهما: أنَّ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  قال في المُحْرِمِ الَّذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: ” اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ “
[رواه البخاري:1208، ومسلم:1206].
[وقصته: رمته وداست عنقه].
ثانياً – الغسل المندوب:
وبعبارة أخرى: الأغسال المسنونة، وهي التي تصح الصلاة بدونها، ولكن الشرع ندب إليها لاعتبارات كثيرة ، وإليك بيانها:
1- غسل الجمعة:
مشروعيته:
يُسنّ الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، وإن لم تجب عليه الجمعة: كمسافرٍ أو امرأةٍ، أو صغير، وقيل: يسن الغسل لكل أحد، حضر الجمعة أم لا – انظر مشروعية الغسل ص72- ودليل ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم  : “إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتي الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ” (رواه البخاري:837، ومسلم:844، واللفظ له). والأمر هنا للندب، بدليل قوله  صلى الله عليه وسلم  : “مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةَ فَبِها ونِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ”. (رواه الترمذي:497) .
وقته:
ووقت الغسل يوم الجمعة يدخل بأذان الفجر الصادق، وتقريبه من ذهابه إلى الجمعة أفضل، لأنه أبلغ في حصول المقصود من الغسل وهو تطيب رائحة جسمه، وإزالة العرق والرائحة الكريهة، لأن الإسلام إنما سنَّ غسل الجمعة من أجل اجتماع الناس، لئلا يتأذى بعضهم لرائحة كريهة، لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم  عن أكل الثوم والبصل، لمن يريد حضور الصلوات في المساجد.
2- غسل العيدين:
مشروعيته:
ويسن الغسل يوم عيد الفطر، ويم عيد الأضحى، لمن أراد أن يحضر الصلاة ولمن لم يحضر، لأن يوم العيد يوم زينة ، فسنَّ الغسل له.
ودليله: ما رواه مالك في الموطأ(1/177) أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُو إلى المُصَلَّى.
وقيس بيوم الفطر يوم الأضحى.
ويَعْضُد عمل الصحابي هذا: قياس غسل العيدين على غسل الجمعة، لأن المعنى فيهما واحد، وهو التنظف لاجتماع الناس.
وروى ابن ماجه (1315) بسند فيه ضعف، عن ابن عباس t عنهما قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى ويقوي الحديث ما سبق من عمل الصحابي والقياس.
وقته:
ووقت غسل العيدين يبدأ ينصف الليل من ليلة العيد.
3ـ غسل الكسوفين: كسوف الشمس، وخسوف القمر:
مشروعيته:
ويسن الغسل لصلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر.
ودليل ذلك القياس على الجمعة لأنها في معناها من حيث مشروعية الجماعة فيها، واجتمع الناس لها.
وقته:
ويدخل وقت الغسل للكسوفين ببدء الكسوفين، وينتهي بانجلائهما.
4ـ غسل الاستسقاء:
أي لصلاة الاستسقاء يسن الغسل قبل الخروج لصلاة الاستسقاء، قياساً على غسل الكسوفين.
5ـ الغسل من غسل الميت:
ويسن لمن غسل ميتاً أن يغتسل.
ودليل ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم : “من غسل ميتاً فليغتسل”. [رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي (993)]. وصرفه عن الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم  : ” وليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه” [رواه الحاكم:1/386].
6ـ الأغسال المتعلقة بالحج:
(أ) الغسل للإحرام بالحج أو العمرة:
ودليله ما رواه الترمذي (830) عن زيد بن ثابت الأنصاري t : أنه رأى النبي  صلى الله عليه وسلم  “تجرد لإهلاله واغتسل”.
[تجرد لإهلاله: أي نزع ثياب للإحرام، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، ويطلق على الإحرام نفسه].
(ب) الغسل لدخول مكة: ودليله: أن ابن عمر t كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، وكان يذكر عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه فعله. (رواه البخاري: 1478، ومسلم: 1259، واللفظ له).
(ج) الغسل للوقوف بعرفة بعد الزوال:
والأفضل أن يكون بنمرة قرب عرفات.
ودليله: أن علياً t كان يغتسل يوم العيدين ويوم الجمعة، ويوم عرفة، وإذا أراد أن يحرم(1)
وروى مالك في الموطأ (1/322) عن نافع: أن عبدالله بن عمر t كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
(د) الغسل لرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال:
لآثار وردت في ذلك كله، ولأنها مواضع اجتماع الناس فأشبه الغسل لها غسل الجمعة.
والجمار: هي الواضع الني يرمى فيها الحصى بمنى، وتطلق أيضاً على الحصيات التي يرمى بهن.
(هـ) الغسل لدخول المدينة المنورة:
إن تيسر له ذلك، قياساً على استحبابه لدخول مكة، لأن كلاً منهما ببلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخول مكة، لأن كلاً منهما بلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخوله مسجد النبي  صلى الله عليه وسلم  .
الكيفية الواجبة:
هي عبارة عن أمرين، يعبر عنهما في الفقه بفرائض الغسل:
الأول: النية عند البدء يغسل الجسم، لحديث: “إنما الإعمال بالنيات”.
وكيفيتها: أن يقول بقلبه ـ وإذا تلفظ بلسانه كان أفضل ـ : نويت فرض الغسل أو نويت رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة، أو استباحة مفتقر إلى غسل .
الثاني: غسل جميع ظاهر الجسم بالماء، بشرة وشعراً، مع إيصال الماء إلى باطن الشعر وأصوله.
روى البخاري (253)، عن جابر t، وقد سئل عن الغسل، فقال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يأخذ ثلاثة أكف ويفضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده .
[أكف: أي عرفات بكفيه، كما ورد في رواية عند مسلم (329): “ثلاث حفنات”.  [والحفنة: ملء الكفين. يفيضها: يصبها. سائر: باقي].
وعند مسلم (330) وغيره، عن على t قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: “من ترك موضع شعره من جنابة لم يصيبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار”. قال علي: فمن ثم عاديت شعري .وكان يجز شعره t أي يحلقه.
الكيفية المسنونة:
ويعبر عنها في الفقه بسنن الغسل، وهي:
1ـ يغسل يده خارج إناء الماء ثم يغسل بيساره فرجه على بدنه من قذر، ثم يدلكها بمنظف.
روى البخاري (254) ، ومسلم (317)، عن ابن عباس t قال: قالت ميمونة : وضعت للنبي  صلى الله عليه وسلم  ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يديه بالأرض.
2ـ يتوضأ وضوءاً كاملاً، وأن أخر رجليه حتى نهاية الغسل فلا بأس.
3ـ يخلل شعر رأسه بماء، ثم يغسل رأسه ثلاثاً.
4ـ يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر.
دل على هذه السنن ما رواه البخاري (245)، ومسلم (316)، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان إذا أغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه. وفي رواية عند مسلم: ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه. وعند البخاري (246) عن ميمونة رضي الله عنها: وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ثم يفيض الماء على جلده كله.
ودل على استحباب البدء بالشق الأيمن ما رواه البخاري (166)، ومسلم (268)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي  صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.[ ترجله: تسريح شعر رأسه. طهوره: وضوئه وغسله].
5ـ يدلك جسمه ويولي ـ أي بتتابع ـ بين غسل الأعضاء، خروجاً من خلاف من أوجب ذلك وهم الملكية.
6ـ يتعهد معاطفه بالغسل، وذلك بان يأخذ الماء فيغسل كل موضع من جسمه فيه انعطاف أو التواء، كالأذنين وطيات البطن وداخل السرة والإبط ، وإن غلب على ظنه أن الماء لا يصل غليهما إلا بذلك كان واجباً.
7ـ تثليث أعمال الغسل قياساً على الوضوء.
مكروهات الغسل:
1ـ الإسراف في الماء لما مر معك في مكروها الوضوء، ولأنه خلاف فعله  صلى الله عليه وسلم .
روى البخاري (198)، ومسلم (325)، عن أنس t قال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ، ويتوضأ بالمد.
وروى البخاري (349)، ومسلم (327)، عن جابر t وقد سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاعاً، فقال رجل:ما يكفيني؟ فقال جابر كان نكفي من هو أوفي منك شعراً وخير منك.
[ أوفي: أكثر، ويعني النبي  صلى الله عليه وسلم . والصاع: أربعة أمداد، والمد: يساوي مكعباً طول حرفه 2، 9سم].
2ـ الاغتسال في الماء الراكد: لما رواه مسلم (283)، وغيره، عن أبي هريرة t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب”. فقالوا: يا أبا هريرة. كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً. أي يأخذه بيده، أو بإناء صغير. وينوي الاغتراف إن كان الماء قليلاً، حتى لا يصير مستعملاً بمباشرته بجزء من بدنه. أو يأخذ قليلاً من الماء من الوعاء قبل أن ينوي رفع الجنابة، ثم ينوي ويغسل به يده، ثم يتناول بها الماء.
والحكمة من هذا النهي: أن النفس تتقزز من الانتفاع بالماء المغتسل فيه بأي وجه، إلى جانب إضاعة الماء، بخروجه عن صلاحيته للتطهير، إن كان أقل من قلتين، لأنه يصبح مستعملاً بمجرد الاغتسال فيه، والناس في الغالب يحتاجون إلى الانتفاع بالماء الراكد، فلذلك نهي عن الاغتسال فيه.
التـيَمّم
يسر الإسلام:
علمنا أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، والطواف، ومس المصحف وحمله، والوضوء إنما يكون بالماء، إلا أن الإنسان قد يتعذر عليه استعمال الماء: إما لفقده، أو بعده، أو لمرض يمنع من استعماله، فمن يسر الإسلام وسماحته أنه شرع التيمم بالتراب الطاهر عوضاً عن الوضوء أو الغسل، حتى لا يحرم المسلم من بركة العبادة.
معنى التيمم:
والتيمم في اللغة: القصد، يقال: تيممت فلاناً أي قصدته.
والتيمم في الشرع: إيصال تراب طهور للوجه واليدين بنية، وعلى وجه مخصوص.
دليل مشروعيته الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). (سورة المائدة:6).
وأما السنة فقوله  صلى الله عليه وسلم  : ” وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء “[رواه مسلم: 522].
أسباب التيمم
1ـ فقد الماء حساً: كأن كان في سفر ولم يجد ماء، أو فقده شرعاً: وذلك كأن كان معه ماء ولكنه يحتاج إليه لشربه، قال تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا). والمحتاج إليه لشربه ونحوه في حكم المفقود بالنسبة للطهارة.
2- بعد الماء عنه: فإذا كان بمكان لا ماء فيه، وبينه وبين الماء مسافة فوق نصف فرسخ – أي ما يساوي أكثر من كيلوين متر ونصف الكيلـو متر(2.5كم) – فإنه يتيمم ولا يجب عليه أن يسعى إلى الماء للمشقة.
3- تعذر استعمال الماء: إما حساً، وذلك كأن الماء قريباً منه لكنه كان بقربه عدو يخاف منه.
وإما شرعاً: وذلك كأن يُخاف من استعمال الماء حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر الشفاء. ففي هذه الحالات يتيمم ولا يجب عليه استعمال الماء لقوله صلى الله عليه وسلم  في الذي شجَّ رأسه ثم اغتسل فمات:”إنّما كانَ يَكْفِيهِ أّن يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ على جُرْحه خرقة ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْها وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ” .
[انظر دليل مشروعية المسح على الجبيرة] .
4- البرد الشديد: الذي يخاف معه استعمال الماء، ولم يقدر على تسخينه، لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم عن جنابة لخوف الهلاك من البرد، وأقره النبي  صلى الله عليه وسلم  . [رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان]. لكنه يقضي الصلاة في هذه الحالة عند وجود الماء.
شرائط التيمم:
1- العلم بدخول الوقت.
2- طلب الماء بعد دخول الوقت.
3- التراب الطهور الذي لا غبار ولا دقيق ولا جِصّ فيه.
4- أن يزيل النجاسة أولاً.
5- وأن يجتهد في القبلة قبله.
أركانه:
وأركان التيمم أربعة وهي:
1- النية: ومحلها القلب كما علمت، فيقصد في قلبه فعل التيمم، ويسن أن يتلفظ بلسانه فيقول: نويت استباحة الصلاة، أو فرض الصلاة، أو نفلها، ونحو ذلك مما يقصد فعله، فإذا نوى استباحة الفرض جاز له فعل النوافل معه.
2- مسح وجهه ويديه إلى المرافقين بضربتين وذلك بأن يضرب بكفيه على التراب الطاهر الذي له غبار ويمسح بهما جميع وجهه.
ويضرب بيديه ثانية على التراب، ويمسح بهما يديه إلى المرفقين ويمسح بيده اليسرى يده اليمنى، وبيده اليمنى يده اليسرى.
روى الدارقطني(1/256) عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “التيمُّم ضَرْبَتانِ: ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين إلى المرفقين”.
ويستوعب العضو بالمسح، فإذا كان في يده خاتم وجب نزعه في الضربة الثانية، حتى يصل التراب إلى موضعه.
3- الترتيب على هذا الشـكل الذي ذكرنا: لأن التيمم بدل عن الوضوء ، والترتيب ركن في الوضوء كما علمت، فهو ركن في بدله من بابٍ أولى.
سنن التيمم:
1- يسن فيه ما يسن في الوضوء، من التسمية أوله، وأن يبدأ بأعلى الوجه، ويقدم اليد اليمنى بالمسح على اليسرى، كما علمت، وأن يمسح جزءاً من الرأس وجزءاً من العضد، وأن يوالي بين مسح الوجه واليدين، وأن يتشهد بعده ويدعو بالدعاء المأثور بعد الوضوء.
روى أبو داود (318) عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أكفهم.
[ المناكب: جمع منكب، وهو مجتمع العضد مع الكتف،
والآباط: جمع إبط، وهو ما تحت المنكب].
2- تفريق الأصابع عند الضرب على التراب، إثارة للغبار، واستيعاب الوجه بضربة واحدة، وكذلك اليدين.
3- تخفيف التراب، بنفض الكفين أو النفع فيهما، لما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال له :” إنَّما يَكْفيكَ أَنْ تصْنَعَ هَكَذَا” فضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما – وفي رواية أخرى : ونفخ فيهما – ثم مسح بهما.
التيمم بعد دخول الوقت:
من توفرت فيه أسباب التيمم ليس له أن يتيمم لصلاة الفريضة إلا بعد دخول وقتها، لقوله  صلى الله عليه وسلم :” فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصلِّ” [رواه البخاري:328] وعند أحمد (2/222):”أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت” أي تيممت وصليت. فقد دلت الروايتان على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، ولا يكون إدراك الصلاة إلا بعد دخول وقتها.
التيمم لكل فريضة:
ولا يصلي بالتيمم إلا فرضاً واحداً، ويصلي ما شاء من السنن وكذلك صلاة الجنازة، فإذا أراد أن يصلي فرضاً آخر تيمم، وإن لم يحدث بعدد تيممه الأول، وسواء كانت الصلاة أداءً أم قضاءً .
روى البيهقي (1/221) بإسناد صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ” يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث ” .
التيمم بدل الغسل فريضة:
يكون التيمم – عند توفر أسبابه – بدل الغسل لمن كان في حاجة إليه، كما يكون بدل الوضوء.
قال تعالى: ]وإن كنتم جنباً فاطهروا وأن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا[ [المائدة:6]
[ الغائط : مكان قضاء الحاجة. لامستم: لمستم].
وروى البخاري(341)، ومسلم (682)، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال:كنَّا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في سفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال:”ما منعك أن تصلي” ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال : “عليك بالصعيد فإنه يكفيك” والصعيد: ما صعد على وجه الأرض من التراب.
مبطلاته:
يبطل التيمم وينقضه أمور:
1- كل ما يبطل الوضوء من النواقض التي ذكرت في الوضوء.
2- وجود الماء بعد فقده: لأن التيمم بدل الماء، فإذا وجد الأصل بطل البدل.
روى أبو داود (332) وغيره، عن أبي ذر رضي الله عنه: أن رسول  صلى الله عليه وسلم  قال:” إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير”.
[ فليمسه بشرته: فليتطهر به، وهذا يدل على بطلان تيممه بوجود الماء].
ولوجود الماء بعد انقضاء الصلاة فقد صحُت صلاته ، وليس عليه قضاؤها.
وكذلك لو وجده بعد شروعه في الصلاة فإنه يتمها وهي صحيحة، ولو قطعها ليتوضأ ويصلي بالوضوء كان أفضل.
3- القدرة على استعمال الماء: كمن كان مريضاً فبريء.
4- الردة عن الإسلام والعياذ بالله تعالى: لأن التيمم للاستباحة وهي منتفية مع الردة، بخلاف الوضوء والغسل فإنهما رفع للحدث.
**** 
 
الصَّـــلاَة
 
معنى الصلاة:
تطلق كلمة الصلاة في اللغة العربيـة على الدعاء بخير. قال الله تعالى: ]وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم[ [التوبة:103] أي ادع الله لهم بالمغفرة.
أما في اصطلاح الفقهاء: فتطلق كلمة الصلاة على أقوال وأفعال مخصوصة، تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم. سميت صلاة لأنها تشتمل على الدعاء ولأنه الجزء الغالب فيها، إطلاقاً لاسم الجزء على الكل.
حكمتها:
للصلاة حِكمٌ وأسرار كثيرة تلخصها فيما يلي:
أولاً: أن ينتبه الإنسان إلى هويته الحقيقة، وعي أنه عبدٌ مملوك لله عز وجل، ثم أن يظل متذكراً لها، بحيث كلما أنسته مشاغل الدنيا وعلاقاته بالآخرين هذه الحقيقة جاءت الصلاة فذكرته من جديد بأنه عبد مملوك لله عز وجل.
ثانياً: أن يستقر في نفس الإنسان أنه لا يوجد معين ومنعم حقيقي إلا الله عز وجل وإن كان يرى في الدنيا وسائط وأسباباً كثيرة يبدو – في الظاهر- أنها هي التي تعين وتنعم، ولكن الحقيقة أن الله سخرها جميعاً للإنسان. فكلما غفل الإنسان واسترسل مع الوسائط الدنيوية الظاهرة، جاءت الصلاة تذكرة بأن المسبب هو الله وحده المعين والمنعم، والضار والنافع، والمحيي والمميت.
ثالثاً: أن يتخذ الإنسان منها ساعة توبة يتوب فيها عما يكون قد اقترفه من الآثام، إذ الإنسان معرَّض، في ساعات يومه وليله، لكثير من المعاصي التي قد يشعر بها وقد لا يشعر، فتكون صلاته المتكررة بين الحين والآخر تطهيراً له من تلك المعاصي والأوزار. وقد أوضح رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذلك في الحديث الذي رواه مسلم (668)، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات” قال: قال الحسن: وما يبقى ذلك من الدرن؟.
[غمر: كثير المياه. الدرن: الوسخ، والمراد هنا الدرن المعنوي وهو الذنوب، ويدل على ذلك رواية أبي هريرة t عند مسلم أيضاً(667): “فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا” ]
رابعاً: أن تكون غذاءً مستمراً لعقيدة الإيمان بالله تعالى في قلبه.
فإن ملهيات الدنيا ووساوس الشيطان من شأنها أن تنسى الإنسان هذه العقيدة وإن كانت مغروسة في قلبه، فإذا استمر في نسيانه بسبب انصرافه إلى ضجيج الأهواء والشهوات والأصدقاء تحوَّل النسيان إلى جحود وإنكار، كالشجرة التي قطع عنها الماء تذبل حيناً من الزمن ثم يتحول الذبول إلى موت وتتحول الشجرة إلى حطب يابس. ولكن المسلم إذا ما ثابر على الصلاة، كانت غذاءً لإيمانه، ولم تعد الدنيا وملهياتها قادرة على إضعاف الإيمان في قلبه أو أمانته.
تاريخ مشروعيتها:
الصلاة من العبادات القديمة في مشروعيتها، فقد قال تعالى عن سيدنا إسماعيل عليه الســـلام: ]وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً[[مريم:55]، فقد عرفتها الحنيفية التي بعث بها إبراهيم، وعرفها أتباع موسى عليه السلام، وقال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ]وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً[ [مريم:31]
وعندما بعث نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  كان يصلي ركعتين كل صباح ويصلي ركعتين كل مساء، قيل: وهما المقصودتان بقول الله تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم  : ]وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار[ [المؤمن:55]
الصلوات المكتوبة:
وهي الصلوات المفروضة على كل مسلم مكلف وهي : الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. شرعت هذه الصلوات ليلة أسريَ برسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات، فقد فرض الله على نبيه  صلى الله عليه وسلم  وسائر المسلمين خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خففها الله عز وجل إلى خمس صلوات، فهي خمسٌ في الأداء والفعل وخمسون في الأجر.
جاء في حديث الإسراء والمعراج الذي رواه البخاري(342)،ومسـلم (163)، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل .. ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء… ففرض الله على أمتي خمسين صلاة … فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي” .
والصحيح أن حادثة الإسراء كانت قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بثمانية عشر شهراً، وإذا فإن الصلوات الخمس المكتوبة نسخت الركعتين اللتين كانتا في الصباح والمساء .
دليل مشروعيتها:
ثبتت مشروعية الصلاة بآيات كثيرة من كتاب الله، وبأحاديث كثيرة من سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  .
فمن القرآن: قوله تعالى: ]فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون*وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون[[الروم:17و18]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد بقوله: ]حين تمسون[: صلاة المغرب والعشاء، ]وحين تصبحون[: صلاة الصبح، ]وعشياً[: صلاة العصر، ]وحين تظهرون[ صلاة الظهر.
وقوله تعالى: ]إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً[ [النساء:103]. أي محتمة وموقتة بأوقات مخصوصة .
ومن السنة: حديث الإسراء السابق: وما رواه البخاري(1331)، ومسلم (19)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  بعث معاذاً t إلى اليمن فقال: “ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن لله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة..”
وقوله  صلى الله عليه وسلم  للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه من الصلاة: “خمس صلوات في اليوم والليلة” قال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال “لا إلا أن تطوع”” (رواه البخاري:46، ومسلم:11).
مكانتها في الدين:
الصلاة أفضل العبادات البدنية على الإطلاق، فقد جاء رجل يسأل النبي  صلى الله عليه وسلم  عن أفضل الأعمال فقال له: “الصلاة” قال: ثم مه؟ قال: “ثم الصلاة” قال: ثم مه؟ قال: “الصلاة” قال: ثلاث مرات .(رواه ابن حبان:258) .
وقد ثبت في الصحيحين أن الصلاتين يؤديهما المسلم أداء سليماً تكونان كفارة لما بينهما من الذنوب، فعند البخاري (505)، عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا”.
وعند مسلم (231)، عن عثمان t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  “من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن”.
كما أن التهاون في الصلاة تأخيراً أو تركاً، من شأنه أن يؤدي بصاحبه ـ إن هو استمر على ذلك ـ إلى الكفر. إذا الصلاة هي الغذاء الأول للإيمان كما قد علمت.
دوى الإمام أحمد (6/421)، عن أم أيمن رضي الله عنها أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “لا تتركي الصلاة متعمداً، فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمه الله ورسوله”. وروي مثله عن معاذ t (5/238)
حكم تارك الصلاة:
تارك الصلاة إما أن يكون قد تركها كسلاً وتهاوناً، أو تركها جحوداً لها، أو استخفاً بها:
فأما من تركها جاحداً لوجوبها، أو مستهزئاً بها، فإنه يكفر بذلك ويرتد عن الإسلام، فيجب على الحاكم أن يأمره بالتوبة، فإن تاب وأقام الصلاة فذاك، وإلا قبل على أنه مرتد، ولا يجوز غسله ولا تكفينه ولا الصلاة عليه، كما لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، لأنه ليس منهم.
وأما إن تركها كسلاً، وهو يعتقد وجوبها، فإنه يكلف من قبل الحاكم بقضائها والتوبة عن معصية الترك. فإن لم ينهض إلى قضائها وجب قتله حداً، أي يعتبر قتله حداً من الحدود المشروعة لعصاة المسلمين، وعقوبة على تركه فريضة يقاتل عليها. ولكنه يعتبر مسلماً بعد قبله ويعامل في تجهيزه ودفنه وميراثه معاملة المسلمين لأنه منهم.
روى البخاري (25)، ومسلم (22)، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله”.
دليل الحديث على أن من أقر بالشهادتين بقاتل إن لم يقم الصلاة، ولكنه لا يكفر، بدليل ما رواه أبو داود(1420) وغيره، عن عبادة بن الصامت t قال: سمعت  صلى الله عليه وسلم  يقول:”خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضع منهن، شئ استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة”.
فقد دل على أن تارك الصلاة لا يكفر، لأنه لو كفر لم يدخل في قوله:”وإن شاء أدخله الجنة”، إذ الكافر لا يدخل الجنة قطعاً، فحمل على من تركها كسلاً، جمعاً بين الأدلة.
روى مسلم (82) وغيره، عن جابر t قال:سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول: “إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة”. وهو محمول على الترك جحوداً وإنكاراً لفريضتها، أو استهزاء بها واستخفافاً بشأنها.
أوقات الصلوات المفروضة:
الصلوات الخمس، كل منها لها وقت معين، ذو بداية لا تصح إذا قدمت عليها، وذو نهاية لا يجوز تخيرها عنها.
قال لله تعالى: ]إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ًموقوتاً[ [النساء:103].
أي كانت فريضة محددة بأوقات مخصوصة . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  بعد أن فرضت الصلوات الخمس، يعرفه أوقاتها، ويضبط له وقت كل منها ابتداءً وانتهاءً.
[أنظر سنن أبي داود كتاب الصلاة ، باب ما جاء في المواقيت رقم (393)، والترمذي أول كتاب الصلاة رقم (149) ].
كما بين رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذلك للمسلمين بالقول والفعل.
والحديث الذي يجمع مواقيت الصلوات الخمس ما رواه (مسلم:614) وغيره، عن أبي موسى الأِشعري t ، عن الني  صلى الله عليه وسلم  : إنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً. وفي رواية أخرى قال: “اشهد معنى الصلاة. قال: فأقام الفجر حين أنشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منه،ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق.
ثم أخّر الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى أنصرف منها والقائل يقول: قد أحمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح، فدعا السائل فقال: “الوقت بين هاذين”.
[ انشق الفجر: طلع ضوءه. زالت: مالت عن وسط السماء. الشفق: الحمرة التي تظهر بعض غروب الشمس. سقوط الشفق: غيابه”.
وهناك أحاديث بينت بعض ما أجمل فيه، أو زادت عليه، كما سترى في تفصيل وقت كل صلاة، واليك بيانها:
” الفجر”:
يدخل وقته ظهور الفجر الصادق ويمتد إلى طلوع الشمس، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :” وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس” (رواه مسلم:612).
” الظهر”:
يبدأ وقته بانحراف الشمس عن منتصف السماء نحو الغروب ـ ويسمونه الزوال ـ حيث يظهر للشاخص عندئذ ظل يسير يبدأ بالامتداد نحو جهة الشرق- ويسمونه ظل الزوال–. ويمتد وقته إلى أن يصير طوال ظل الشئ مثله، علاوة على ظل الزوال الذي كان علامة على أول وقت الظهر.
روى مسلم (612) أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “وقت الظهر إذ زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر”.
” العصر”:
يبدئ وقته بنهاية وقت الظهر ويستمر حتى تغرب الشمس، دل على ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم  : “ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر” (رواه البخاري:554، ومسلم 618).
ولكن الاختيار أن لا يؤخرها المصلي عن مصير ظل الشئ مثليه علاوة على ظل الزوال، لما مر معك في حديث المواقيت، ولقول  صلى الله عليه وسلم : “ووقت العصر ما لم تصفر الشمس” (رواه مسلم:612). وهو محمول على الوقت المختار.
“المغرب”:
يبتدئ وقته بغروب الشمس، ويمتد حتى يغيب الشفق الأحمر ولا يبقى له أثر في جهة الغرب.
والشفق الأحمر: وهو بقايا من آثار ضوء الشمس، يظهر في الأفق الشرقي عند وقت الغروب، ثم أن الظلام يطارده نحو الغروب شيئاَ فشيئاً.
فإذا أطبق الظلام وامتد إلى الأفق الغربي، وزوال أثر الشفق الأحمر، فذلك يعني انتهاء وقت المغرب ودخول وقت العشاء.
دل على ذلك حديث المواقيت، مع قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “وقت المغرب ما لم يغب الشفق” (رواه مسلم 612) .
   “العشاء”:
يدخل وقته بانتهاء وقت المغرب ويستمر إلى ظهور الفجر الصادق. والاختيار ألا تؤخر عن الثلث الأول من الليل.
والمقصود بالفجر الصادق ضياء ينتشر ممتداً مع الأفق الشرقي، وهو انعكاس لضوء الشمس تقبل من بعيد. ثم إن هذا الضياء يعلو نحو السماء شيئاً فشيئاً إلى أن يتكامل بطلوع الشمس. ودل على وقت العشاء ابتداءً وانتهاءً واختياراً: ما جاء في حديث المواقيت مع ما رواه مسلم (681) وغيره، عن أبي قتادةt إنه  صلى الله عليه وسلم  قال: “أما أنه ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى”.
فدل على أن وقت الصلاة لا يخرج إلا بدخول غيرها وخروج الصبح من هذا العموم.
هذه هي أوقات الصلاة الخمس، ولكن ينبغي أن لا يتعمد المسلم تأخيرها إلى أواخر أوقاتها، محتجاً باتساعها، إذ ربما تسبب عن ذلك إخراجها عن وقتها، بل ربما تسبب عن هذا التهاون تركها، وإنما يسن تعجيل الصلوات لأول الوقت، وقد سأل النبي  صلى الله عليه وسلم  عن أفضل الأعمال ؟ فقال: “الصلاة على وقتها”، أي عند أول وقتها.” (رواه البخاري:504، ومسلم:85)
وأعلم أن من وقع بعض صلاته في الوقت، وبعضها خارجه: فإنه إن وقع ركعة في الوقت كانت الصـلاة أداء، وإلا كانت قضاءً، ودليل ذلك ما روه (البخاري:554، ومسلم:608)، عن أبي هريرة t أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “من أدرك أن الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر”. وقوله  صلى الله عليه وسلم  : “من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة” (رواه البخاري:555، ومسلم:607).
الأوقات التي تكره فيها الصلاة :
تكره الصلاة كراهة التحريم:
1- عند الاستواء إلاّ يوم الجمعة، وبعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح في النظر.
2- وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
ودليل ذلك ما رواه مسلم (831) عن عقبة بن عامر t قال : ثلاث ساعات كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.
[ بازغة: المراد أول ظهور قرصها. وقائم الظهيرة: أصله أن البعير يكون باركاً فيقوم من شدة حر الأرض، فصار يكني به عند شدة الحر. تميل: عن وسط السماء. تضيف : تميل مصفرة وتقرب من الغروب].
وهذه الكراهة إلا لم يكن للصلاة سبب متقدم، أو تعمد الدفن فيها .
وأما إذا لم يتعمد فيها الدفن وجاء اتفاقاً، أو كان للصلاة سبب متقدم كسنة الوضوء وتحية المسجد وقضاء الفائتة، فأنه لا كراهة في ذلك .
ويدل على عدم الكراهة: ما رواه (البخاري:572،ومسلم:684)، عن أنس t عن النبي صلى الله عليه وسلم : من نسى صلاة فليصلِّ إذا ذكرها لا كفارة لها إلا إذا: ]وأقم الصلاة لذكري[ [طه:14] .
فقوله: “إذا ذكرها”: يدل على أن وقتها المشروع، والمطالب بصلاتها فيه، هو وقت الذكر، وقت يذكرها في أحد الأوقات المنهي عنها، فدل على استثناء ذلك من النهي.
وما رواه (البخاري:1176،ومسلم:834)، وعن أم سلمة رضي الله عنها: إنه  صلى الله عليه وسلم  : صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عن ذلك فقال: “يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه آتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان” .
وقيس على القضاء غيره مما له سبب متقدم من الصلوات.
ويستثنى من هذا النهي مطلقاً حرم مكة، لقوله  صلى الله عليه وسلم  : ” يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار” (رواه الترمذي:868، وأبو داود:1894).
إعادة الصلاة المكتوبة وقضاءها :
أما الإعادة:
فهي أن يؤدي صلاة من الصلوات المكتوبة، ثم يرى فيها نقصاً أو خللً في الآداب أو المكملات، فيعيدها على وجه لا يكون فيها ذلك النقص أو الخلل.
وحكمها: الاستحباب. ومثال ذلك أن يكون قد صلى الظهر منفرداً، ثم يدرك من يؤدي هذه الصلاة جماعة، فيسن أن يعيدها معه. والفرض بالنسبة له هو الصلاة الأولى، وتقع الثانية نافلة.
روى الترمذي (219) ،إنه  صلى الله عليه وسلم  صلى الصبح فرأى رجلين لم يصليا معه فقال:” ما منعكم أن تصليا معنا؟ ) فقال: ” يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: ” فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة”.
[ رحالنا: منازلنا ومساكننا].
أما إذا لم يكن في الأولى خلل أو نقص، ولم تكن الصلاة أتم من الأولى، فلا تسن الإعادة.
وأما القضاء:
فهو تدارك الصلاة بعد خروج وقتها، أو بعد أن لا يبقى من وقتها ما يسع ركعة فأكثر وإلا فهي أداء كما قدمنا سابقاً.
وقد اتفق جمهور العلماء من مختلف المذاهب على أن تارك الصلاة يكلف بقضائها، سواء تركها نسياناً أم عمداً، مع الفارق التالي: وهو أن التارك لها بعذر كنسيان أو نوم لا يأثم، ولا يجب عليه المبادرة إلى قضائها فوراً، أما التارك لها بغير عذر- أي عمداً – فيجب عليه – مع حصول الإثم – المبادرة إلى قضائها في أول فرصة تسنح له.
ودليل وجوب القضاء للصلاة المتروكة قوله  صلى الله عليه وسلم : “من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك” (رواه البخاري:572، ومسلم:684، وغيرهما).
فقوله: ” لا كفارة لها إلا ذلك” : يدل على أنه لا بد من قضاء الفرائض الفائتة، مهما كثر عددها أو بعد زمانها.
من تجب عليه الصلاة ؟
تجب الصلاة على كل مسلم ذكراً أو أنثى، بالغ عاقل طاهر.
فلا تجب على كافر، وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى:]ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين* حتى أتانا اليقين[(المدثر:42-47).
[ سلككم: أدخلكم وحبسكم. سقر: جهنم، يقال: سقرته الشمس لوحت جلده وغيرت لونه. نخوض: نتكلم الباطل ونفعله. اليقين: الموت، أو الإطلاع على الحقيقة بيوم القيامة] .
ولا تجب على صبي صغير لعدم تكليفه، ولا على مجنون لعدم إدراكه، ولا على حائض أو نفساء لعدم صحتها منهما، لقيام المانع منها وهو الحدث فيهما.
وإذا أسلم الكافر فإنه لا يكلف قضاء ما فاته ترغيباً له في الدين، ولقوله تعالى: ]قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف[ (الأنفال:38).
إلا المرتد فيلزمه قضاء ما فاته أيام ردته بعد إسلامه تغليظاً عليه.
ولا يجب قضاء ما فات الحائض والنفساء من الصلاة أيام الحيض والنفاس، أن في وجوب القضاء مشقة عليهما.
وكذلك لا يجب القضاء على المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من الجنون والإغماء، ودليل ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم  : “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل” (رواه أبو داود: 4403، وغيره). [ يحتلم: يبلغ].
فالحديث ورد في المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسبب عذر فيه، وإنما وجب القضاء على النائم بالحديث الذي مر سابقاً: “من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها”. هذا ويجب أن يؤمر الصبي بالصلاة بعد استكماله سن السابعة، ويضرب على تركها إذا بلغ عشر سنين تعويداً له على الصلاة.
قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :”مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشراً فاضربوه عليها”(رواه أبو داود :494، والترمذي:407، ولفظه : “علموا الصبي”. وقال: حديث حسن صحيح) .
*****


الأذَانُ وَالإِقـامَة
الأذان:
أما الأذان فذِكرٌ مخصوص، شرعه الإسلام للإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، ولدعوة المسلمين إلى الاجتماع إليها.
حكم الأذان:
والأذان سنة للصلاة الحاضرة والفائتة، سنة مؤكدة على الكفاية في حق الجماعة، أما بالنسبة للمنفرد فهو سنة عينية. وللأذان أهمية كبرى في إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
دليل تشريعه:
ودليل تشريع الأذان القرآن والسنّة:
فأما القرآن: فقوله تعالى: ]إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع[ ( الجمعة:99).
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم  :”إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم”. (رواه البخاري:602، ومسلم:674).
بدء تشريعه:
كان تشريع الأذان في السنة الأولى للهجرة، روى البخاري (579)، ومسلم (377)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادي لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود،فقال عمرt : أولاً تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “يا بلال قم فناد بالصلاة”.
[ فيتحينون: من الحين وهو الوقت والزمن، أي يقدرون حينها ليأتوا إليها. قرن: هو البوق الذي له عنق يشبه القرن].
وصيغة الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشـهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداَ رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ونضيف في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، بعد قوله: على الفلاح الثانية.
وقد ثبتت هذه الصيغة بالأحاديث الصحيحة، عند البخاري ومسلم وغيرهما.
شروط صحة الأذان:
ويشترط لصحة الأذان الأمور التالية: 
1- الإسلام: فلا يصح الأذان من كافر لعدم أهليته للعبادة.
2- التمييز: فلا يصح من صبي غير مميز لعدم أهليته للعبادة أيضاً، وعدم ضبطه للوقت.
3- الذكورة: فلا يصح أذان المرأة للرجال، كما لا تصح إمامتها لهم.
4- وترتيب كلمات الأذان للإتباع في ذلك، ولأن ترك الترتيب يوهم اللعب ويخل بالإعلام.
5- والولاء بين كلماته، بحيث لا يقوم فاصل كبير بين الكلمة والأخرى.
6- ورفع الصوت إذا كان يؤذن لجماعة، أما إذا كان يؤذن لمنفرد فيسن رفع الصوت في غير مسجد وقعت فيه جماعة، أما إذا أذن لمنفرد في مسجد وقعت فيه جماعة فيسن خفض الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول الصلاة الأخرى .
روى البخاري(584) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال لأبي سعيد الخدري t: “إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة ، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة”.
أما جماعة النساء:
فلا يندب لهن الأذان: لأن في رفع صوتهن يخشى الفتنة، ويندب لهن الإقامة، لأنها لاستنهاض الحاضرين وليس فيها رفع صوت كالأذان.
7- دخول الوقت ، لقوله  صلى الله عليه وسلم  : ” إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم ” ( رواه البخاري:603، ومسلم:674). ولا تحضر الصلاة إلا بدخول وقتها. ولأن الأذان للإعلام بدخول الوقت، فلا يصـح قبله بالإجماع، إلا في الصٌّبح، فإنه يجوز من نصف الليل لما سيأتي في سنن الأذان.
سنن الأذان:
ويسنّ للأذان الأمور التالية:
1- أن يتوجه المؤذن إلى القبلة، لأنها أشرف الجهات وهو المنقول سلفاً وخلفاً.
2- وأن يكون طاهراً من الحدث الأصغر والأكبر، فيكره الأذان للمحدث، وأذان الجنب أشد كراهة.
قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر” أو قال: “على طهارة” (رواه أبو داود:17، وغيره).
3- وأن يؤذن قائماً، لقوله  صلى الله عليه وسلم  : ” يا بلال قم فناد للصلاة”.
4- أن يلتفت بعنقه – لا بصدره – يميناً في “حيَّ على الصَّلاة” ، ويساراً في “حيَّ على الفَلاح”.
روى البخاري (608) أن أبا جحيفة t قال: رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتتبع فاه هنا وهنا بالأذان يميناً وشمالاً: حتى على الصلاة حتى على الفلاح.
5- أن يرتَّل كلمات الأذان، وهو التأني فيه، لأن الأذان إعلامٌ للغائبين، فكان الترتيل فيه أبلغ في الإعلام.
6- الترجيع بالأذان، وهو أن يأتي المؤذن بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، لثبوت ذلك في حديث أبي محذورة t الذي رواه مسلم (379) وفيه: “ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله”.
7- التثويب في أذان الصبح، وهو أن يقول بعد حيَّ على الفلاح: الصلاة خيرٌ من النوم مرتين، لورود ذلك في حديث أبي داود (500).
8- أن يكون المؤذن صيَتاً حين الصوت، ليرقّ قلب السامع، ويميل إلى الإجابة، لقوله  صلى الله عليه وسلم  لعبد الله بن زيد t، الذي رأى الأذان في النوم: ” فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك” (رواه أبو داود:499، وغيره).
[ قال في المصباح: أندى صوتاً منه كناية عن قوته وحسنه].
9- أن يكون المؤذن معروفاً بين الناس بالخلق والعدالة، لأن ذلك أدعى لقبول خبره عن الأوقات، ولأن خبر الفاسق لا يقبل.
10- عدم التمطيط بالأذان، أي تمديده والتغني به، بل يكره ذلك.
11- ويسن مؤذنان في المسجد لأذان الفجر، يؤذن واحد قبل الفجر، والآخر بعده ودليل ذلك حديث البخاري (592) ومسلم (1092): ” إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم”.
12- ويسن لسامع الأذان الإنصات، وأن يقول كما يقول المؤذن، ودليل ذلك في قوله  صلى الله عليه وسلم : “إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن” (رواه البخاري:586، ومسلم:383) .
لكن يقول في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله. ودليل ذلك حديث البخاري (588) ومسلم (385) واللفظ له: “وإذا قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله” وجاء في آخر الحديث أن: “من قال ذلك من قلبه دخل الجنة” . ويسن أن يقول في التثويب: صدقت وبررت أي صدقت بالدعوة إلى الطاعة ، وأنها خير من النوم، وصرت باراً.
13- الدعاء والصلاة على ا لنبي  صلى الله عليه وسلم  بعد الأذان:
ويسن للمؤذن وللسامع، إذا انتهى المؤذن من أذانه أن يصليا على النبي  صلى الله عليه وسلم ، ويدعوا له لما ورد عنه  صلى الله عليه وسلم  وحضنا عليه:
روى مسلم (384) وغيره، عن عبدالله بن عمرو t: أنه سمع النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول: “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله بها عليه عشراً. ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة”.
أي استحقها ووجبت له.
وروى البخاري (579) وغيره عن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: “من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ سيِّدنا محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة”.
[ الدعوة التامة ” دعوة التوحيد التي لا ينالها تغيير ولا تبديل].
الفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق. مقاماً محموداً: يحمد القائم فيه. الذي وعدته: يقول سبحانه: ]عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً[(الإسراء:22)
ويقول المؤذن الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  والدعاء بصوت أخفض من الأذان ومنفصل عنه، حتى لا يتوهم أنها من ألفاظ الأذان.
الإقامة:
وأما الإقامة : فهي نفس الأذان مع ملاحظة الفوارق التالية:
1- الأذان مثنى، والإقامة فرادى. ودليل ذلك حديث أنسt عند البخاري (580)،ومسلم (378): أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة – أي لفظ قد قامت الصلاة – فإنها تكرر مرتين.
وصيغة الإقامة كاملة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم وغيرهما.
2- الترسل والتمهُّل في الأذان، والإسراع في الإقامة، لأن الأذان للغائبين، فكان الترتيل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين، فكان الإسراع فيها أنسب.
3- من كان عليه فوائت وأراد أن يقضيها أذَّن للأولى فقط، وأقام لكل صلاة، ودليل ذلك أن الني  صلى الله عليه وسلم  :”جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين” (رواه مسلم:1218).
شروطها:
هي نفس شروط الأذان.
سنن الإقامة:
وسنن الإقامة هي أيضاً سنن الأذان، ويزاد استحباب أن يكون المؤذَّن هو المقيم.
ويسنُّ للسامع أن يقول: أقامها الله وأدامها (رواه أبو داود:528). 
النداء للصلوات غير المفروضة:
الأذان والإقامة سنة مؤكدة للصلوات المفروضة، أما غيرها مما تسنُّ فيه الجماعة كالعيدين والكسوفين والجنازة، فلا يسن فيها الأذان والإقامة، وإنما يقول فيها: الصلاة جامعة.
روى البخاري (1003)، ومسلم (910)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نودي: “الصلاة جامعة”.
وقيس على صلاة الكسوف ما في معناها من الصلوات المسنونة التي تشرع فيها الجماعة.
*****


شرُوط صِحَّةِ الصَّـــلاَة
معنى الشرط:
شرط الشيء كل ما يتوقف عليه وجود ذلك الشيء، وهو ليس جزءاً منه.
مثاله: النبات: لا بد لوجوده على وجه الأرض من المطر، مع العلم بأن المطر ليس جزءاً من النبات، فالمطر إذاً شرط لوجود النبات.
والآن، ما هي شروط صحة الصلاة ؟ تتلخص شروطها عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الأمور الأربعة التالية:
1- الطهارة:
وقد عرفت معنى الطهارة في باب الطهارة وهي تنقسم إلى أنواع، لابدَّ من توفر كل واحد منها لصحة الصلاة، وهي:
(أ) طهارة الجسم من الحدث: فالمُحدث لا تصح صلاته، سواءً كان الحدث أصغر – وهو فقد الوضوء- أو أكبر كالجنابة، لقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح: “لا تقبل صلاة بغير طهور” (رواه مسلم:224).
(ب) طهارة البدن من النجاسة: وقد عرفت معنى النجاسة وأنواعها في باب الطهارة أيضاً. ودليل ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم  في اللذين يعذبان في قبرهما: “أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول” (رواه البخاري:215، ومسلم:292). وفي رواية لا يستتر، وأخرى: لا يستنزه، وكلها صحيحة ومعناها: لا يتجنبه ويتحرز منه.
ومثل البول كل النجاسات المختلفة الأخرى، قال  صلى الله عليه وسلم  لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها: “فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي” (رواه البخاري:266، ومسلم:333).
(ج) طهارة الثياب من النجاسة : فلا يكفي أن يكون الجسم نقياً عن النجاسة، بل لا بد أن تكون الثياب التي يرتديها المصلي نقية أيضاً عن جميع النجاسات، دليل ذلك قول الله جل جلاله: ]وثيابك فطهر[ [المدثر:4]
وروى أبو داود(365)، عن أبي هريرة t : أن خولة بنت يسار أتت النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: “إذا طهرت فاغسليه ثم صلى عليه” فقالت  فإن لم يخرج الدم؟ قال: ” يكفيك غسل الدم، ولا يضرك أثره”.
(د) طهارة المكان عن النجاسة: ويقصد بالمكان الحيِّز الذي يشغله المصلي بصلاته فيدخل في المكان ما بين موطئ قدمه إلى مكان سجوده، مما يلامس شيئاً من بدنه أثناء الصلاة، فما لا يلامس البدن لا يضر أن يكون نجساً، مثل المكان الذي يحاذي صدره عند الركوع والسجود، ودليل هذا الشرط أمره صلى الله عليه وسلم  بصب الماء على المكان الذي بال فيه الأعرابي في المسجد (رواه البخاري:217)، وقياساً للمكان على الثوب، لأن المكان كالثوب في ملامسة البدن.
2- العلم بدخول الوقت:
وقد عرفت أن لك من الصلوات المكتوبة وقتاً معيناً، يجب أن تقع فيه  غير أنه لا يكفي أن تقع الصلاة في الوقت، بل لا بد أن يعلم المصلي ذلك قبل المباشرة بالصلاة، فلا تصح صلاة من لم يعلم دخول وقتها، وإن تبيَّن له بعد ذلك أنها صادفت وقتها المشروع.
* كيفية معرفة دخول الوقت:
ويعرف دخول وقت الصلاة بوسيلة من الوسائل الثلاثة الآتية:
العلم اليقيني: بأن يعتمد على دليل محسوس، كرؤية الشمس وهي تغرب في البحر.
الاجتهاد: بأن يعتمد على أدلة ظنية ذات دلالة غير مباشرة، كالظل، والقياس بالأعمال وطولها.
التقليد: إذا لم يمكن العلم اليقيني أو ا لاجتهاد، كجاهل بأوقات الصلاة ودلائلها، فيقلد إما العالم المعتمد على دليل محسوس، أو المجتهد المعتمد على الأدلة الظنية .
* حكم صلاة من صلى خارج الوقت:
إذا تبين للمصلي أن صلاته قد وقعت قبل دخول الوقت تعتبر باطلة وتجب إعادتها، سواء كان معتمداً على علم أو اجتهاد أو تقليد.
3- ستر العورة:
هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة، ولا بد لمعرفة هذا الشرط من بيان الأمور التالية:
( أ ) معنى العورة:
يقصد بكلمة العورة شرعاً: كل ما يجب ستره أو يحرم النظر إليه.
( ب ) حدود العورة في الصلاة:
حدودها بالنسبة للرجل: ما بين السرة والركبة، فيجب أن لا يبدوا شئ منه في الصلاة.
وحدودها بالنسبة للمرأة: كل البدن ما عدا الوجه والكفَّين، فيجب أن لا يبدو شئ مما عدا ذلك في الصلاة.
قال الله تعالى: ]خذوا زينتكم عند كل مسجد[ [الأعراف:31].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد به الثياب في الصلاة (مغني المحتاج:1 /184].
وروى الترمذي (277) وحسَّنه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :”لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمارٍ”.
(والحائض: البالغ، لأنها بلغت سن الحيض. والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، وإذا وجب ستر الرأس فستر سائر البدن أولى].
( ج ) حدود العورة خارج الصلاة.
*حدود عورة الرجل ما بين السرَّة والركبة بالنسبة للرجال أيَّاً كانوا، وبالنسبة لمحارمه من النساء.
أما عند النساء الأجنبيات فما عدا الوجه والكفين على المعتمد (1).
أي لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إلى ماعدا وجه الرجل الأجنبي وكفيه ، فإن كان النظر بشهوة حرم بالنسبة للوجه أيضاً.
قال الله تعالى: ]وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن[ [النور:31].
*وحدود عورة المرأة: عند النساء المسلمات ما بين سرتها وركبتها. أما عند النساء الكافرات، فما عدا الذي يظهر منها لضرورة القيام إلى عمل ما كخدمة البيت ونحوه.
وأما عند الرجال المحارم لها: فما بين السرة والركبة، أي فيجوز لها أن تبدي سائر أطراف جسمها أمامهم بشرط أمن الفتنة وإلا فلا يجوز ذلك أيضاً.
قال تعالى: ]ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو بني أخواتهن أو نسائهن[ [النور:31].
وفسرت الزينة بمواضعها فوق السرة أو تحت الركبة.
( بعولتهن: أزواجهن. نسائهن: النساء المسلمات).
وأما عند الرجال الأجانب فجميعها عورة، فلا يجوز لها أن تكشف شيئاً من بدنها أمامهم إلا لعذر، كما لا يجوز لهم أن ينظروا إليها أن كشفت شيئاً من ذلك.
قال تعالى: ]قل للمؤمنات يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم[ [النور:30]
وروى البخاري (365)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات، ملتفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيتهن، ما يعرفهن أحد”.
(ملتفعات في مروطهن: متلففات بأكسيتهن، واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله ).
أما حالات جواز كشف العورة والنظر إليها لعذر:
1- عند الخطبة لأجل النكاح، فيجوز النظر إلى الوجه والكفين، وسيأتي في باب النكاح.
2- النظر للشهادة أو المعاملة، فيجوز النظر إلى الوجه خاصة، إذا كانت هناك حاجة لمعرفة تلك المرأة، ولم تعرف دون النظر إليها.
3ـ من أجل التطيب والمداواة، فيجوز كشف العورة والنظر إليها بقدر الحاجة.
روى مسلم (2206)، عن جابر بن عبد الله t : “أن أم سلمة رضي الله عنها استأذنت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الحجامة، فأمر النبي  صلى الله عليه وسلم  أبا طيبة أن يحجمها”.
ويشترط أن يكون ذلك بوجود محرم أو زوج، وأن لا توجد امرأة تعالجها، وإذا وجد المسلم أو المسلمة لا يعدل إلى غيرهما.
4ـ استقبال القبلة:
وهذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الصلاة.
دليل وجوب استقبالها:
دليل هذا الشرط صريح قول الله تعالى: ]فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره[ [البقرة: 150].
وروى البخاري (5897)، ومسلم (397) أنه  صلى الله عليه وسلم  قال للذي علمه كيف يصلي: “إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر”.
والمراد بالمسجد الحرام بالآية، وبالقبلة في الحديث: الكعبة.
تاريخ مشروعية استقبال القبلة:
روى البخاري (390)، ومسلم (525) عن البراء بن عازب t قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ]قد نرى تقلب وجهك في السماء[. فتوجه نحو الكعبة.
وإذا فإن تاريخ مشروعية استقبال الكعبة يبدأ في أوائل هجرة النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة.
كيفية الاستدلال على القبلة:
إما أن يكون المصلي قريباً من الكعبة بحيث يمكنه رؤيتها إذا شــاء، أو أن يكون بعيداً عنها بحيث لا يمكن رؤيتها:
أما القريب منها: فيجب أن يستقبل عين الكعبة يقيناً.
وأما البعيد عنها: فيجب عليه أن يستقبل عين الكعبة معتمداً على الأدلة الظنية، إن لم يمكنه الدليل القطعي.
كيفية الصلاة
عدد ركعاتها:
عندما فرض الله على المسلمين الصلوات المكتوبة، جاء جبريل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  ـ كما مر معك ـ يضبط للنبي  صلى الله عليه وسلم  وقت كل منها ابتداء وانتهاء، ويوضح له عدد ركعات كل منها، وهي كما يلي:
صلاة الفجر:
ركعتان، بقيامين وتشهد أخير.
صلاة الظهر:
أربع ركعات بتشهدين، أولهما على رأس ركعتين والثاني في آخر الصلاة.
صلاة العصر:
أربع ركعات كصلاة الظهر.
صلاة المغرب:
ثلاث ركعات بتشهدين، أولهما على رأس ركعتين والثاني في آخر الصلاة.
صلاة العشاء:
أربع ركعات مثل الظهر والعصر.
*****
أركَان الصَّـــلاَة
معني الركن:
ركن الشيء ما كان جزءاً أساسياً منه، كالجدار من الغرفة، فأجزاء الصلاة إذا أركانها كالركوع والسجود ونحوهما. ولا يتكامل وجود الصلاة ولا تتوفر صحتها إلا بأن يتكامل فيها جميع أجزائها بالشكل والترتيب الواردين عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، عن جبريل عليه السلام. ويتلخص عدد أركان الصلاة في ثلاثة عشر ركناً. نشرح كل واحد منها على حدة:
1ـ النية:
وهي قصد الشيء مقترناً بأول أجزاء فعله، ومحلها القلب. ودليلها قول النبي  صلى الله عليه وسلم : “إنما الأعمال بالنيات” (رواه البخاري:1، ومسلم:1907).
ولا بد لصحتها أن تقترن بتكبيرة الإحرام، بحيث يكون قلبه متنبهاً أثناء التلفظ بالتكبير إلى قصد الصلاة، متذكراً نوعها وفرضيتها، ولا يشترط تحريك اللسان بها.
2ـ القيام مع القدرة في الصلاة المفروضة:
دليل هذا الركن ما رواه البخاري(1066) عن عمران بن حصين t قال: كانت بي بواسير، فسألت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عن الصلاة؟ فقال: “صل قائماً، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب”.
[بواسير: مرض في مخرج الدبر].
وإنما يعتبر الرجل قائماً إذا كان منتصب القامة، فإذا انحنى دون عذر بحيث أمكن أن تلامس راحة يده ركبته، بطلت صلاته، لأن ركن القيام فقد في جزء من صلاته. وإذا قدر المصلي على الوقوف في بعض صلاته وعجز في بعضها الآخر، وقف حيث يمكنه ذلك، وجلس في سائرها.
وخرج بقيد الصلاة المفروضة، الصلوات النافلة، فإن القيام بها مندوب مطلقاً، فله أن يجلس فيها سواء كان قادراً أم لا. روى البخاري (1065) أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد “والمارد بالنائم: المضطجع.
3ـ تكبيرة الإحرام:
دليل ذلك ما رواه الترمذي(3) وأبو داود(61) وغيرهــم أنه  صلى الله عليه وسلم  قال: “مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم”.
كيفيتها:
لا بد من لفظة “الله أكبر”، ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم: كـ الله الأكبر، أو الله الجليل أكبر. فلو زاد كلمة ليست من صفات الله تعالى: كقوله: الله هو الأكبر أو غير الصيغة كأن قال: أكبر الله لم يصح التكبير. دليل ذلك ضرورة الاتباع لفعل النبي  صلى الله عليه وسلم ، وقد كان  صلى الله عليه وسلم  ملازماً في تكبيرة الإحرام لهذه الصيغة.
شروطها:
يشترط الصحة تكبيرة الإحرام مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يتلفظ بها وهو قائم، فلو نطق بها أثناء القيام إلى الصلاة لم تصح.
(ب) أن ينطق بها حال استقبال القبلة.
(ج) أن تكون باللغة العربية، لكن من عجز عنها بالعربية، ولم يمكنه التعلم في الوقت ترجم وأتى بمدلول التكبير بأي لغة شاء، ووجب عليه التعلم إن قدر على ذلك.
(د) أن يسمع نفسه جمع حروفها إن كان صحيح السمع.
(ه) مصاحبتها للنية كما مر ذكره.
4ـ قراءة الفاتحة:
وهي ركن في كل ركعة من الصلاة، أيا كان نوعها.
دليل ذلك:
ما رواه البخاري(723)، ومسلم(394): أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب”.
والبسملة آية منها، فلا تصح الفاتحة التي لم يبدأها المصلي ببسم الله الرحمن الرحيم ، لما روى ابن خزيمة بإسناد صحيح، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  عد بسم الله الرحمن الرحيم آية.
شروط صحتها:
ولا بد في قراءة الفاتحة من مراعاة الشروط التالية:
(أ) أن يسمع القارئ نفسه، إذا كان معتدل السمع.
(ب) أن يرتب القراءة حسب ترتيبها الوارد، مراعياً مخارج الحروف، وإبراز الشدّات فيها.
(ج) أن لا يلحن فيها لحناً يغير المعنى، فإن لحن لحنا لا يؤثر على سلامة المعنى لم تبطل.
(د) أن يقرأها بالعربية، فلا تصح ترجمتها، لأن ترجمتها ليست قرآنا.
(ه) أن يقرأها المصلي وهو قائم، فلو ركع وهو لا يزال يتممها، بطلت القراءة ووجبت الإعادة. هذا وإن عجز المصلي لعجمة ونحوها عن قراءة الفاتحة، قرأ بدلها سبع آيات مما يحفظ من القرآن، فإن لم يحفظ منه شيئاً ذكر الله تعالى بمقدار طول الفاتحة ثم ركع.
5ـ الركوع:
وهو شرعاً: أن ينحني المصلي قدر ما يمكنه من بلوغ راحتيه لركبتيه، هذا أقله، وأما أكمله: فهو أن ينحني بحيث يستوي ظهره أفقيا.
دليله:
قال الله تعالى:]يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا[ [الحج:77].
وقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لمن علمه الصلاة: “ثم اركع حتى تطمئن راكعاً” (رواه البخاري: 724، ومسلم: 397].
وفعله  صلى الله عليه وسلم  الثابت بأحاديث صحيحة أكثر من أن تحصى.
شروطه:
لا بد لصحة الركوع من التزام المصلي لما يلي:
(أ) الانحناء بالقدر المذكور، وهو بلوغ كفه إلى ركبته.
روى البخاري(794) عن أبي حميد الساعدي t، في صفة صلاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “وإذا ركع يديه من ركبته”.
(ب) أن لا يقصد بانحنائه شيئاً آخر غير الركوع، فلو انحنى خوفاً من شيء، ثم استمر منحنياً قاصداً أن يجعله ركوعاً لم يصح ركوعه، بل يجب أن يعود قائما ثم ينحني بقصد الركوع.
(ج) الطمأنينة، أي أن يستقر في انحنائه قدر تسبيحة، وهذا أقلها، ودليل ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم  فيما سبق: “حتى تطمئن راكعاً”. روى أحمد والطبراني وغيرهما بسند صحيح أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته” قالوا يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: “لا يتم ركوعها ولا سجودها”.
وروى البخاري(758) عن حذيفة t: رأى رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً  صلى الله عليه وسلم  عليها. أي ما صليت الصلاة المطلوبة، ولو أدركك الموت على هذه الحالة كنت على غير الطريقة التي جاء بها يسوي ظهره مع عنقه بشكل أفقي مستقيم غير مقوس، وأن ينصب ساقيه، وأن يمسك ركبته بيديه مفرقاً بين أصابعهما، ويستقر قائلاً: “سبحان ربي العظيم” ثلاث مرات.
وروى مسلم(772) وغيره، عن حذيفة t قال: صليت مع النبي  صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة… وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: “سبحان ربي العظيم”، ثم سجد فقال: “سبحان ربي الأعلى”.
وروى الترمذي (261)، وأبو داود(886) وغيرهما، عن عبدالله بن مسعود t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، تم ركوعه وذلك أدناه”. أي أقل الكمال والتمام.
جاء في حديث أبي حميد السابق: ” ثم هصر ظهره “. أي أماله وثناه إلى الأرض.
6ـ الاعتدال بعد الركوع:
وهو وقوف يفصل الركوع عن السجود:
دليله:
ما رواه مسلم(498) عن عائشة رضي الله عنها، أنها وصفت صلاة النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالت: فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً.
وقال  صلى الله عليه وسلم  لرجل أساء صلاته، فكان يعلمه كيفيتها: “ثم ارفع حتى تعتدل قائماً (رواه البخاري: 724، ومسلم: 397).
شروطه:
(أ) أن يقصد بالاعتدال من الركوع شيئاً آخر عير العبادة.
(ب) أن يطمئن في اعتداله قدر تسبيحة.
(ج) أن لا يطيل الوقوف فيه تطويلاً فاحشاً، بأن يزيد على مدة قراءة الفاتحة، لأنه ركن قصير، لا يجوز تطويله.
7ـ السجود مرتين كل ركعة:
وتعريفه شرعاً: مباشرة جبهة المصلي موضع سجوده.
دليله:
قول الله عز وجل: ]اركعوا واسجدوا[ [الحج:77].وقوله  صلى الله عليه وسلم  للرجل الذي أساء صلاته فأخذ بعلمه كيفيتها: : “….ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً…”.
(انظر دليل الركوع والاعتدال).
شروطه:
يشترط لصحة السجود مراعاة الأمور التالية:
(أ) كشف الجبهة عند ملامستها الأرض.
(ب) أن يكون السجود على سبعة أعضاء، وهي التي عدها النبي  صلى الله عليه وسلم  بقوله: “أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ واليدين والركبتين وأطراف القدمين”
 (رواه البخاري:779، ومسلم:490). ولكن لا يجب أن يكشف من هذه الأعضاء إلا الجبهة.
(ج) أن ترتفع أسافله على أعاليه، ما أمكن ذلك، اتباعاً لفعله  صلى الله عليه وسلم .
(د) أن لا يسجد على ثوب متصل به بحيث يتحرك بحركته.
(ه) أن لا يقصد بالسجود شيئاً آخر غيره كخوف ونحوه.
(ز) أن يطمئن في السجود على هذه الحال بمقدار تسبيحة على الأقل.
وأكمل السجود أن يكبر لهويِّه، ويضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويضع يديه حذو منكبيه وينشر أصابعه مضمومة للقبلة، ويفرق بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن الأرض وعن جنبيه، ويقول “سبحان ربي الأعلى”، ثلاثاً.
روى البخاري(770)، ومسلم(292)، من حديث أبي هريرة t في صفحة صلاته  صلى الله عليه وسلم  : “ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجداً”.
وعند مسلم(494) عن البراء t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك”.
روى البخاري(383)، ومسلم(495)، عن عبد الله بن مالك بن بُحَينة t، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان إذا صلى  صلى الله عليه وسلم  فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه. وعند أبي داود(734)، والترمذي(270)، عن أبي حميد t، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه.
روى أبو داود(735)، عن أبي حميد t، في صفة صلاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: إذا سجد فرج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه. وعند أبي داود(886)،والترمذي (261)، وغيرهما: “وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه” أي أقل الكمال في السجود.
وتخالف المرأة الرجل في بعض ما سبق، فتضم بعضها إلى بعض أثناء السجود.
وروى البيهقي(2/ 223): أنه  صلى الله عليه وسلم  مرَّ على امرأتين تصليان فقال: “إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل”.
8 ـ الجلوس بين السجدتين:
ويحب أن يكون ذلك في كل ركعة.
دليل ذلك:
قوله  صلى الله عليه وسلم  في الحديث السابق ذكره: “…..ثم ارفع حتى تطمئن جالساً”
(انظر دليل السجود).
شروطه:
يشترط لصحته مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يقصد بجلوسه العبادة، ولا يحمله عليه شيء آخر كخوف ونحوه.
(ب) أن لا يطوله تطوله يطوله تطويلاً فاحشاً بحيث يزيد عن مدة أقل التشهد.
(ج) الطمأنينة بمقدار تسبيحة على الأقل.
9ـ الجلوس الأخير:
ويقصد به الجلوس الذي يكون في آخر ركعة من ركعات الصلاة بحيث يعقبه السلام.
10ـ التشهد في الجلوس الأخير:
لما رواه البخاري(5806)، ومسلم(402) وغيرهما، عن ابن مسعود t قال: كنا إذا صلينا مع النبي  صلى الله عليه وسلم  قلنا ـ وعند البيهقي(2/138)، والدارقطني (1/350) كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ـ: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي  صلى الله عليه وسلم  أقبل علينا بوجهه فقال: “إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات..”
(هو السلام: أي هو اسم من أسماء الله تعالى، قيل: معناه سلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء. “النهاية”).
وأقله: ” التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”.
وورد في صيغته روايات عدة كلها صحيحة، وصيغته الكاملة المفضلة لدى الشافعي رحمه الله تعالى ما رواه مسلم(403) وغيره عن ابن عباس t أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
ينبغي في قراءة التشهد مراعاة ما يلي:
 (أ) أن يسمع نفسه إذا كان سمعه معتدلاً.
(ب) موالاة القراءة، فلو فصلها بفاصل سكوت طويل أو ذكر آخر، بطلت ووجب أن يعيد.
(ج) أن يقرأ التشهد وهو قاعد، إلا أن يكون معذوراً فيجوز قراءته على الكيفية الممكنة.
(د) أن يكون باللغة العربية، فإن عجز بالعربية ترجم وأتى به بأي لغة شاء ووجب عليه التعلم.
(هـ) مراعاة المخارج والشدَّات، فلو غيّر مخرج حرف، أو تساهل في تشديدة، أو لحن في كلمة واستلزم ذلك تغير المعنى، بطل التشهد ووجبت الإعادة.
(و) ترتيب كلماته حسب النص الوارد.
11ـ الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  بعد التشهد الأخير:
أي بعد إتمام صيغة التشهد السابق ذكرها، وقبل السلام.
دليلها:
قوله تعالى: ]إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً[ [الأحزاب: 56].
وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعين وجوبها فيها، وقد أخرج ابن حبان(515)، والحاكم(1/268) وصححه، عن ابن مسعود t، في السؤال عن كيفية الصلاة عليه  صلى الله عليه وسلم : كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: قولوا…
وهذا يعين أن محل الصلاة عليه  صلى الله عليه وسلم  الصلاة.
والمناسب لها آخر الصلاة فوجبت في الجلوس الأخير بعد التشهد.
وما رواه الترمذي(3475)، وأبو داود(1481)، وغيرهما بسند صحيح ،أنه  صلى الله عليه وسلم  قال: “إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي  صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بعد بما شاء”.
وأقل صيغ الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  : اللهم صل على محمد.
والصيغة الكاملة فيها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى أل إبراهيم ، في العالمين إنك حميد مجيد.
وقد ثبت هذا بأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وغيرهم، وفي بعض طرقها زيادة على ذلك أو نقص.
[انظر البخاري(1390)، ومسلم(406)].
شروطها:
يشترط فيها مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يسمع بها نفسه إذا كان معتدل السمع.
(ب) أن تكون بلفظ “محمد” أو بلفظ: رسول أو النبي. فلو قال على أحمد مثلاً لم تجزيء.
(ج) أن تكون بالعربية. فإن عجز عنها بالعربية ترجم وأتى بمعناها بأي لغة شاء، ووجب عليه أن يبادر إلى التعلم إن أمكنه ذلك.
(د) الترتيب في صيغة الصلاة، والترتيب بينها وبين التشهد، فلا يصح تقديم الصلاة على التشهد.
12ـ التسليمة الأولى:
وهي أن يقول المصلي ملتفتاً إلى يمينه: السلام عليكم ورحمة الله.
دليلها:
قوله  صلى الله عليه وسلم  في الحديث السابق ذكره في تكبيرة الإحرام: “تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم”.
وأقل صيغه: السلام عليكم. مرة واحدة. وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله مرتين، الأولى عن يمينه عن يمينه والأخرى عن شماله.
روى مسلم(582)، عن سعد t قال: كنت أرى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يسلم عن يمينه والأخرى عن شماله.
روى مسلم(582)، عن سعد t قال: كنت أرى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده.
وروى أبو داود(996) وغيره، عن ابن مسعود t : أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى يرى بياض خده: “السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله” قال الترمذي(295): حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
13ـ ترتيب هذه الأركان حسب ورودها:
وذلك بأن يبدأ بالنية وتكبيرة الإحرام، ثم بالفاتحة، ثم الركوع، فالاعتدال، فالسجود…. وهكذا.
فإن قدم بعض هذه الأركان على محله المشروع فيه، بطلت صلاته إن تعتمد ذلك. أما إن فعل ذلك غير متعمد: بطلت صلاته بدءاً من أول الركن الذي فعله في غير موضعه، فيجب عليه أن يعيد ذلك كله.
وعلى هذا، فإن استمر في صلاته بعد أن غير الترتيب المطلوب، إلى أن وصل إلى مثل ذلك الموضع من الركعة السابقة، نزل الصحيح من الركعة التالية منزلة الفاسد من الركعة التي قبلها، فوجب عليه حينئذ أن يزيد على صلاته ركعة، بدلاً من الركعة التي فسدت بفساد الترتيب بين أركانها.
*****


سـُنَن الصَّــلاَة
السَّـنة:
هي ما يطلب من الإنسان فعله على غير سبيل الحتم، بحيث يثاب المسلم على فعله ولا يعاقب على تركه.
وللصلاة أركان وشروط لا بد من فعلها على سبيل الإلزام أو الحتم، كي تصح الصلاة، وقد ذكرناها فيما سبق.
وللصلاة أيضاً سنن يطلب من المصلي فعلها، ولكن لا على سبيل الحتم، بحيث يزداد ثواب الصلاة بفعلها ولا عقاب على تركها. وهذه السنن تؤدى في أثنائها، وسنن تؤدى عقبها.
(أ) السنن التي تؤدي قبل الصلاة:
وهي لا تزيد على الأمور الثلاثة التالية:
الأول ـ الأذان: قد مر تعريفه وبيان دليله وشروطه وما يتعلق بذلك.
الثاني ـ الإقامة: وقد مر أيضاً تعريفها وبيان شروطها والفرق بينها وبين الآذان.
الثالث ـ اتخاذ سترة أمامه: تحول بينه وبين المارين، كجدار، وعموم، وعصا، أو كان يبسط أمامه مصلى كسجادة ونحوها. فإذ لم يجد خط خطاً.
روى البخاري (472)، ومسلم (501)، عن ابن عمر t : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، كان يفعل ذلك في السفر.
[الحربة: رمح قصير عريض النصل. بين يديه: قدامه].
والأفضل أن تكون السترة قريبة من موضع سجوده، فقد روى البخاري (474)، ومسلم (508)، عن سهل بن سعد t كان بين مصلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وبين الجذار ممر الشاة .
[مصلى: موضع السجود. ممر الشاة: سعة ما تمر منه الشاة ].
(ب) السنن التي تؤدى أثناء الصلاة:
وهي أيضاً تنقسم إلى قسمين: أبعاض، وهيئات.
(فالأبعاض) كل ما يجبر تركه بسجود السهو في آخر الصلاة .(والهيئات) كل ما يجبر تركه بسجود السهو. وسنشرح سجود السهو وما يتعلق به من أبحاث آخر الكلام عن أعمال الصلاة.
ونبدأ بتعداد أبعاض الصلاة أولاً، ثم هيئاتها ثانياُ.
* الأبعاض:
1ـ التشهد الأول:
ويقصد به التشهد في الجلوس الذي لا يعقبه سلام، وهو الجلوس الذي يكون على رأس ركعتين في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيسن التشهد فيه.
جاء في حديث المسيء صلاته عند أبي داود (1173) ومسلم (570) أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين. ( أي تعويضاً عن التشهد الأول الذي تركه بترك الجلوس له، فلو كان ركناً لاضطر إلى الإتيان به، ولم ينجبر تركه بسجود السهو).
2ـ الصلاة على النبي عقب التشهد الأول.
هي أيضا سنة يجبر تركها بالسجود.
3ـ الجلوس للتشهد الأول:
أي فهي إذا ثلاث سنن مستقلة: سنة الجلوس، وسنة التشهد فيه، ثم سنة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
4ـ الصلاة على آل النبي  صلى الله عليه وسلم  بعد التشهد الأخير الذي هو ركن:
أي يسن عند أداء ركن التشهد في الجلسة الأخيرة، وركن الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  ، الصلاة على آل النبي  صلى الله عليه وسلم  ، لما مر معك من الصيغة الكاملة للصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  .
5ـ القنوت عند الاعتدال من الركعة الثانية في صلاة الفجر، وفي آخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان، وفي اعتدال الركعة الأخيرة من أي صلاة بالنسبة لقنوت النازلة: روى أحمد وغيره، عن أنس t قال: “ما زال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا”.
وروى البخاري (956)، ومسلم (677)، عن أنس t، قد سئل: أقنت النبي  صلى الله عليه وسلم  الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً.
[ينظر البيهقي في الصبح وفي قنوات الوتر].
وتؤدي سنة القنوت بأن يثني المصلي على الله تعالى ويدعوه بأي لفظ شاء كأن يقول: “اللهم أغفر لي يا غفور” ولكن الكمال في أدائها يكون بالتزام الدعاء الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  في ذلك.
روى أبو داود (1425) عن الحسن بن على t قال: علمني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كلمات أقولهن في الوتر: “اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضي عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت” ويسن للإمام أن يأتي به بصيغة الجمع.
قال الترمذي (464): هذا حديث حسن وقال: ولا نعرف عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قي القنوات في الوتر شيئاً أحسن منه.
وعند أبي داود (1428) أن أبي بن كعب t أمهم ـ يعني في رمضان ـ وكان يقنت في الصنف الأخر من رمضان.
وروى الحاكم عن أبي هريرة t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه يدعو بهذا الدعاء: ” اللهم أهدني فيمن هديت …”.
واستحب العلماء أن يزاد فيه: فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ربنا ونتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. للأخبار الصحيحة في الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  بعد الدعاء والذكر.
[مغني المحتاج (1/166-167)] .
ويسنّ أن يرفع يديه أثناء هذا القنوت، ويجعل بطنها لجهة السماء.
* الهيئات:
وقد ذكرنا أن الهيئات هي: سنن الصلاة التي إن تركها المصلي لم يُسنَّ جبرها بسجود السهو، بخلاف الأبعاض. والهيئات تتلخص فيما يلي:
1- رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه: وكيفية أداء هذه السنَّة : أن يرفع كفيه مستقبلاً بهما القبلة، منشورتي الأصابع، محاذياً بإبهاميه لشحمتي الأذنين، على أن تكون كفَّاه مكشوفتين.
روي البخاري (705)، ومسلم (390)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود.
2- وضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى، وذلك في الوقوف:
وكيفية ذلك: أن يضع يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، ويقبض على اليسرى بأصبع يده اليمنى، ويكون محل ذلك تحت صدره وفوق سرَّته.
لخبر مسلم (401)، عن وائل بن حُجْر رضي ا لله عنه: أنه رأى النبي  صلى الله عليه وسلم  رفع يديه حين دخل في الصلاة … ثم وضع يده اليمنى على اليسرى.
وعند النسائي(2/126): ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
3- النظر إلى موضع السجود:
فيكره أن يتوزع نظره فيما حوله، أو أن ينظر إلى الأعلى أو إلى شئ أمامه حتى ولو كان الكعبة، بل يُسنُّ أن يجعل نظره الدائم إلى موضع سجوده، إلا عند التشهد، فليجعل نظره إلى سبابته التي يشير بها عند التشهد.
دليل ذلك: اتباع فعل النبي  صلى الله عليه وسلم .
4- افتتاح الصلاة بعد التكبير بقراءة التوجه:
ولفظه، ما رواه مسلم (771)، عن عليt عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم : أنه كان أذا قام إلى الصلاة قال: “وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين”.
[وجهت وجهي: قصدت بعبادتي. فطر: ابتدأ خلقها. حنيفاً: مائلاً إلى الدين الحق. نسكي: عبادتي وما أتقرب به إلى الله تعالى].
مكان استحباب التوجه:
تستحب قراءة التوجه في افتتاح المفروضة والنافلة، للمنفرد وللإمام والمأموم، بشرط أن لا يبدأ بقراءة الفاتحة بعد، فإن بدأ بها- وقد علمت أن البسملة جزء منها- أو بالتعوذ، فاتت سنية قراءة التوجه، فلا ينبغي أن يعود إليه ولو كان ناسياً.
ولا تستحب قراءة التوجه في صلاة الجنازة، ولا في صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها، بحيث خشي إن اشتغل بقراءة التوجه أن يخرج الوقت.
5- الاستعاذة بعد التوجه:
وهي أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يبدأ بها قراءة الفتاحة، فإذا شرع في قراءة الفاتحة قبل أن يستعيذ، فاتت الاستعاذة وكره أن يعود إليها.
لقوله سبحانه:]فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشــيطان الرجيم[ [النحل:98].
6- الجهر بالقراءة في موضعه والإسراء في موضعه:
والمواضع التي يسنّ فيها الجهر بالقراءة هي: ركعتا صلاة الفجر، والركعتان الأوليتان من المغرب والعشاء، وصلاة الجمعة، والعيدين، وخسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، والتراويح، ووتر رمضان، كل ذلك بالنسبة للإمام والمنفرد فقط. ويسنّ الإسرار فيما عدا ذلك.
دلّ على ذلك أحاديث منها:
– ما روى البخاري(735)، ومسلم (463)، عن جبير بن مطعم t : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قرأ المغرب بالطور.
– ما رواه البخاري(733) ، ومسلم(464)، عن البراء t قال: سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم  يقرأ: “والتين والزيتون” في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة.
– ما رواه البخاري(739)، ومسلم (449)، من حديث ابن عباس t في حضور الجن واستماعهم القرآن من النبي  صلى الله عليه وسلم  وفيه: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له.
روى البخاري(745)؛ ومسلم (451)، عن أبي قتادة t :أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يقرأ بأمِّ الكتاب وسورة معها في الركعتين الأُّوْلَيَيْنِ من صلاة الظهر وصلاة العصر. وفي رواية: وهكذا يفعل في الصبح . مع ما سبق من أحاديث الجهر بالقراءة.
وروى أبو داود(823و824)؛ والنسائي (2/141) وغيرهما، عن عبادة بن الصامتtقال: كنا خلف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: “لعلكم تقرؤون خلف إمامكم” قال: قلنا يا رسول الله، أي والله ، قال: “لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها”. وفي رواية: “فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن”. وفي حال عدم سماعه الإمام تعتبر الصلاة كأنها سرية في حقه.
فهذه الأحاديث تدل على أنه  صلى الله عليه وسلم  كان يجهر بقراءته بحيث يسمعها من حضر.
ودل على السر في غير ما ذُكر، ما رواه البخاري(713)، عن خبّاب t، وقد سأله سائلٌ: أكانَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضْطِرابِ لِحْيَتهِ.
روى البخاري (738)؛ ومسلم (396)، عن أبي هريرةt قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم.
ولم ينقل الصحابي رضي الله عنهم الجهر في غير تلك المواضع.
وستأتي أدلة الصلوات الخاصة في مواضعها.
ويتوسط في النفل المطلق في الليل بين السر والجهر، قال تعالى: ]ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً[[الإسراء:10]. والمراد صلاة الليل.
7- التأمين عند انتهاء الفاتحة:
وهو أن يتبع قوله تعالى: ]ولا الضالين[ بكلمة “أمين”.
والتأمين سنّة لكل مصلِّ في كل صلاة، يجهر بها في الجهرية، ويسرّ بها في السرية، ويجهر بها المأموم تبعاً للإمام. ومعنى آمين: استجب يارب.
وروى البخاري (748)، ومسلم(410)، عن أبي هريرة t أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:”إذا قال أحدكم – وفي رواية عند مسلم: في الصلاة – آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه”.
وروى البخاري(747)،ومسلم(410)، عن أبي هريرة t قال: “إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه”.
روى أبو داود(934)، عن أبي هريرة t قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا تلا: ]غير المغضوب عليهم ولا الضالين[ قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول.
وزاد ابن ماجه (853): فيرتج بها المسجد.
8- قراءة شئ من القرآن بعد الفاتحة:
وتتحقق السنة بقراءة سورة من القرآن مهما قصرت، أو بقراءة ثلاثة آيات متواليات.
ومكان اسـتحبابها الركعتان الأوليتان فقط من كل صلاة، بالنسبة للإمام، والمنفرد مطلقاً. وبالنسبة للمقتدي أيضاً في الصلاة السرّية، أو حيث يكون بعيداً لا يسمع قراءة الأمام.
ويسن أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، كالحجرات، والرحمن، وفي العصر والعشاء، من أواسطه، كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وفي المغرب من قصاره، كقل هو الله أحد. لحديث النسائي(2/167)، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة t قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم  من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأولين من الظهر ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
ويسنّ أيضاً أن يقرأ في صبح الجمعة: ]الم تنزيل[ السجدة في الركعة الأولى، و]هل أتى[ في الركعة الثانية.
لما روى البخاري (851)، ومسلم(880)، عن أبي هريرة t قال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يقرأ في الجمعة، في صلاة الفجر: ]الم تنزيل[ – السجدة – و ]هل أتى على الإنسان[.
ويسن تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات، لما رواه البخاري(725)، ومسلم(451): كان النبي  صلى الله عليه وسلم  … يطول في الأولى ويقصر في الثانية.
9- التكبير عند الانتقالات:
عرفنا أن تكبيرة الإحرام بالصلاة ركن لا تصح بدونه.
فإذا دَخلتَ في الصلاة وكبرتَ تكبيرة الإحرام، يسنّ لك أن تكبّر مثلها عند كل انتقال من الانتقالات، ما عدا الرفع من الركوع فيسن بدلاً من التكبير قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، لما رواه البخاري(756)، ومسلم(392)، عن أبي هريرة t قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم ويكبر حين يركع، ثم يقول : “سمع الله لمن حمده” حين يقيم صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: “ربنا ولك الحمد” ثم يكبر حين يهوي للسجود، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
10- التسبيح عند الركوع والسجود:
وكيفية ذلك أن يقول إذا أستقر راكعاً: سبحان ربي العظيم وبحمده(ثلاث مرات). وأن يقول إذا استقر ساجداً: سبحان ربي الأعلى وبحمده (ثلاث مرات). وهذا أدنى درجات الكمال، فإن زاد على الثلاث كان أفضل.
[أنظر الركوع في الأركان].
11- وضع اليدين على أول الفخذين في جلستي التشهد:
وكيفية أن يبسط اليسرى، مع ضم الأصابع إلى بعضها، بحيث تكون رؤوس الأصابع مسامتة لأول الركبة، ويقبض يده اليمنى إلا الأصبع المسبِّحة، وهي التي تسمى السبَّابة، فإنه يمدها منخفضة عند أول التشهُّد حتى إذا وصل إلى قوله: إلا الله، أشار بها، إلى التوحيد ورفعها. ويسن أن تبقى مرفوعة دون أن يحركها إلى آخر الصلاة.
روى مسلم (580) عن ابن عمر رضي الله عنهما- في صفة جلوسه  صلى الله عليه وسلم  – قال : كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
12- التورّك في الجلسة الأخيرة والافتراش في غيرها:
التورُّك: هو أن يجلس المصلي على وركه الأيسر، وأن ينصب رجله اليمنى، ويخرج الرجل اليسرى من تحتها. والورك: هو الفخذ.
والافتراش هو أن يجلس المصلي على كعب رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى على رؤوس أصابعها.
روى البخاري(794) من حديث أبي حُمَيد الساعدي t قال: أنا كنت أحفَظَكم لصلاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم … وفيه : فإذا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرةِ قدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقْعَدَتِهِ.
[قدم رجله اليسرى: أي من تحت رجله اليمنى منصوبة].
وعند مسلم(579)، عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقه، وفرض قدمه اليمنى.
13- الصلوات الإبراهيمية ثم الدعاء بعد التشهد الأخير:
عرفت فيما مضى أن الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  ركن في جلسة التشهد الأخيرة، ويتأدى الركن بأي صيغة من الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم .
أما اختيار الصلوات الإبراهيمية – وقد مضى ذكر نصَّها- فسنَّة. فإذا أتمها يسن أن يستعيذ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، أو من عذاب النار، أو أن يدعو لنفسه بما شاء؛ على أن لا يطيل ذلك قدر قراءة التشهد والصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم .
وروى مسلم (558) عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال”.
14- التسليمة الثانية:
ذكرنا أن التسليمة الأولى ركن، وهي التي تكون مع الالتفات إلى جهة اليمين.
فإذا فعلها فقد انتهت أركان الصلاة وواجباتها، إلا أنه يسنَّ أن يضيف إليها تسليمة أخرى، ملتفتاً إلى جهة اليسار.
روى مسلم (582) عن سعد t قال: كنت أرى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أري بياض خده.
وروى أبو داود(996) وغيره، عن ابن مسعود t: أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يسلّم عن يمينه وعن شماله حتى يُرى بياض خده: “السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله”. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
15- التزام الخشوع في سائر الصلاة:
معنى الخشوع: الخشوع يقظة القلب إلى ما يردّده اللسان من القراءات والأذكار والأدعية، بأن يتدبر كل ذلك ويتفاعل مع معانيه، ويشعر أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى.
والصحيح أن الخشوع- بهذا المعنى- في جزء من أجزاء الصلاة أمرٌ لا بد منه؛ بحيث إذا كانت الغفلة مطبقة على صلاته كلها من أولها إلى آخرها، كانت صلاة باطلة.
أما استمرار الخشوع في سائر أجزاء الصلاة فهو سنَّة مكمّلة.
روى مسلم(228)، عن عثمان t قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صلى الله عليه وسلم  يقول: “ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله”.
[يؤت: يعمل. كبيرة: ذنباً كبيراً كالتعامل بالربا وشرب الخمر ونحو ذلك. وذلك الدهر كله: أي تكفير الذنوب الصغيرة بسبب الصلاة مستمر طوال العمر لتكرر الصلاة كل يوم].
فهذه السنن كلها تسمى هيئات، فلو ترك المصلي شيئاً منها لم يسنّ جبره بالسجود للسهو، بخلاف القسم الأول وهو ما يسمى أبعاضاَ، فإن المصلي إذا ترك شيئاً منه يسن له أن يعوِّضه بالسجود للسهو.
(ج) السنن التي تؤدي عقب كل صلاة:
ويسنّ عقب الصلاة الأمور التالية:
1- الاستغفار والذكر والدعاء:
وروى مسلم (591)، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: “اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام”.
ولا مانع من رفع الصوت بذلك للإمام إذا أراد التعليم، فإذا تعلموا خفض، فقد روى البخاري(805)؛ ومسلم(583)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أخبر: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي  صلى الله عليه وسلم  .
وروى مسلم (596)، عن كعب بن عجرة t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:”معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة”. ومن حديث أبي هريرة t(597) “وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر”.
[خطاياه: الذنوب الصغيرة. زبد البحر: ما يعلو على وجه مائه عند هيجانه وتموجه والمراد: مهما كانت كثيرة].
وروى الترمذي(3470) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:” من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان”.
وروى أبو داود(1522)، عن معاذ بن جبل t:أنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أخذ بيده وقال: “يا معاذ، والله إني أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.
وهناك أدعية وأذكار كثيرة وردت عقب الصلوات عامة، وعقب كل صلاة خاصة، تعرف من كتب السنة وكتب الأذكار.
2- أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، لكثر مواضع السجود، فإنها تشهد له:
والأفضل إن صلى في المسجد أن ينتقل إلى بيته، ودليل ذلك ما رواه البخاري(698)؛ ومسلم (781)، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة”.
وروى مسلم (778) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل من صلاته خيراً”.
3- وإذا صلوا في المسجد، وكان وراءهم نساء، فإنه يسن لهم أن يمكثوا في أماكنهم حتى ينصرفن لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد:
روى البخاري(828)، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النساء في عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قام الرجال. وفي رواية عنها(832) قالت: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم قال ابن شهاب الزهري أحد الرواة : نرى – والله أعلم – أن ذلك كان لينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال.
*   *   *
مَكروهَات الصَّــلاَة
 
قاعدة:
كل مخالفة لسنة من السنن التي مضى بيانها، يدخل في نطاق المكروه.
والمكروه هو: كل ما يثاب المصلّي على تركه امتثالاً، ولا يعاقب على فعله.
فترك تكبيرات الانتقال مثلاً مكروه، لأن الإِتيان بها سنة، وترك الافتتاح بالتوجه أيضاً مكروه، لأن الافتتاح به سنة.
إلا أن ثمة تصرفات خاصة أخرى يسن اجتنابها، ويكره للمصلي أن يتلبس بها، نذكر منها الأمور التالية:
1- الالتفات في الصلاة بالعنق إلا لحاجة:
روى أبو داود(909) وغيره، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه”.
وقد بين النبي  صلى الله عليه وسلم  أن الالتفات إنما:” هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العيد”. روى ذلك البخاري(718). ولأن هذا الالتفات ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة.
أما إذا كان هناك داع إلى الالتفات، كمراقبة عدو مثلاً فإنه لا يكره ودليل ذلك ما رواه أبو داود(916) بإسناد صحيح: عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة – يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، قال أبو داود: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس.
[ثوب: من التثويب والمراد به هنا إقامة الصلاة].
وهذا إذا كان الالتفات بالعنق، أما إذا التفت بصدره فحوَّله عن القبلة؛ فإنه يبطل صلاته لتركه ركن الاستقبال. وأما اللمح بالعين دون الالتفات، فإنه لا بأس به، فقد ذكر ابن حبان في صحيحه(500) من حديث علي بن شيبان t قال: قدمنا على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود،فقال:”لا صلاة لمن لا يقيم صلبه”. أي لا يطمئن في ركوعه.
2- رفع بصره إلى السماء:
وروى البخاري(717)،عن أنس t: أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: “ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ ثم قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم” وروى مسلم مثله (428)، (429)، عن جابر بن سمرة وأبي هريرة رضي الله عنهما.
3- كف الشعر وتشمير أطراف الثواب أثناء الصلاة:
روى البخاري(777)؛ ومسلم – واللفظ له – عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قوله: “أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً”.
والسنة إرسال ثيابه على سجيتها.
4- الصلاة عند حضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ لانشغال نفسه به مما يفوت عليه الخضوع في الصلاة:
روى البخاري(642)؛ ومسلم(559) ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة ، فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه”.
5- الصلاة عند حصر البول أو الغائط:
لأنه – والحالة هذه – لا يمكنه إعطاء الصلاة حقها من الخشوع والحضور. قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان”. أي البول والغائط. (رواه مسلم:560)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :”إذا نعس أحدكم – وهو يصلي – فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه”.
7- الصلاة في الأماكن التالية:
الحمَّام، الطريق، السوق، المقبرة، الكنيسة، المزبلة، وأعطان الإبل، وهي مباركها، لمظِنَّة وجود النجاسة في بعضها، وانشغال القلب في بعضها الآخر.
وللنهي عن الصلاة في هذه المواضع روى الترمذي(346)، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطن الإِبل، وفوق ظهر البيت. وقال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بذاك القوي.
[المجزرة: مكان الجزر أي الذبح. قارعة الطريق: أعلاه ووسطه حيث يمر الناس. البيت: الكعبة] .
وقد صح عند ابن حبان(338) حديث: “الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام”.
كما صح عنده أيضاً(336) حديث: “لا تصلوا في أعْطان الإبل” .أي مباركها حول الماء. (رواه الترمذي:348، وغيره).
  *   *   *


أمورٌ تخالِفُ فيهَا المَرأة الرجَّل
يُسنُّ للمرأة أن تخالف الرجل في خمسة أشياء، وهي:
أولاً:
تضم بعضها إلى بعض في السجود، بأن تضم مرفقيها إلى جنبيها أثناء السجود، وتلصق بطنها بفخذيها، بخلاف الرجل فإنه يُسنُّ أن يباعد مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه.
روى البيهقي(2/232): أنه  صلى الله عليه وسلم  مرَّ على امرأتين تصلِّيان، فقال: “إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل”.
ثانياً:
تخفض المرأة صوتها في حضرة الرجال الأجانب، فلا تجهر بالصلاة الجهرية خشية الفتنة، قال تعالى : ]فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض[[الأحزاب:32].
[تخضعن بالقول: تُلَيِّنَّ كلامكنَّ. مرض: فسوق وقلة ورع].
وهذا يدل على أن صوت المرأة قد يثير الفتنة، فيطلب منها خفض الصوت بحضرة الأجانب.
بخلاف الرجل فإنه يسن أن يجهر في مواضع الجهر.
ثالثاً:
إذا ناب المرأة شئ أثناء الصلاة، وأرادت أن تنبه أحداً من حولها لأمر ما، فإنها تصفق بأن تضرب يدها اليمنى على ظهر كف اليسرى.
أما الرجل، فيسن إذا نابه شئ في الصلاة أن يسبَّح بصوت مرتفع سهل بن سعد t ، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : “من رابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذ سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء”.
[التصفيق هنا: ضرب ظاهر الكف اليسرى بباطن الكف اليمنى.
رابه: شك في أمر يحتاج إلى تنبيه. ولفظ مسلم (نابه): أي أصابه شئ يحتاج فيه إلى الإعلام].
رابعاً:
جميع بدن المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها، كما مر بيانه. لقوله تعالى : ]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها[ [النور:31]
والمشهور عند الجمهور: أن المراد بالزينة مواضعها، وما ظهر منها هو الوجه والكفَّان (رواه ابن كثير:3/283).
روى أبو داود(640) وغيره، عن أم سلمة رضي الله عنها، إنها سألت النبي  صلى الله عليه وسلم : أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: “إذا كان الدرع سابغاً، يغطي ظهور قدميها”.
[الدرع: قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجليها. خمار: ما تغطي المرأة به رأسها. سابغ: طويل].
وواضح: أنه إذا غطى ظهور قدميها حال القيام والركوع، انسدل أثناء السجود، غطى باطن القدمين، لانضمام بعضها إلى بعض.
[وانظر بحث شروط الصلاة].
أما الرجل فعورته ما بين سرته وركبته، فلو صلى والمستور من جسمه ما بين السرة والركبة فقط صحت صلاته.
روى الدارقطني (1/231)؛ والبيهقي (2/229)، مرفوعاً: “ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة”.
وروى البخاري(346)، عن جابر t: أنه صلى في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  يصلي في ثوب واحد. وفي رواية (345): صلى جابر في إزارٍ قد عقده من قبل قفاه.
[والإزار في الغالب ثوب يستر وسط الجسم، أي ما بين السرة والركبة وما قاربهما].
خامساً:
لا يسنُّ الأذان للمرأة ويسن لها الإقامة، فلو أذنت بصوت منخفض لم يكره، واعتبر لها ذلك من الذكر الذي يثاب عليه، أما إن رفعت صوتها به كره، فإن خيفت الفتنة حرم.
بخلاف الرجل فقد علمت أن الأذان سنَّة له عند القيام إلى كل مكتوبة.
*****


مُبطلاَت الصَّــلاَة
تبطل الصلاة إذا تلبَّس المصلي بواحد من الأمور التالية:
1- الكلام العمد:
ويقصد به ما عدا القرآن والذكر والدعاء.
روى البخاري(4260)، ومسلم(539)، عن زيد بن أرقم t قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ]حافظوا على الصلوات الوسطى وقوموا لله قانتين[[البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت.
[ قانتين: خاشعين].
وروى مسلم (537)، عن معاوية بن حكم السُّلَمي t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال له – وقد سمت عاطساً في صلاته- : “إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن”.
وعُدَّ الكلام الذي تبطل فيه الصلاة، ما كان مؤلفاً من حرفين فصاعداً، وإن لم يفهم منه معنى، أو كان يعبّر عنه بحرف واحد إذا كان له معنى، مثل كلمة “قِ” أمراً من الوقاية، و”عِ” من الوعي، و”فِ” من الوفاء.
أما إن تكلم ناسياً أنه في الصلاة أو كان جاهلاً لتحريمه لقرب عهده بالإسلام، فيعفا عن سير الكلام، وهو ما لم يزد على ست كلمات.
2- الفعل الكثير:
والمقصود به الفعل المخالف لأفعال الصلاة، بشرط أن يكثر ويتوالى، لأنه يتنافى مع نظام الصلاة، وضابط الكثرة ثلاث حركات فصاعداً، وضابط الموالاة أن تعدَّ الأعمال متتابعة بالعرف، فإن الصلاة تبطل.
3- ملاقاة نجاسة لثوب أو بدن:
والمقصود بالملاقاة: أن تصيب النجاسة شيئاً منهما ثم لا يبادر المصلي إلى إلقائها فوراً، فعندئذ تبطل الصلاة، لأنه حدث ما يتنافى مع شرط من شروط الصلاة، وهو طهارة البدن والثوب من النجاسة.
فإن أصابته النجاسة بإلقاء ريح أو نحوه وتمكن من إلقائها عنه فوراً، بأن كانت يابسة؛ لم تبطل صلاته.
4- انكشاف شيء من العورة:
وقد عرفت حد العورة بالنسبة لكل من المرأة والرجل في الصلاة أما إن انكشفت بدون قصده: فإن أسرع فسترها فوراً، لم تبطل، وإلا بطلت، لفقدان شرط من شروطها في جزء من أجزائها.
5- الأكل أو الشرب:
لأنهما يتنافيان مع هيئة الصلاة ونظامها.
وحد المبطل من ذلك للمعتمد؛ أيُّ قَدْرٍ من الطعام أو الشرب مهما كان قليلاً. أما بالنسبة لغير المعتمد، فيشترط أن يكون كثيراً في العرف. وقد قدر الفقهاء الكثير بما يبلغ مجموعه قدر حُمصه، فلو كان بين أسنانه بقايا من طعان لا يبلغ هذا القرار فبلعها مع الريق دون قصد لم تبطل.
ويدخل ف يحد الطعام المبطل للصلاة: ما لو كان في فمه سكرة فذاب شئ منها في فمه، فبلع ذلك الذوب.
6- الحدث قبل التسليمة الأولى:
لا فرق بين أن يكون ذلك عمداً أو سهواً، لفقدان شرط من شروط الصلاة – وهو الطهارة من الحدث – قبل تمام أركانها.
أما إن أحدث بعد التسليمة الأولى وقبل الثانية، فقد تمت صلاته صحيحة. وهذا محل إجماع عند جميع المسلمين.
7- التنحنح، والضحك، والبكاء، والأنين إن ظهر بكلٍّ من ذلك حرفان:
فضابط إبطال هذه الأمور الأربعة للصلاة: أن يظهر فيه حرفان، وأن لم يكونا مفهومين. أما إن كان قليلاً، بحيث لم يسمع فيه إلا حرفٌ واحد، أو لم يظهر فيه أي حرف لم تبطل. هذا إذا لم يكن مغلوباً على أمره، بأن تعمَّد ذلك ، أما إذا غلب عليه، بأن فاجأه السعال أو غلب عليه الضحك، لم تبطل صلاته.
أما التبسم فلا تبطل به الصلاة .
وكذلك الذكر والدعاء إذا قصد به مخاطبة الناس، فإنها تبطل، كما إذا قال لإنسان: يرحمك الله . لأنه يعتبر عندئذ من كلام الناس، والصلاة لا تصلح له، كما علمت.
8- تغير النيَّة:
ضابط ذلك: أن يعزم على الخروج من الصلاة، أو يعلِّق خروجه منها على أمر، كمجيء شخص ونحوه. فإن صلاته تبطل بمجرد طروء هذا القصد عليه.
وعلة بطلان الصلاة بذلك: أن الصلاة لا تصلح إلا بنية جازمة، وهذا القصد أو العزم يتنافى مع النية الجازمة.
9- استدبار القبلة:
لأن استقبالها شرط أساسي من شروط الصلاة، سواء تعمَّد ذلك أو أداره شخص غصباً، إلا أنه في حالة العمد تبطل الصلاة فوراً، وفي حالة الإِكراه لا تبطل إلا إذا استقر مدة وهو مستدبر لها. فإن استدار إلى القبلة بسرعة لم تبطل صلاته، والاستقرار وعدمه يحددهما العرف.
*****


سُجوُد السَّـهُو
السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه.
والمقصود بالسهو هنا:
خلل يوقعه المصلي في صلاته، سواء كان عمداً أو نسياناً، ويكون السجود- ومحله في آخر الصلاة- جبراً لذلك الخلل.
حكم سجود السهو:
هو سنَّة عند حدوث سبب من أسبابه التي سنتحدث عنها، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته. ولم يكن واجباً، لأنه لم يشرع لترك واجب كما سنرى.
ودليل مشروعيته ما روه البخاري (1169)، عن أبي هريرة t قال : صلَّى بنا النبي  صلى الله عليه وسلم  الظهر أو العصر، فسلَّم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟ فقال النبي  صلى الله عليه وسلم :” أَحَقُّ ما يَقُولُ؟”. قالوا: نعم، فَصلَّى ركعتين أُخْرَيَتَيْنِ، ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْن.
وأدلة أخرى تأتي فيما يلي:
أسباب سجود السهو:
1- أن يترك المصلي بعضاً من أبعاض الصلاة التي مرّ ذكرها كالتشهد الأول والقنوت:
روى البخاري (1166)؛ ومسلم(570)، عن عبدالله بن بُحَيْنَة t أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  رَكْعَتَيْن من بعض الصلوات- وفي رواية : قام من اثنتين من الظهر – ثم قام فلم يجلس، فقان الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه، كبَّر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم.
[ نظرنا: انتظرنا].
وروى ابن ماجه(1208)؛ وأبو داود(1036) وغيرهما، عن المغيرة بن شعبةt، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يَسْتَتِمَّ قائماً فليجلس، وإذا اسْتَتَمَّ قائماً فلا يجلس، ويسجد سَجْدَتَي السَهْو”.
2- الشك في عدد ما أتى به من الركعات:
فيفرض العدد الأقل، ويتمم الباقي ثم يسجد للسهو، جبراً لاحتمال أنه قد زاد في صلاته. فلو شك هل هو صلى الظهر ثلاثاً أو أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا تَرْغِيماً للشيطان”.
[ شفعن: جعلنها زوجاً كما ينبغي أن تكون. ترغيماً: إغاظة وإذلالاً].
أما لو شك بعد الخروج من الصلاة، فإن هذه الشك لا يؤثر على صحة صلاته وتمامها إلا في النية وتكبيرة الإحرام، فتلزمه الإعادة.
وسهو المأموم حال قدوته بالإمام – وذلك كان سها عن التشهد الأول – يحمله الإمام، ولا يلزمه سجود السهو بعد سلام الإمام، ودليل ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم : “الإِمام ضامن” (رواه ابن حبان وصححه:362).
3- ارتكاب فعل منهي عنه سهواً، إذا كان يبطل عمده الصلاة:
كما إذا تكلم بكلمات قليلة أو أتى بركعة زائدة سهواً، ثم تنبه إلى وذلك وهو في الصلاة، فيسجد للسهو.
4- نقل شئ من أفعال الصلاة ركناً كان أو بعضاَ، أو سورة نقلها إلى غير محلها، وهو القيام:
مثاله: قرأ الفاتحة في جلوس التشهد، أو قرأ القنوت في الركوع، أو قرأ السورة التي يسنُّ قراءتها بعد الفاتحة في الاعتدال، فيسن أن يسجد لذلك سجود سهو في آخر الصلاة.
* كيفية السجود ومحله:
سجود السهو سجدتان كسجدات الصلاة، ينوي بهما المصلي سجود السهو، ومحله آخر صلاته قبل السلام؛ فلو سلَّم المصلي قبل السجود عامداً أو ناسياً وطال الفصل؛ فات السجود، وإلا بأن قصر الفصل فله أن يتدارك السجود بأن يسجد مرتين بنية السهو ثم يسلِّم مرة أخرى.
*****


سَجـدَاتُ التِّـلاَوَة
يسنّ سجدات التلاوة للقارئ داخل الصلاة وخارجها، وللمستمع خارج الصلاة .
    ودليل ذلك ما رواه البخاري(1025)، عن ابن عمرt قال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته.
وروى مسلم(81) عن أبي هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويْلَهُ، أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار”.
وروى البخاري(1027) عن عمر t قال: ” يا أيها الناس إنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه “.
وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نَشَاء.
عدد سجدات التلاوة:
وسجدات التلاوة في القرآن أربع عشر سجدة، وهي في السور التالية: سجدة في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وسجدتان في الحج، وسجدة في الفرقان، والنمل، وألم تنزيل ، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق.
ومن أراد سجود التلاوة كبَّر للإحرام رافعاً يديه، ثم كبَّر للهوي بلا رفع، وسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، ثم سلَّم. وتكبيرة الإحرام والسلام شرطان فيها، ويشترط فيها أيضاً ما يشترط في الصلاة من الطهارة، واستقبال القبلة، وغير ذلك.
*****


صَلاَة الجَمَاعَة
 
تاريخ إقامتها:
أقام النبي  صلى الله عليه وسلم  الجماعة بعد الهجرة الشريفة، فلقد مكث  صلى الله عليه وسلم  مدة مقامه في مكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة، لأن الصحابة كانوا مقهورين، يصلّون في بيوتهم، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها.
حكمها:
الصحيح أنها – فيما عدا صلاة الجمعة – فرض كفاية، لا تسقط فرضيتها عن أهل البلدة إلا حيث يظهر شعارها؛ فإن لم تُؤدَّ فيها مطلقاً أو أديت في خفاء أثم أهل البلدة كلهم، ووجب على الإِمام قتالهم.
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ]وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك[ [النساء:102]. وهذا في صلاة الخوف، وإذا ورد الأمر بإقامة الجماعة في الخوف كانت في الأمن أولى.
وكذلك قوله  صلى الله عليه وسلم : “صلاة الجماعة تفضل صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة” (رواه البخاري:618؛ ومسلم:650).
وكذلك ما رواه أبو داود(547)، وصحَّحه ابن حبان(425)
وغيرهما: أنه  صلى الله عليه وسلم  قال: ” ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية”.
[استحوذ عليهم: غلبهم واستولى عليهم وحوَّلهم إليه. القاصية: الشاة البعيدة عن القطع].
حكمة مشروعيتها:
إنما ينهض عمود الإسلام على تعارف المسلمين وتآخيهم وتعاونهم لإحقاق الحق وإزهاق الباطل؛ ولا يتم هذا التعارف والتآخي في مجال أفضل من مجال المسجد عندما يتلاقى فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة كل يوم خمس مرات.
ومهما فرقت مصالح الدنيا بينهم وأورثت الأحقاد في نفوسهم، فإن في ثباتهم على التلاقي في صلوات الجماعة ما يمزق بينهم من حجب الفرقة ويذيب من قلوبهم الأحقاد والأضغان؛ إن كانوا حقاً مؤمنين بالله ولم يكونوا منافقين فيما يتظاهرون به من صلاة وعبادة وسعي إلى المساجد.
الأعذار المقبولة في التخلف عن صلاة الجماعة:
الأعذار قسمان: أعذار عامة، أعذار خاصة.
أما الأعذار العامة:
فكمطر، وريح عاصف بليل، ووحل شديد في الطريق.
روي أن أبن عمر رضي الله عنهما: أذَّن للصلاة في ليلة ذات بردٍ وريح،(رواه البخاري:635؛ ومسلم:697)، ثم قال: أَلاَ صَلوا في الرِّحَالِ، ثم قال: إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كانَ يَأمر المُؤَذَّنَ إذَا كانَتْ لَيْلَةٌ ذات برد ومطر أن يقول: ” ألا صلوا في رحالكم”. أي منازلكم ومساكنكم.
وأنت تعلن أن هذه الأعذار قلما تتحقق اليوم إلا في القرى، بل في بعض القرى.
* وأما الأعذار الخاصة:
فكمرض وجوع وعطش شديدين، وكخوف من ظالم على نفس أو مال، ومدافعة حدث من بول أو غائط. لما رواه البخاري(643)؛ ومسلم(559): ” إذا وُضِعَ عَشَاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعِشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه”، ولخبر مسلم(560): “لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان”. وكملازمة غريم له إذا خرج إلى الجماعة وهو معسر، وأكل ذي ريح كريه، أو يكون مرتدياً ثياباً قذرة تؤذي بقذارتها أو ريحها. فكل واحدة من هذه الحالات تعتبر عذراً شرعياَ يسوغ لصاحبه التخلف عن حضور الجماعة.
روى البخاري(817)؛ ومسلم(564)، عن جابر t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:” من أكل ثوماً – وقيس غيره من الأعذار عليه- فليعتزلن، أو قال: فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته”.
شروط من يقتدى به:
لا بد فيمن يكون إماماً أن تتوفر فيه شروط معينة- أكثرها نسبية، حسب حال المأموم- ونلخصها في الأمور التالية:
1- أن لا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه أو يعتقد ذلك:
مثاله: أن يجتهد اثنان في جهة القبلة فاعتقد كل منهما أن القبلة في جهة غير التي اعتقدها الآخر، فلا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر لأن كلاًّ منهما يعتقد أن الآخر مخطئ في اتجاهه وأن صلاته إلى تلك الجهة غير صحيحة.
2- أن لا يكون أميّاً، والمقتدي قارئ:
والمقصود بالأمي هنا من لا يتقن قراءة الفاتحة بحيث يخل بقراءتها إخلالاً يفوّت حرفاً أو شدة أو نحو ذلك. فإن كان المقتدي مثله جاز اقتداء كل منهما بالآخر.
3- أن لا يكون امرأة، والمقتدي رجل:
فإن كان المقتدي أيضاً امرأة جاز اقتداء كلٍّ منهما بالآخر لقوله  صلى الله عليه وسلم :” لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً” (رواه ابن ماجه).
من الصفات التي يستحب أن يتحلى بها الإمام:
يجدر أن يكون إمام القوم أَفقهم، وأَقرأهم، وأصلحهم، وأَسَنََّهُم.
ومهما تحققت هذه الصفات في الإِمام كانت الصلاة خلفه أفضل وكان الثواب بذلك أرجى.
روى مسلم(613)عن ابن مسعود t قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سناً”.
واعلم أنه لا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم وبماسح الخف، والقائم بالقاعد، والبالغ بالصبي، والحر بالعبد، والصحيح بالمسلس، والمؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل وبالعكس.
كيفية الاقتداء:
لا يتحقق الاقتداء المشروع إلا بشروط وكيفيات ينبغي مراعاتها، وهي كثيرة نلخصها فيما يلي:
1- أن لا يتقدم المأموم على الإمام في المكان:
فإن تقدَّم عليه بطل اقتداؤه، لقوله عليه الصلاة والسلام:
” إنما جعل الإمام ليؤتم به” (رواه البخاري:657؛ ومسلم:411).
والائتمام الاتباع، وهو لا يكون إلا حيث يكون التابع متأخراً، لكن لا تضر مساواته له في الموقف وإن كان ذلك مع الكراهة، وإنما يندب تخلفه عنه قليلاً، فإذا تقدم عليه بطلت صلاته، والاعتبار في التقدم والتأخر بالعقب، وهو مؤخر القدم. فإن كان المقتدي اثنين فأكثر، اصطفوا خلف الإمام وإن كان واحداً وقف عن يمينه، فإذا جاء ثانٍ وقف عن يساره، ثم رجعا أو تقدم الإمام.
روى مسلم عن جابر t قال: صليت خلف رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه.
ويسن أن لا يزيد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثة (1)، وهكذا بين كل صفِّين. وإذا صلى خلف الإِمام رجال ونساء صفَّ الرجال أولاً ثم النساء بعدهم، وإذا صلى رجل وامرأة صف الرجل عن يمين الإِمام، والمرأة خلف الرجل.
أما جماعة النساء، فتقف إمامتهن وسطهم لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. (رواه البيهقي بإسناد صحيح).
ويكره وقوف المأموم منفرداً في صف وحده، بل يدخل الصف إن وجد سعة، وإن لم يجد سعة، فإنه يندب أن يجر شخصاً واحداً من الصف إليه بعد الإحرام(2)، ويندب للمجرور أن يساعده ويرجع إليه لينال فضيلة المعاونة على البر.
2ـ أن يتابعه في انتقالاته وسائر أركان الصلاة الفعلية:
وذلك بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن فعل الإمام، ويتقدم على فراعه. فإن تأخر المأموم عن الإمام قدر ركن كره ذلك، وإن تأخر عنه قدر ركنين طويلين: كأن ركع واعتدل ثم سجد ورفع ولا يزال المأموم واقفاً من دون عذر، بطلت صلاته.
وأما إذا كان لتأخره عذر بأن كان بطيئاً في القراءة، فله أن يتخلف عن الإمام بثلاثة أركان، فإن لم تكلف لمتابعته فيما بعد وجب عليه أن يقطع ما هو فيه ويتابع الإمام، ثم يتدارك الباقي بعد سلام إمامه.
3ـ العلم بانتقالات الإمام:
وذلك بأن يراه، أو يرى بعض صف، أو يسمع مبلغاً.
4ـ أن لا يكون بين الإمام والمأموم فاصل مكاني كبير:
إذا لم يكونا في المسجد، أما إذا جمعهما مسجد، فإن الاقتداء صحيح مهما بعدت المسافة بينهما، أو حالت أبنية نافذة.
أما إذا كانا في خارج المسجد أو كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه، فيشترط عندئذ أن لا تبتعد المسافة بين الإمام والمقتدي.
وضبط ذلك ما يلي:
أولاً: إذا كان الإمام والمقتدي في فضاء، كبيداء ونحوها، اشترط أن لا تزيد المسافة بينهما على ثلاثمائة ذراع هاشمي أي (150) متر تقريباً.
ثانياً: أن يكون كل منهما في بناء، مثل بيتين أو صحن وبيت، وجب ـ علاوة على الشرط المذكورـ اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، إن كان بناء الإمام منحرفاً يميناً أو يساراً عن موقف المأموم أو المقتدي.
ثالثاً: أن يكون الإمام في المسجد وبعض المقتدين في خارج المسجد، فالشرط هو أن لا تزيد مسافة البعد ما بين طرف المسجد وأول مقتد يقف خارجه على ثلاثمائة ذراع هاشمي.
5ـ أن ينوي المقتدي الجماعة أو الاقتداء:
ويشترط أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام. فلو ترك نية الاقتداء وتابعه مع ذلك في الانتقالات والأفعال، بطلت صلاته إن اقتضت متابعته أن ينتظره انتظاراً كثيراً عرفاً، أما إن وقعت المتابعة اتفاقاً بدون قصد أو كان انتظار للإمام انتظاراً يسيراً فلا تبطل صلاته بذلك. أما الإمام فلا يجب عليه أن ينوي الإمامة، بل يستحب له ذلك ، لتحصل له فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”. [رواه البخاري:1، ومسلم:1907].
ويحصل المأموم على فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة وتحصل بالاشتغال بالتحريم عقب تحريم الإمام.
ويدرك المأموم مع الإمام الركعة إذا أدركه في ركوعها، وإذا أدركه بعد الركوع فاتته الركعة، وكان عليه أن يتداركها أو يتدارك ما فاته، إن كان أكثر من ركعة بعد سلام الإمام.
صـلاة المـسافر
 
القصر والجمع:
مقدمة:
يقول الله تعالى: ]وما جعل عليكم في الدين من حرج[ [الحج:78]. أي إنه سبحانه وتعالى لم يشرع من أحكام الذين ما يوقعكم في الجهد والعنت، ويجعلكم في حيرة من أمركم. فحيثما يقع المسلم في ضيق يوسع الله له في أمر دينه، كي تظل أحكامه مقبولة متحملة.
والسفر قطعة من العذاب، يفقد فيه الإنسان استقراره وأسباب اجله، من أجل ذلك خفف الله تعالى عن المسافر كثيراً من أحكام دينه، وكيفية الاستفادة منه.
كيفية تكون صلاة المسافر:
رَخّص الله للمسافر في صلاته رخصتين:
أولاهما: اختصار في كمية الركعات، ويسمى ” قصراً “.
الثانية: ضم صلاتين إلى بعضهما في الأداء، ليكتسب المسافر أوسع وقت ممكن من الفراغ، ويسمى “الجمع بين الصلاتين”.
أولاًـ القصر:
هو أن تؤدى الصلاة الرباعية، كالظهر والعصر والعشاء، ركعتين بدلاً من أربع، كما سنرى فيما يأتي من أدلة.
والأصل في مشروعية القصر قوله تعالى: ]وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة[ [النساء:101].   [ضربتم: سافرتم].
روى مسلم (686) وغيره، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب t: ]ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يقتنكم الذين كفروا[فقد أَمِنَ الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عن ذلك، فقال: “صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته”.
وهذا يدل على أن قصر الصلاة ليس خاصاً بحالة الخوف.
ولا بد لصحة القصر من مراعاة الشروط التالية:
1ـ أن تتعلق بذمته في السفر، ويؤديها أيضاً في السفر:
فخرج بهذا الشرط الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يسافر، ثم سافر قبل أن يصليها، فلا يجوز أن يصليها قصراً، لأنه لم يكن مسافراً حين وجبت عليه وتعلقت بذمته.
وخرج أيضاً الصلاة التي دخل وقتها وهو مسافر، ولكنه لم يصلها حتى رجع إلى بلده، فلا يجوز أن يصليها أيضاً قصراً، لأنه حين أدائها ليس بمسافر، والقصر للمسافر.
2ـ أن يتجاوز سور البلد التي يسافر منها، أو يتجاوز عمرانها إن لم يكن لها سور:
 لأن من كان داخل سور البلد أو عمرانها ليس بمسافر. أي فالسفر إنما يبدأ من لحظة هذا التجاوز، كما أنه ينتهي بالوصول رجوعاً إلى تلك المنطقة. وإذا فهو لا يقصر من الصلاة إلا ما تعلق بذمته وفعله وضمن هذه الفترة.
روى البخاري(1039)، ومسلم(690)، عن أنس t قال: صليت الظهر مع النبي  صلى الله عليه وسلم  بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليف ركعتين. وذو الحليفة خارج عمران المدينة.
3ـ أن لا ينوي المسافر إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والرجوع، في المكان الذي يسافر إليه:
فإذا نوى ذلك، أصبحت البلدة التي يسافر إليها في حكم موطنه ومحل إقامته، فلم يعد يجوز له القصر فيها، ويبقى له حق القصر في الطريق فقط.
أما إذا كان ناوياً أن يقيم أقل من أربعة أيام، أو كان لا يعلم مدة بقائه فيها، لعمل يعالجه ولا يدري متى يتمه: وقصر في الحالة الثانية إلى ثمانية عشر يوماً غير يومي دخول وخروجه.
روى أبو داود (1229)، عن عمران بن حصين t قال: “غزوت مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشر ليلة، لا يصلي إلاّ ركعتين”. لأن النبي  صلى الله عليه وسلم  أقام هذه المدة بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقتصر الصلاة، ولم يكن يعلم المدة التي سيضطر لبقائها.
4ـ أن لا يقتدي بمقيم:
فإن اقتدى به وجب عليه أن يتابعه في الإتمام، ولم يجز له القصر.
أما العكس فلا مانع من القصر فيه، وهو أن يؤم المسافر مقيمين، فله أن يقصر. ويسن له إذا سلم على رأس ركعتين أن يبادر المقتدين فيقول لهم: أتموا صلاتكم فإني مسافر.
دليل ذلك ما رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس t أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك هي السنة.
وجاء في حديث عمران t السابق، ويقول: “يا أهل البلد صلوا أربعاً، فإنَّانَا قومٌ سَفَر”.
ثانياً ـ الجمع:
وقد عرفت معناه قبل قليل.
روى البخاري (1056)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول  صلى الله عليه وسلم  يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
[على ظهر سير: أي مسافراً].
وروى مسلم (705) عنه: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  جمع بين الصلاة في سفرة سافرناها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: قلت لابن عباسt: ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يُحْرِج أُمَّتَه.
وينقسم جمع الصلاة إلى قسمين:
 جمع تقديم، بأن يقدم المتأخر إلى وقت الأولى، وجمع تأخير، بأن يؤخر المتقدمة إلى وقت الثانية.
روى أبو داود (1208)؛ والترمذي (553) وغيرهما، عن معاذ t: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب.
الصلوات التي يجمع بينها:
علم مما سبق أن الصلوات التي يصلح أن يجمع بينها: هي الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. فلا يصح أن يجمع الصبح مع ما قبله أو بعده، كما لا يجمع بين العصر والمغرب.
هذا وإن لكل من جمع التقديم والتأخير شروطاً ينبغي مراعاتها.
فلنذكر شروط كل منهما.
شروط جمع التقديم:
أولاً: الترتيب منهما:
بأن يبدأ الصلاة الأولى صاحبة الوقت، ثم يتبعها بالأخرى.
ثانياً: أن ينوي جمع الثانية مع الأولى قبل فراغه من الصلاة الأولى، ولكن يسن أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام بها.
ثالثاً: الموالاة بينهما، بأن يبادر إلى الثانية فور فراغه من الأولى وتسليمه منها، لا يفرق بينهما بشيء من ذكر أو سنة أو غير ذلك؛ فإن فرق بينهما بشيء طويل عرفاً، أو أخر الثانية بدون أن يشغل نفسه بشيء بطل الجمع، ووجب تأخيرها إلى وقتها. اتباعاً للنبي  صلى الله عليه وسلم  في كل ذلك.
روى البخاري (1040)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا أعجله السير يؤخر المغرب فيصليهما ثلاثاً، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء، فيصليهما ركعتين، ثم يسلم .
رابعاً: أن يدوم سفره إلى تلبسه إلى تلبسه بالثانية، أي فلا يضر أن يصل إلى بلده أثناءها.
شروط جمع التأخير:
أولاً: أن ينوي جمع الأولى تأخيراً خلال وقتها الأصلي، فلو خرج وقت الظهر وهو لم ينو جمعها مع العصر تأخيراً، أصبحت متعلقة بذمته على وجه القضاء، وأثم في التأخير.
ثانياً: أن يدوم سفره إلى أن يفرغ من الصلاتين معاً، فلو أقام قبل الفراغ النهائي منهما أصبحت المؤخرة قضاء.
ولا يرد هنا شرط الترتيب بينهما، بل يبدأ بما شاء منهما، كما أن الموالاة بينهما ـ هنا ـ سنة وليست شرطاً لصحة الجمع.
شروط السفر الذي يباح فيه القصر والجمع:
الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً تبلغ مسافته 81 كم فصاعداً، فلا يعتد بالسفر الذي يكون دون ذلك.
روى البخاري تعليقاً في (تقصير الصلاة، باب: في كم تقصر الصلاة): وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وتساوي 81 كم تقريباً. ومثلهما يفعلان توفيقاً، أي بعلم عن النبي  صلى الله عليه وسلم .
الشرط الثاني: أن يكون السفر إلى جهة معينة مقصورة بذاتها، فلا يعتد بسفر رجل هائم على وجهه ليست له وجهة معينة، ولا بسفر من يتبع قائده مثلاً وهو لا يدري أين يذهب به. وهذا قبل بلوغه مسافة السفر الطويل، فإن قطعها قصر، لتيقن طول السفر.
الشرط الثالث: أن لا يكون الغرض من السفر الوصول إلى أي معصية، فإن كان كذلك لم يعتد بذلك السفر أيضاً، كمن يسافر ليتاجر بخمر أو ليُرَابي أو ليقطع طريقاً، لأن القصر رخصة، والرخصة إنما شرعت للأمانة، ولذلك لا تناط بالمعاصي، أي لا تتعلق بما فيه معصية.
* الجمع بين الصلاتين في المطر:
يجوز الجمع بين صلاتين تقديماً في المطر.
روى البخاري (518)، ومسلم (705)، عن ابن عباس t: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. زاد مسلم: من غير خوف ولا سفر. وعند البخاري: فقال أيوب ـ أحد رواة الحديث ـ: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عَسَى. وعند مسلم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أن لا يُحْرِج أحداً من أمته.
ولا يجوز جمعهما في وقت الثانية، لأنه ربما انقطع المطر، فيكون أخرج الصلاة عن وقتها بغير عذر.
ويشترط لهذا الجمع الشروط التالية:
1ـ أن تكون الصلاة جماعة بمسجد بعيد عرفاً، يتأذى المسلم بالمطر في طريقه إليه
2ـ استدامة المطر أول الصلاتين، وعند السلام من الأولى.
*****
صَـلاَة الخَـوف
معناها والأصل في مشروعيتها:
الخوف ضد الأمن، والمقصود بصلاة الخوف: الصلاة التي تؤدي في ظروف القتال مع العدو، إذ تختص برخص وتسهيلات ـ لا سيما بالنسبة للجماعة ـ لا توجد الصلوات الأخرى.
والأصل في مشروعيتها: آيات وأحاديث تأتي في بيان حالاتها وكيفيتها.
حالاتها:
لصلاة الخوف حالتان حسب حالة القتال:
الحالة الأولى:
حالة المرابطة والحراسة وعدم التحام القتال: وفي هذه الحالة تأخذ الصلاة شكلاً معيناً، ويختلف بعض الشيء عن الصلاة في صورتها العامة، بسبب حرص المسلمين على أدائها جماعة، خلف إمامهم الأعظم أو قائدهم الأعلى، أو من ينوب منابه في إدارة القتال.
وقد دلّ على مشروعيتها في هذه الحالة قوله تعالى: ]وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهيناً[ [النساء:102].
(فإذا سجدوا: أي أتم الذين معك صلاتهم، فليذهبوا وليحرسوكم. فيميلون: فيحملون. جناح حرج وإثم).
ولهذه الصورة التي ذكرتها الآية لصلاة الخوف كيفيتان ـ بينها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بفعله ـ تختلفان بحسب اختلاف موقع العدو من المسلمين، وكونه في جهة القبلة أم في غير جهتها.
 
الكيفية الأولى:
وهي عندما يكون العدو رابضاً في جهة القبلة والقتال غير ملتحم: فإذا أراد الجنود أن يصلوا جماعة، ولم يرغبوا أن يجزئوا صلاتهم إلى عدة جماعات، تحقيقاً لفضيلة الجماعة الواحدة الكبرى، فليرتبهم إمامهم صفين أو أربعاً أو أكثر، ويصلي بهم، فإذا سجد فليسجد معه الصف الذي يليه فقط إن كان المصلون صفين، أو الصفان اللذان يليانه إن كانوا أربعة صفوف، وهكذا، وليقف الباقون يحرسون إخوانهم من إمامهم في قيام الركعة الثانية، فإذا سجد الإمام لركعة الثانية تبعه من تخلف في الأولى، وتخلف المتبعون له إذ ذاك، ثم يتلاحق الجميع في جلوس التشهد ويسلمون جميعاً.
وهذه الكيفية هي التي صلى بها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في غزوة من غزواته، وهي عزوة عسفان، فكانت سنة في كل حالة تشبهها.
روى البخاري (902) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام النبي  صلى الله عليه وسلم  وقام الناس معه، فكبر وكبّروا معه، وركع ناسٌ منهم، ثم سجد وسجدوا منه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا لإخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضاً.
الكيفية الثانية:
وهي عندما يكون العدو منتشراً في غير جهة القبلة والقتال غير ملتحم، والكيفية المندوبة للصلاة في هذه الحالة هي:
    1ـ ينقسم المصلون إلى فرقتين، تقف واحدة في وجه العدو ترقبه وتحرس المسلمين، وتذهب الأخرى لتؤدي الصلاة جماعة مع الإمام.
2ـ يصلي الإمام بهذه الفرقة الثانية ركعة، فإذا قام للثانية فارقته وأتمت الركعة الثانية بانفراد، وذهبوا إلى حيث ترابط الفرقة الأولى.
3ـ تأتي الفرقة الأولى فتقتدي بالإمام ـ وينبغي أن يطيل قيامه في الركعة الثانية ريثما تلحق به هذه الفرقة ـ فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي هي الأولى في حقهم، فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا الركعة الثانية، ثم لحقوا به وهو لا يزال في التشهد، فيسلم بهم.
وهذه الكيفية في صفة صلاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في غزوة ذات الرقاع.
روى البخاري (3900)، مسلم (842)، وغيرهما، عن صالح بن خوَّات عمن شهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صلى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وُجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفوا وجاء العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
وأنت ترى أن في أداء الصلاة على هاتين الكيفيتين ـ والمسلمون في مواجهة العدو ـ صورة من صور المحافظة على الصلاة بجماعة، والمحافظة على حراسة المسلمين، والتنبه للعدو والصحو إلى مكايدهم.
ومزيتها الكبرى التأسي برسول الله  صلى الله عليه وسلم ، واكتساب أجر أداء الجميع صلاتهم في جماعة واحدة، مع الخليفة أو الإمام الأكبر، أو القائد في ميادين القتال.
الحالة الثانية:
وهي عندما يلتحم القتال مع العدو وتتداخل الصفوف ويشتد الخوف.
ولا توجد كيفية محددة للصلاة في هذه الحالة، بل يصلي كل منهم على النحو الذي يستطيع، راجلاً أو راكباً، ماشياً أو واقفاً، مستقبلاً القبلة أو منحرفاً عنها، ويركع ويسجد بإيماء، أي بتحريك رأسه مشيراً إلى الركوع والسجود، ويجعل إيماء السجود أبلغ من إيماءة الركوع. وإن أمكن اقتداء بعضهم ببعض وصلاتهم جماعة فهو أفضل، وإن اختلفت جهاتهم، أو تقدم المأموم على الإمام.
قال تعالى: ]حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون[[البقرة:238].
[الوسطى: صلاة العصر. قانتين: خاشعين. كما علمكم: أي أعمال الصلاة].
روى البخاري(4261)، عن ابن عمر رضي الله عنهما، في وصفه صلاة الخوف وبعد ذكره الكيفيتين السابقتين، قال: وبعد فإن كان وصفه خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم، أو ركباناً، مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبدالله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله e .
وعند مسلم (839): فصلً راكباً أو قائما، تومئ إيماء.
وبعذر في هذه الحالة في كل ما يقع منه من حركات تستدعيها ظروف القتال، إلا أنه لا يعذر في الكلام والصياح، إذ لا ضرورة تستدعي ذلك، وإذا أصابته نجاسة لا يعفا عنها كدم ونحوه، صحت صلاته ووجب عليه القضاء فيما بعد:
واعلم أن هذه الصلاة يرخص فيها بهذا الشكر عند كل قتال مشروع، وفي كل حالة يكون فيها المكلف في خوف شديد، كما إذا كان فاراً من عدو، أو حيوان مفترس، ونحو ذلك.
والمنظور إليه في مشروعية هذه الكيفية هو الحفاظ على أداء الصلاة في وقتها المحدد لها، امتثالاً لأمر الشارع حيث يقول: ) إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً( [النساء 103].
حكمة مشروعية صلاة الخوف:
والحكمة من مشروعية هذه الكيفيات في الصلاة التيسر على المكلف، كي يتمكن من أداء هذه الفريضة، وهو أحوج ما يكون إلى الصلة بالله عز وجل، يستمد منه العون والنصرة، وهو يقارع الكفرة في ميادين القتال، فيطمئن قلبه بذكر ربه جل وعلا، وتزداد ثقته بنصره وتأييده، وثبت قدمه في أرض المعركة، حتى يندحر الباطل ويكتب لأهل الحق الفوز والفلاح، وصدق الله العظيم إذ يقول: )يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون( [الأنفال: 45].
ومن الجدير بالذكر أن صلاة الخوف، بكيفياتها السابقة تمكن الجندي المسلم من أقامة الصلاة دون حرج، مهما اختلفت أساليب القتال وتنوعت وسائل الحرب، على اختلاف الزمان والمكان، ولا سيما المتقاتلة، كما هو الحال في كثير من المواقف القتالية الحديثة.
الصلاة لا تسقط بأي حال:
يتبين مما سبق أن الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال مهما اشتد العذر، ما دام التكليف قائماً، والحياة مستمرة. ولكن الله عز وجل رخص في تأخيرها كالجمع بين الصلاتين أو قصرها كصلاة المسافر، أو التسهيل في كيفية أدائها كصلاة الخوف وصلاة المريض، وذلك حسب الأسباب والظروف.
*****
صَلاَة الجمُعَة
·   مشروعيتها:
صلاة الجمعة مشروعة، وهي من الفضائل التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة التي هديت للفوز بمكرمات هذه اليوم.
روى البخاري (836)، ومسلم(855)، عن أبي هريرة t أنه سمع رسول الله e يقول: “نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلقوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد”.
[الآخرون: وجوداً في الدنيا. السابقون: في الفصل والأجر ودخول الجنة. بيد: غير. الكتاب: الشريعة السماوية. هذا يوم الجمعة. فرض عليهم: أن يتقربوا إلى الله تعالى فيه].
وقد فرضت بمكة قبيل الهجرة، إلا أنها لم تقم في مكة لضعف أسعد بن زرارة t. روى ذلك أبو داود (1069) وغيره، من كعب بن مالك t.
·   دليل مشروعيها
دلّ على مشروعيتها الجمعة ووجوبها قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إذا نودي إلى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ودروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون( [الجمعة:9].
وأحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو داود (1067)، عن طارق بن شهاب t، عن النبي e قال: “الجمعة حق واجب على كل مسلم…”
وما رواه مسلم (865) وغيره، عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما، أنهما سمعا النبي e يقول على أعواد منبره: “لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين”.
[ودعهم: تركهم].
·   الحكمة من مشروعيتها:
لمشروعية صلاة الجمعة حكم وفوائد كثيرة، لا مجال لاستقصائها في هذا المكان، ومن أهمها تلاقي المسلمين على مستوى جميع أهل البلدة، في مكان واحد ـ هو المسجد الجامع ـ مرة كل أسبوع، يلتقون على نصيحة تجمع شمالهم وتزيدهم وحدة وتضامناً، كما تزيدهم ألفة وتعارفاً وتعاوناً، وتجعلهم واعين متنبهين للأحداث التي تجد من حولهم كل أسبوع، وتشدهم إلى إمامهم الأعظم الذي ينبغي أن يكون هو الخطيب فيهم، والواعظ لهم. فهي إذاً مؤتمر أسبوعي يتلاقى فيه المسلمون صفاً واحداً، وراء قائدهم الذي هو إمامهم وخطيبهم فيه.ولذلك أكثر الشارع من الحث على حضورها، والتحذير من تركها والتهاون في شانها، وقد مر بك شيء من هذا، وسيأتي بعض منها فيما يلي من كلام، وحسبنا في هذا قوله e : “من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه”.
·   شروط وجوبها:
تجب صلاة الجمعة على من وجدت فيه الشروط السبعة التالية:
الأول ـ الإسلام:
فلا تجب وجوب مطالبة في الدنيا على الكافر، إذ هو مطالب فيها بأساس العبادات والطاعات كلها ألا وهو الإسلام، أما في الآخرة فهو مطالب بها بمعنى أنه يعاقب عليها.
الثاني ـ البلوغ:
فلا تجب على الصبي لأنه غير مكلف.
الثالث ـ العقل:
إذ المجنون غير مكلف أيضاً.
الرابع ـ الحرية الكاملة:
فلا تجب صلاة الجمعة على الرقيق، لأنه مشغول بحق سيده، فكان مانعاً عن وجوبها في حقه.
الخامس ـ الذكورة:
فلا تجب على النساء، لانشغالهن في الأولاد وشؤون البيت، وحصول المشقة لهن بوجوب الحضور في وقت مخصوص ومكان معين.
السادس ـ الصحة الجسمية:
فلا تجب على المريض الذي يتألم بحضور المسجد أو بانحباسه فيه إلى انقضاء الصلاة، أو الذي يزداد مرضه شدة بحضوره، أو يزداد طولاً بأن يتأخر برؤه، ويلحق بالمريض الشخص الذي مرضه ويخدمه، ولا يوجد من يقوم مقامه خلال ذهابه إلى الصلاة، مع حاجة المرض إليه، سواء كان الممرض قريباً أم لا، فلا تجب عليه صلاة الجمعة.
السابع ـ الإقامة بمحل الجمعة:
فلا تجب على مسافر سفراً مباحاً ولو قصيراً، إذا كان قد بدأ سفره قبل فجر يوم الجمعة، وكان لا يسمع في المكان الذي هو فيه صوب الأذان من بلدته التي سافر منها. وكذلك المستوطن في محل لا تصح فيه الجمعة، كقرية ليس فيها أربعون مستوطنون خالون من الأعذار، إذا لم يسمع صوت الأذان من الطرف الذي يلي القرية من بلد الجمعة إلى الطرف الذي يقابله من القرية.
ودلّ على هذه الشروط قوله e: “الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض” [رواه أبو داود:1067].
وخبر الدارقطني (2/3) وغيره، عن النبي e: “من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافر وعبداً ومريضاً”.
ولحديث أبي داود (1056): ” الجمعة على كل من سمع النداء”. أي الأذان.
·   شرائط صحتها:
فإذا توفرت هذه الشروط السبعة، وجبت صلاة الجمعة، إلا أنها لا تصح إلا بشروط أربعة:
الشرط الأول:
أن تقام في خطة أبنية، سواء كانت هذه الخطة ضمن أبنية بلدة، أو قرية يستوطنها ما لا يقل عن أربعين رجلاً ممن نجب عليهم صلاة الجمعة.
والمقصود بالبلدة: ما اجتمع فيه قاضٍ وحاكم، وكان فيه أسواق للبيع والشراء. والمقصود بالقرية: ما لم يوجد فيه ذلك.
فلا تصح صلاة الجمعة في الصحراء وبين الخيام، ولا في قرية لا يوجد فيها أربعون رجلاً تجب في حقهم صلاة الجمعة. فإن سمعوا الأذان من البلدة المجاورة لهم، وجب عليهم الخروج إليها لصلاة الجمعة، وإلا سقطت عنهم، كما ذكرنا ذلك عند الحدوث في شروط وجوب صلاة الجمعة.
ودليل هذا الشرط : أنها لم تقم في عصر النبي  صلى الله عليه وسلم  .
الشرط الثاني:
أن لا يقل العدد الذي تقام به صلاة الجمعة عن أربعين رجلاً من أهل الجمعة، أي ممن تنعقد بهم، وهم الذكور البالغون المستوطنون.
لما رواه البيهقي(1/177)، عن جابر عم عبدالله t قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. وجاء في حديث كعب بن مالك t، وكانوا يومئذ أربعين.
الشرط الثالث:
أن تقام في وقت الظهر، فلو ضاق وقت الظهر عنها، بأن لم يبق الجمعة، فخرج وقت الظهر وهم فيها، قلوبها ظهراً وأتموها أربع ركعات.
دل على هذا فعله  صلى الله عليه وسلم  لها في هذا الوقت .
روى البخاري(862)، عن أنس t : أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. أي إلى الغرب وهو الزوال.
وروى البخاري (3935)؛ ومسلم (860)، علن سلمة بن الأكوع t قال: كنا نصلي مع النبي  صلى الله عليه وسلم  الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه.
وعن سهل بن سعد t قال: ما كنا نقبل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة. (رواه البخاري:897؛ومسلم: 859) .
[ نقبل: من القيلولة وهي النوم عند الظهيرة للاستراحة. نتغدى: نتناول طعام الغداء].
فالأحاديث تدل على أنه  صلى الله عليه وسلم  ما كان يصليها إلا في وقت الظهر، بل وفي أول الوقت .
الشرط الرابع:
أن لا تعدد الجمعة في بلد واحد طالما كان ذلك ممكناً، بل يجب أن يجتمع أهل البلدة الواحدة في مكان واحد، فإن كثر الناس، وضاق المكان الواحد عن استيعابهم جاز التعدد بقدر الحاجة فقط.
فلو تعددت الجمعات في البلدة الواحدة بدون حاجة، لم يصح منها إلا أسبقها، والعبرة بالسبق البداءة لا الانتهاء، فالجمعة التي بدأ إمامها بالصلاة قبلاً، هي الجمعة الصحيحة، ويعتبر أصحاب الجمعات الأخرى مقصرين إذا انفردوا بجمعات متعددة،ولم يلتقوا جميعاً في أول جمعة بدأت في البلدة، فتكون جمعاتهم لذلك باطلة ويصلون في مكانها ظهراً.
فإن لم تعلم الجمعة السابقة فالكل باطل، ويستأنفون جمعة جديدة في مكان واحد إن أمكن ذلك واتسع الوقت، وإلا صلى الجميع ظهراً، جبراً للخلل، بل تداركاً للبطلان.
ودليل هذا الشرط:
إن الجمعة لم تقم في عصر النبي  صلى الله عليه وسلم  والخلفاء الراشدين وعصر التابعين، إلا في موضع واحد من البلدة، فقد كان في البلدة مسجد كبير يسمى المسجد الجامع، أي الذي تصلى فيه الجمعة، أما المساجد الأخرى فقد كانت مصليات للأوقات الخمسة الأخرى.
روى البخاري(860)؛ ومسلم(847)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي…
[ ينتابون: يأتون مرة بعد مرة . العوالي: مواضع شرق المدينة.
أقربها على بعد أربعة أميال أو ثلاثة من المدينة].
وروى البخاري (852)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في مسجد عبدالقيس، بجواثي من البحرين.
والحكمة من هذا الشرط: أن الانتصار على مكان واحد أفضى إلى المقصود، وهو إظهار شعار الاجتماع وتوحيد الكلمة، بل التناثر في أماكن متفرقة بدون حاجة ربما هيأ أسباب الفرقة والشقاق.
·  فرائض الجمعة:
o تتكون شعيرة الجمعة من فرضين، هما أساس هذه الركن الإسلامي العظيم.
الفريضة الأولى – خطبتان، أولهما شروط هي:
1- أن يقوم الخطيب فيهما إن استطاع ، ويفصل بينهما بجلوس:
وذلك لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة t أنه  صلى الله عليه وسلم  كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قائماً.
وروى البخاري(878)ومسلم(861) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم  يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن.
2- أن لا تؤخر عن الصلاة:
وذلك للاتباع المعلوم من مجموع الأحاديث الواردة في الجمعة، ولإجماع المسلمين على ذلك.
3- أن يكون الخطيب طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن نجاسة غير معفو عنها في ثوبه وبدنه ومكانه، وأن يكون ساتر العورة:
إذ الخطبة كالصلاة، ولذلك كانت الخطبتان عوضاً عن ركعتين من فريضة الظهر، فاشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة ونحوها.
4- أن تتلى أركان الخطبة باللغة العربية: 
على الخطيب أن يخطب باللغة العربية وإن لم يفهمها الحاضرون فإن لم يكن ثمة من يعلم العربية، ومضى زمن أمكن خلاله تعلمها أثموا جميعاً، ولا جمعة لهم، بل يصلونها ظهراً.
أما إذا لم تمض مدة يمكن تعلم العربية خلالها، ترجم أركان الخطبة باللغة التي يشاء، وصحت بذلك الجمعة.
5- الموالاة بين أركان الخطبة، وبين الخطبتين الأولى والثانية، وبين الثانية والصلاة:
فلو وقع فاصل طويل في العرف بين الخطبة الأولى والثانية، أو بين مجموع الخطبتين والصلاة، لم تصح الخطبة، فإن أمكن تداركها وجب ذلك، وإلا انقلبت الجمعة ظهراً.
  6- أن يسمع أركان الخطبتين أربعون من تنعقد بهم الجمعة.
* ثم إن للخطبتين أركاناً هي:
   1- حمد الله تعالى، بأي صيغة كان.
2- الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  بأي صيغة من الصلوات.
بشرط أن يذكر اسمه الصريح: كالنبي أو الرسول أو محمد، فلا يكفي ذكر الضمير بدلاً من الاسم الصريح.
3- الوصية بالتقوى، بأي الألفاظ والأساليب كانت:
فهذه الأركان الثلاثة أركان لكلا الخطبتين،لا يصح كل منهما إلا بها.
 4- قراءة آية من القرآن في إحدى الخطبتين:
ويشترط أن تكون الآية مفهمة وواضحة المعنى، فلا يكفي قراءة آية من الحروف المنقطة أوائل السور.
5- الدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية، بما يقع عليه اسم الدعاء عرفاً.
 
 
الفريضة الثانية – صلاة ركعتين في جماعة:
روى النسائي (3/111)، عن عمر t قال: صلاة الجمعة ركعتان..على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  .
وجاء حديث أبي داود السابق: “الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة..” وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وإنما يشترط إدراك الجماعة بركعة واحدة منها، فإن أدركها صحت وإلا وجب تحويلها ظهراً. ويجب أن لا يقل المقتدون عن أربعين ممن تنعقد بهم صلاة الجمعة.
وعلى ذلك، لو جاء مسبوق فاقتدى بالإمام في الركعة الثانية، أدركه بعد القيام من ركوع الركعة الثانية، لم تقع صلاة جمعة، وإنما يتم بعد سلام إمامه ظهراً.
وعلى ذلك أيضاً، لو اقتدى المصلون الإمام في الجمعة، وأتموا معه ركعة، ثم طرأ سبب اقتضى مفارقة المصلين أو بعضهم للإمام، وإتمام كل منهم صلاته لنفسه مفرداً، فإن جمعتهم صحيحة. أما لو طرأ هذا السبب قبل انتهاء الركعة الأولى، فإن صلاتهم لا تصح جمعة، وتنقلب في حقهم ظهراً.
ودليل ما سبق ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته”.
·  آداب الجمعة وهيئاتها:
ليوم الجمعة وصلاتها آداب مسنونة، ينبغي الاهتمام بها والدأب عليها، وهي:
1- الغسل:
لخبر: “إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل”.(رواه البخاري:387؛ومسلم:844).
وإنما صرف الأمر هنا عن الوجوب إلى الاستحباب للحديث الذي رواه الترمذي: “من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل” .
 [فبها ونعمت: أي فبالسنة عمل، ونعمت السنة].
2- تنظيف الجسد من الأوساخ والروائح الكريهة والأدهان والتطيب:
ولذلك لئلا يتأذى به أحد من الناس، بل ليألفوه ويسروا باللقاء به.
وقد علمت أن من رخص ترك صلاة الجمعة أن يكون قد أكل ذا ريح كريه يتأذى به الناس.
روى البخاري(843)، عن سلمان الفارسي t قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم  : “لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى”.
3- لبس أحسن الثياب:
روى أحمد(3/81)، وغيره، عنه  صلى الله عليه وسلم  قال: “من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس أحسن ثيابه، ومس طيباً إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخط أحداً ولم يؤذه، ثم ركع ما قضي له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام، غفر له ما بين  الجمعتين” ؟
والأفضل أن تكون الثياب بيضاً، لما رواه الترمذي(994) وغيره،أنه  صلى الله عليه وسلم  قال:”البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم” .
4- أخذ الظفر وتهذيب الشعر:
لخبر البزار في مسنده: أنه صلى الله عليه وسلم  كان يقلم أظافره ويقص شاربه يوم الجمعة.
5- التبكير إلى المسجد:
روى البخاري (841) ومسلم(850)، عن أبي هريرة t أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:”من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر”.
[غسل الجنابة: أي كغسل الجنابة من حيث الهيئة. راح: ذهب].
قرب: تصدق بها تقرباً إلى الله تعالى. بدنة: هي واحدة الإبل تهدي إلى بيت الله الحرام. أقرن: له قرنان، وهو أكمل وأحسن صورة، وقد ينتفع بقرنه. خرج الإمام: صعد المنبر للخطبة. الذكر: الموعظة وفيها من ذكر الله عز وجل].
6- صلاة ركعتين عند دخول المسجد:
روى مسلم(875)، عن جابر t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : “إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما”. أي يخففهما مع الإتيان بهما كاملة الأركان والسنن والآداب.
هذا إذا لم يبلغ الخطيب أواخر الخطبة، وإلا فلينظر قيام الصلاة المكتوبة. وتفوت هاتان الركعتان بجلوسه، فإن جلس لم يصح منه بعد صلاة نافلة، بل يجب أن يظل جالساً ينصت إلى الخطبة حتى تقام الصلاة.
7- الإنصات للخطبتين:
روى البخاري في صحيحه(892) ومسلم(851) وغيرهما، عن أبي هريرة t، أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:”إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت”. وعند أبي داود (1051) من رواية علي t: “ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ” . أي لم يحصل له الفضل المطلوب، والثواب المرجو.
واللغو: هو ما لا يحسن من الكلام.
آداب عامة ليوم الجمعة:
يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ولن سنن وآداب، ينبغي أن يكون المسلم على بينة منها، ليبق منها ما يمكنه تطبيقه، وإليك بعضاً منها:
أولاً: تسن قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وليلتها:
روى النسائي عن أبي سعيد الخدري t ، أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:”من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين”.
ثانياً: يسن الإكثار من ا لدعاء يومها وليلتها:
لما روى البخاري(893) ومسلم(852) أن النبي  صلى الله عليه وسلم  ذكر يوم الجمعة فقال: ” فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه” . وأشار بيده يقللها، أي يبين أنها فترة قصيرة من الزمن.
ثالثاً: يسن الإكثار من الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  في يومها وليلتها: لحديث: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي”.(رواه أبو داود: 1047؛ وغيره بأسانيد صحيحه).
*****


صلاة النّفْـل
 
النّفْل لغة الزيادة، واصطلاحاً: ما عدا الفرائض.
وسمِّي بذلك، لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى.
والنفل يُرادف السنة، والمندوب، والمستحب.
صلاة النَّفْل قسمان: قسم لا يسن فيه لجماعة، وقسم يسن فيه الجماعة.
القسم الأول ـ وهو الذي لا يسن فيه الجماعة، قسمان أيضاً:
قسم يعتبر تابعاً للصلوات المكتوبة، التي مضى بيانها.
وقسم يعتبر نافلة غير تابعة للفرائض. وسنشرح كلا منهما على حدة.
( أ ) النفل التابع للفرائض:
هذا النفل قسمان مؤكد، وغير مؤكد.
أما المؤكد: فهو عبارة عن ركعتين قبل الصبح، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
روى البخاري (1126) ومسلم (729)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي e عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدهما، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي e فيها.
وآكد هذه الركعات ركعتا الفجر، لما روى البخاري (1116) ومسلم (724)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي e على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.
[النوافل: جمع نافلة، وهي ما زاد على الفرض. أشد تعاهداً: أكثر محافظة].
وأما غير المؤكد:
ـ فركعتان أخريان قبل الظهر، روى البخاري (1127)، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي e كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة، أي صلاة الفجر. ولمسلم (730): كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين.
ويزيد ركعتين أيضاً بعدها، لما رواه الخمسة وصححه الترمذي (427،428) عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي e يقول: ” من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرمه الله على النار “.
والجمعة كالظهر فيما مر، لأنها بدل عنها، فيسن قبلها أربع ركعات، ركعتان مؤكدتان وركعتان غير مؤكدتان، كذلك بعدها.
روى مسلم(881)، عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: ” إذا صلى أحكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً “.
وروى الترمذي (523) أن ابن مسعود t كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. والظاهر أنه توقيف، أي علمه من فعل النبي e.
ـ أربع ركعات قبل فريضة العصر، لما رواه الترمذي (430) وغيره، عن على t : كان النبي e يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم.
ـ وركعتان خفيفتان قبل صلة المغرب، لما رواه البخاري(599) ومسلم (837) واللفظ له، عن أنس t قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين، حتى أن الغريب ليدخل فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما.
[ابتدروا السواري: جمع سارة وهي الدعامة التي يرفع عليها وغيرها السقف، وتسمى أسطوانة. وابتدروها: أي تسارعوا إليها ووفق كل واحد خلف واحدا منها. ركعتين ركعتين: أي كل واحد يصلي ركعتين لا يزيد عليهما].
ومعنى كونها خفيفتين: أنه لا يأتي زيادة على أدنى ما تتحقق به أركان الصلاة وسننها وآدابها.
ـ ويستحب ـ أيضاً ـ أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل صلاة العشاء، لما رواه البخاري(601) ومسلم (838)، عن عبد الله بن مغفل t قال: قال النبي e : ” بين كل أذانين صلاة، ثلاثاً لمن شاء ” وفي رواية: ” بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء “.
[الأذانين: الأذان والإقامة].
(ب) النفل الذي لا يتبع الفرائض:
وهذا النفل ينقسم أيضاً إلى قسمين: نوافل مسماة ذات أوقات معينة، ونوافل مطلقة عن التسمية والوقت.
·  النوافل المسماة ذات الأوقات المعينة هي:
1ـ تحية المسجد:
وهي ركعتان قبل الجلوس لكل دخول إلى المسجد، ودليلها حديث البخاري (433) ومسلم (714): ” فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين “.
وتحصل التحية بالفرض، أو بأي نفل آخر، لأن المقصود أن لا يبادر الإنسان الجلوس في المسجد بغير صلاة.
2ـ الوتر:
وهي سنة مؤكدة، وإنما سميت بذلك، لأنها تختم بركعة واحدة، على خلاف الصلوات الأخرى.
روى الترمذي( 453) وغيره،عن علي t قال: إن الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّ رسول الله e.
وعنده وعند أبي داود (1416) قال رسول الله e: ” يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر “.
وقت الوتر: ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، والأفضل أن يؤخرها إلى آخر صلاة الليل. روى أبو داود (1418) أن النبي e قال: ” إن الله عز وجل أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر”. وروى البخاري( 953) ومسلم (749)، عن النبيe قال: ” إجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً “.
هذا إن رجا الإنسان أن يقوم من آخر الليل، أما من خاف أن لا يقوم، فليوتر بعد فريضة العشاء وسنتها.
روى مسلم (755) عن جابر t قال: قال رسول الله e : ” من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل “. مشهودة: أي تحضرها الملائكة.
وروى البخاري (1880) ومسلم (721) عن أبي هريرة t قال: أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد. أي أصلي الوتر قبل أن أنام .
وأقل الوتر ركعة، لكن يكره الاقتصار عليها، وأقل الكمال ثلاث ركعات: ركعتان متصلتان، ثم ركعة منفردة. ومنتهى الكمال فيها إحدى عشر ركعة، يسلم على رأس كل ركعتين، ثم يختم بواحدة:
روى مسلم (752)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: ” الوتر ركعة من آخر الليل “.
وروى البخاري (1071) ومسلم (736) وغيرهما ـ واللفظ له ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله e يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الإيمان حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
[ركعتين خفيفتين: هما سنة الفجر].
وروى أبو داود (1422)، عن أبي أيوب t قال: قال رسول الله e: ” الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل “.
[حق: مشروع ومطلوب].
3ـ قيام الليل:
وهو ما يسمى بالتهجد إن فعل بعد النوم، والتهجد: ترك الهجود،والهجود: النوم، أي ترك النوم.
وقيام الليل سنة غير محددة بعدد من الركعات، تؤدى بعد الاستيقاظ من النوم، وقبل أذان الفجر.
ودليل مشروعية قيام الليل قوله تعالى: ) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا { (سورة الإسراء:79) أي اترك الهجود ـ وهو النوم ـ وقم فَصلَّ واقرأ القرآن.
[ نافلة لك: زيادة على الفرائض المفروضة عليك خاصة].
وروى مسلم(1163) وغيره، عن أبي هريرة t قال: سئل رسول الله e : أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال:” الصلاة في جوف الليل”.
[ المكتوبة: المفروضة. جوف الليل: باطنه وساعات التفرغ فيه للعبادة].
4- صلاة الضحى:
وأقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات.
روى البخاري(1880)؛ ومسلم(721)، عن أبي هريرة t قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ: صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن توتر قبل أن أرقد.
وروى البخاري(350)؛ ومسلم(336) واللفظ له، في حديث أم هاني رضي الله عنها:أنه لما كان عام الفتح، أتت رسول الله e وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله e إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه والتحق به، ثم صلى ثماني ركعات سُبْحَة الضحى. أي صلاة الضحى.
والأفضل أن يفصل بين ركعتين، لما جاء في رواية أبي داود(1290) عنها: أن رسول الله e صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثماني ركعات، ويسلم من كل ركعتين.
ووقتها من ارتفاع الشمس حتى الزوال، والأفضل فعلها عند مُضي ربع النهار.
روى مسلم(784) وغيره، عن زيد بن أرقم t قال: خرج النبي e على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال:” صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال”.
[ الأوابين: جمع أواب ، وهو الراجع إلى الله تعالى. رمضت الفصال: احترقت من حر الرمضاء، أي وجدت حر الشمس، والرمضاء في الأصل الحجارة الحامية من حر الشمس، والمراد ارتفاع النهار.
والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة ].
5- صلاة الاستخارة:
وهي صلاة ركعتين في غير الأوقات المكروهة. وتسنّ لمن أراد أمراً من الأمور المباحة، ولم يعلم وجه الخير في ذلك، ويسنّ بعد الفراغ من الصلاة أن يدعو بالدعاء المأثور، فإن شرح الله صدره بعد ذلك للأمر فعل وإلا فلا.
روى البخاري (1109) وغيره، عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كان رسول الله e يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: ” إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة”، ثم ليقل: ” اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فأقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته “.
·  النوافل المطلقة عن التسمية والوقت:
وهي أن يصلي من النوافل ما شاء في أي وقت شاء، إلا في أوقات معينة يكره فيها الصلاة، وقد بيّناها فيما مضى.
وروى ابن ماجه أن النبي e قال لأبي ذر t: ” الصلاة خير موضوع، استكثر أو أقل “.
هذا واعلم أنه يستحب في النفل المطلق أن يسِّم من كل ركعتين ليلاً كان أو نهاراً.
ودليل ذلك حديث البخاري(946)؛ ومسلم (749): ” صَلاة الليل مثنى مثنى” ( أخرجه أبو داود: 1295، وغيره). والمراد بالمثنى أن يسلم من كل ركعتين.
القسم الثاني – وهو الذي يسن فيه الجماعة:
كان ما ذكرنا كله فيما يتعلق بالنوافل التي لا تستحب فيها الجماعة، أما النوافل التي تستحب فيها الجماعة، فهي:
صلاة العيدين، صلاة التراويح، صلاة الكسوف والخسوف، صلاة الاستسقاء. وسنذكر كل واحدةٍ على حدة.
*****


صَلاَة العيــدَيْن
معنى العيد:
العيد مشتقِّ من العَوْد، وذلك إما لتكرره كل لعام، أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله فيه على العباد.
زمن مشروعيتها والدليل عليها:
شرعت صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى في السنة الثانية للهجرة، وأول عيدٍ صلاَّة النبيe عيد الفطر من السنة الثانية للهجرة.
أما الأصل في مشروعيتها:
فقوله عز وجل خطاباً لنبيه عليه الصلاة والسلام: ) فصل لربك وانحر( [الكوثر:2]. قالوا: المقصود بالصلاة صلاة عيد الأضحى.
وروى البخاري(913)؛ ومسلم(889)، عن أبي سعيد الخدري t قال: كان رسول الله يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيكون مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيءٍ أمر به، ثم ينصرف.
[ يقطع بعثاً: يفرد جماعة من الناس ليبعثهم إلى الجهاد].
حكم صلاة العيد:
هي سنَّة مؤكدة، لأنه e لم يتركها منذ شرعت حتى توفَّاه الله عز وجل، وواظب عليها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من بعده.
وتشرع جماعة، يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري t السابق، وتصح فرادى.
ويخاطب بها كل مكلف رجلاً كان أو امرأة، مقيماً كان أو مسافراً، حراً كان أو رقيقاً، إلا للمرأة المتزينة، أو التي قد تثير الفتنة، فتصلي في بيتها.
ودلّ على عدم الوجوب قوله e للسائل عن الصلاة المفروضة ” خمس صلوات في اليوم والليلة”، قال: هل على غيرها؟ قال: ” إلا أن تطوع ” (رواه البخاري:46؛ ومسلم:11).
وعند أبي داود (1420): ” خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد؛ إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة”.
وروى البخاري(928)؛ ومسلم(890)، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها:كنّا نؤْمرُ أن نخرُج يوم العِيد، حتى نُخرج البِكْرَ من خُدرها، حتى نخرج الحيض فَيكنَّ خَلفَ النّاس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرَتَه. وفي رواية قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: ” لتلبسها صاحبتها من جلبابها “.
[البكر: التي لم يسبق لها الزواج. خدرها: ناحية في البيت يترك عليها ستر،كانت تجلس في البكر استحياءً. الحُيَّض: جمع حائض. خلف الناس: أي غير مكان الصلاة، وفي رواية: ويعتزل الحُيّض عن مصلاَّهُنَّ . طهرته: ما فيه من تكفير الذنوب. جلباب: ملحفة تستر البدن أعلاه أو أسفله. لتلبسها: بأن تعيرها جلباباً من جلابيبها].
ولا يسنُّ لها أذانٌ ولا إقامة بل ينادي لها: ” الصلاة جامعة “. روى البخاري (916)؛ ومسلم (886)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة.
وعند البخاري (917)؛ ومسلم (886)، عن ابن عباس وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.
وقت صلاة العيد:
يبدأ وقتها بطلوع الشمس، ويستمر إلى زوالها، يدل على هذا ما رواه البخاري (908)، عن البراء t قالت: سمعت رسول الله e يخطب فقال: ” إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي..”. واليوم يبدأ بطلوع الفجر، والوقت مشغولاً بصلاة الفجر، قبل طلوع الشمس، وبصلاة الظهر بعد زوالها.
ووقتها المفضل عند ارتفاع الشمس قدر رمح، لمواظبة النبي e على صلاتها في ذلك الوقت.
كيفيتها:
صلاة العيد ركعتان، يبدأهم بتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ دعاء الافتتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات يرفع عند كل منها يده إلى محاذاة كتفيه كتكبيرة الإحرام، يفصل بين كل اثنتين بقدر آية معتدلة، ويسن أن يقول بينهما: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة ثم يضم إليها سورة أو بعض آيات. فإذا قام إلى الركعة الثانية كبر خمس تكبيرات، عدا تكبيرة الانتقال قبل أن يبدأ القراءة، وفصل بين كل تكبيرة وأخرى بما ذكرنا.
وهذه التكبيرات الزائدة على المعتاد سنة، فلو نسيها وشرع في القراءة فاتت وصحت صلاته.
والأصل فيما سبق: ما رواه النسائي (3/111) وغيره، من حديث عمر t قال: صلاة الفطر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان..ثم قال: على لسان محمد eوعلى هذا الإجماع.
وروى عمرو بن عوف المزني t: أن النبي e كبّر في العيدين، في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة. (رواه الترمذي:536). وقال: هو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي e.    الخطبة في العيد:
ويسن بعد الفراغ من صلاة العيد خطبتان، نوجز لك كيفيتهما فيما يلي:
1ـ ينبغي أن تليا صلاة العيد، أي بعكس خطبة الجمعة، وذلك تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.
روى البخاري (920)؛ ومسلم (888)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبيe وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يصلون العيدين قبل الخطبة.
وروى البخاري(932)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرجت مع النبي  صلى الله عليه وسلم  يوم فطر وأضحى، فصلى ثم خطب.
فلو قدم الخطبة على الصلاة لم تعتد بها.
2- كل ما ذكرناه من أركان خطبتي الجمعة وسنتهما، ينطبق على خطبة العيد أيضاً.
روى الشافعي رحمه ا لله تعالى، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود t قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، ، يفصل بينهما بجلوس.
3- يسن أن يبدأ الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والخطبة الثانية سبع تكبيرات.
روى البيهقي عن عبدالله المذكور سابقاً قال: السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى. أي متتالية.
أين تقام صلاة العيد؟
تقام صلاة العيد بالمسجد أو الصحراء، وأفضلها أكثرهما استيعاباً للمصلين، فإن تساويا كان المسجد أفضل لشرفه على غيره، إذ ينال المسلم بالصلاة فيه أجر العبادة وأجر المكث في المسجد.
وإنما صلاها النبي  صلى الله عليه وسلم  بالصحراء لضيق مسجده إذ ذاك عن الاستيعاب، وقد علمت أنها تشرع جماعة للرجال والنساء وعام المكلفين.
فإذا كان المسجد متسعاً بحيث يستوعب جميع المصلين، برفق وراحة، لم يبق لأفضلية الصحراء معنى.
 التكبير في العيد:
يسن التكبير- لغير الحاج- بغروب الشمس ليلتي عيد الفطر والأضحى، في المنازل والطرق والمساجد والأسواق. بصوت مرتفع، إلى أن يحرم الإمام لصلاة العيد. وذلك لقوله تعالى:} ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون{ [البقرة:185]. قالوا: هذا في تكبير عيد الفطر، وقيس به الأضحى.
ثم يسن في عيد الأَضحى لكل من الحاج وغيره أن يكبر عقب الصلوات بأنواعها المختلفة بدءاً من صبح يوم عرفة إلى ما بعد عصر آخر يوم من أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد الأضحى .
أما في عيد الأضحى فلا يسن التكبير عقب الصلوات، بل ينقطع استحبابه عندما يحرم الإمام لصلاة العيد كما قلنا.
ودليل ذلك كله لاتباع لفعل الرسول  صلى الله عليه وسلم ، وما واظب عليه أصحابه رضي الله عنهم. فعن علي وعمار رضي الله عنهما: أم النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يكبر يوم عرفة، صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق (رواه الحاكم:1/229)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوباً إلى الجرح.
[صلاة الغداة: صلاة الفجر].
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر في قبته بمنى، فسمعه أهل المسجد يكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مني تكبيراً. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه في فسطاطه ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعاً. (البخاري: كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى).
[فسطاطه: الفسطاط البيت المتخذ من شعر ونحوه].
صيغة التكبير المفضلة:
” الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد “.
من آداب العيد:
1- أن يغتسل ويتطيب ويلبس الجديد من ثيابه، لما مرَّ في الجُمعة.
2- يسنّ أن يُبَكِّر الناس بالحضور إلى المسجد صباح العيد.
3- يسن في عيد الفطر أن يأكل شيئاً قبل خروجه إلى الصلاة.
أمَّا في عيد الأضحى فيُسنُّ له أن يمسك عن الطعام حتى يعود من الصلاة.
4- يسن للمصلِّي أن يذهب ماشياً إلى المصلَّى أو المسجد في طريق، وأن يعود في طريق أخرى. روى البخاري (943)، عن جابر t قال: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
5- يكره للإمام أن ينتقل قبل صلاة العيد، ولا يكره لغيره ذلك بعد طلوع الشمس.
روى البخاري (945)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما.
*****


زَكاةُ الفِّـطْر
تعريفها:
هي قدر معين من المال، يجب إخراجه عند غروب الشمس آخر يوم من أيام رمضان، بشروط معينة، عن كل مكلف ومن تلزمه نفقته.
مشروعيتها:
المشهور في السنة أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة، في العام الذي فرض فيه صوم رمضان.
والأصل في وجوبها: ما رواه البخاري (1433)؛ ومسلم (984) واللفظ له، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
شروط وجوبها:
تجب زكاة الفطر بثلاثة شروط:
الأول – الإسلام:
فلا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا، للحديث السابق ذكره عن ابن عمر رضي الله عنهما.
الثاني- غروب شمس آخر يوم من رمضان:
فمن مات بعد غروب ذلك اليوم، وجبت زكاة الفطر عنه، سواء مات بعد أن تمكن من إخراجها، أم مات قبله، بخلاف من ولد بعده.
ومن مات قبل غروب شمسه لم تجب في حقه، بخلاف من ولد قبله.
الثالث- أن يوجد لديه فضل من المال، يزيد عن قوته وقوت عياله ف يوم العيد وليلته، وعن مسكن، وخادم إن كان بحاجة إليه:
فلو كان ماله لا يكفي لنفقات يوم العيد وليلته، بالنسبة له ولمن تجب عليه نفقتهم، لم تلزمه زكاة الفكر، ولو كان لديه مال يكفي يوم العيد وليلته، ولكنه لا يكفي لما بعد ذلك، تجب عليه الزكاة ولا عبرة بما بعد يوم العيد وليلته.
الذين يجب على المكلف إخراج زكاة الفطر عنهم:
يجب على من توفرت لديه هذه الشرائط الثلاثة، أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وعمن تلزمه نفقتهم، كأصوله وفروعه، وزوجته.
فلا يجب أن يخرجها عن ولده البالغ القادر على الاكتساب، ولا عن قريبه الذي لا يكلف بالإنفاق عليه، بل لا يصح أن يخرجها عنه إلا بأذنه وتوكيله.
فإذا أيسر بشئ لا يكفي عن جميع أقاربه الذي يكلف بنفقتهم، قدم نفسه، ثم زوجته، فولده الصغير،فأباه، فأمه، فولده الكبير العاجز عن الكسب.
زكاة الفطر جنساً وقدراً:
زكاة الفطر هي صاعً من غالب قوت البلد الذي يقيم فيه المكلف، بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق. وعند البخاري (1439) عن أبي سعيد الخدري t قال: كنَّا نخرج في عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يوم الفطر صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِطُ والتمر.
والصاع الذي كان يستعمله رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إنما هو عبارة عن أربعة أمداد، أي حفنات، وهذه الحفنات الأربع مقدرة بثلاثة ألتار كيلاً، وتساوي بالوزن (2400) غراماً تقريباً.
فإذا كان غالب قوت بلدنا اليوم هو البُرُّ. فإن زكاة الفطر عن الشخص الواحد تساوي ثلاثة ألتار من الحنطة. ومذهب الإمام الشافعي أنه لا تجزئ القيمة، بل لا بدّ من إخراجها قوتاً من غالب أقوات ذلك البلد. إلا أنه لا بأس باتباع مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذه المسألة في هذا العصر، وهو جواز دفع القيمة، ذلك لأن القيمة أنفع للفقير اليوم من الفقير نفسه، واقرب إلى تحقيق الغاية المرجوة.
وقت إخراج زكاة الفطر:
أما وقت الوجوب، فقد قلنا إنه يبدأ بغروب شمس آخر أيام رمضان.
وأما الوقت الذي يجوز فيه إخراجها، فهو جميع شهر رمضان واليوم الأول من العيد.
يسنّ أداؤها صباح يوم العيد قبل الخروج إلى الصلاة. فقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي رواية عند البخاري (1432): ” وَأَمر بها أن تؤدَّي قبل خروج الناس إلى الصلاة “.
ويكره تأخيرها عن صلاة العيد إلى نهاية يوم العيد، فإن أخراها عنه أثِم ولزمه القضاء.
الأضـحية
معناها والأصل في مشروعيتها:
الأضحية: هي ما يذبح من الإبل أو البقر أو الغنم أو المعز، تقرباً إلى الله تعالى يوم العيد. والأصل في مشروعيتها قوله عز وجل:} فصل لربك وانحر {[الكوثر:2]، فإن المقصود بالنحر على أصح الأقوال نحر الضحايا.
وما رواه البخاري (5245) ومسلم (1966): أن النبي  صلى الله عليه وسلم  ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما.
[الأملح: من الضأن ما كان أبيض اللون أو كان البياض فيه هو الغالب، والأقرن: ذو القرنين العظيمين. صفاحهما: جمع صفحة، وهي جانب العنق].
الحكمة من مشروعيتها:
ينبغي أن تعلم أن الأضحية عبادة، وأن كل ما قد يكون لها من حكمة وفائدة يأتي بعد فائدة الخضوع للمعنى التعبدي الذي فيها، شأن كل عبادة من العبادات.
ثم إن من أبرز المعاني المتعلقة بالأَضحية إحياء معنى الضحية العظمى التي قام بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذ ابتلاء الله تعالى بالأمر بذبح ابنه، ثم فداه الله بذبح عظيم كان كبشاَ أنزله الله إليه وأمره بذبحه، بعد أن مضى كل من إبراهيم وابنه عليهما السلام، ساعياً بصدق لتحقيق أمره عز وجل.
أضف إلى ذلك: ما فيها من المواساة للفقراء والمعوزين وإدخال الشرور عليهم وعلى الأهل والعيال يوم العيد، وما ينتج عن ذلك من تمتين روابط الأخوة بين أفراد المجتمع المسلم، وغرس روح الجماعة والود في قلوبهم.
حكم الأضحية:
هي سنة مؤكدة، ولكنها قد تجب لسببين اثنين:
الأول: أن يشير إلى ما هو داخل في ملكه من الدواب الصالحة للأضحية، فيقول: هذه أضحيتي، أو سأضحي بهذه الشاة، مثلاً، فيجب حينئذ أن يضحي بها.
الثاني: أن يلتزم التقرب إلى الله بأضحيته، كأن يقول: لله تعالى علي أن أضحي، فيصبح ذلك واجباً عليه، كما لو التزم بأي عبادة من العبادات، إذ تصبح بذلك نذراً.
 
من هو المخاطب بالأضحية:
إنما تسن الأضحية في حق من وجدت فيه الشروط التالية:
1- الإسلام، فلا يخاطب بها غير المسلم.
2- البلوغ والعقل، إذ من لم يكن بالغاَ عاقلاً سقط عنه التكليف.
3- الاستطاعة، وتتحقق: بأن يملك قيمتها زائدة عن نفقته ونفقة من هو مسؤول عنهم، طعاماً وكسوة ومسكناً، خلال يوم العيد وأيام التشريق. 
ما يشرع التضحية به:
لا تصح الأَضحية إلا أن تكون من إبل، أو بقر، أو غنم ومنه الماعز. لقوله تعالى:  }ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام { [الحج:34]، والأنعام لا ترج عن هذه الأصناف الثلاثة، ولأنه لم ينقل عن النبي  صلى الله عليه وسلم  ولاعن أحد من الصحابة التضحية بغيرها.
وأفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم.
ويجوز أن يضحي بالبعير والبقرة الواحدة عن سبعة. روى مسلم (1318) عن جابر t قال: نحرنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
[ البدنة: واحدة الإبل ذكراً أم أنثى] .
شروطها:
السن: وشرط الإبل أن يكون قد طعن في السادسة من العمر.
وشرط البقر والمعز أن يكون قد طعن في الثالثة.
أما شرط الضأن فهو أن يكون قد طعن في الثانية، أو أجدع – أي سقطت أسنانه الأمامية- ولو لم يبلغ سنة، لما رواه أحمد (2/245)، عن أبي هريرة tقال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: ” نعمت الأضحية الجذع من الضأن “.
السلامة: ثم يشترط بالنسبة لهذه الأصناف الثلاثة كلها: أن تكون سالمة من العيوب التي من شأنها أن تسبب نقصاناً في اللحم: فلا تجزئ شاة عجفاء – وهي التي ذهب مخها من شدة هزالها- ولا ذات عرج بيِّن ، أو ذات عورٍ أو مرض، ولا مقطوعة بعد الأذن.  لما رواه الترمذي وصححه(1497) وأبو داود(2802) عن البراء بن عازب t عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” أربع لا تجزئ في الأَضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقي “.
[لا تنقي: أي لا مخ لها ، مأخوذة من النقي، بكسر النون وإسكان القاف، وهو المخ].
ويقاس على هذه العيوب الأربعة، كل ما يشبهها في التسبب في الهزال وإنقاص اللحم.
وقت الأَضحية:
يبتدئ وقتها بعد طلوع شمس يوم عيد الأضحى بمقدار ما يتسع لركعتين وخطبتين، ثم يستمر وقتها إلى غروب آخر أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
والوقت المفضَّل لذبحها، بعد الفراغ من صلاة العيد، لخبر البخاري (5225) ومسلم (1961): ” أول ما نبدأ به يومنا هذا تصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ” . ومعنى قوله: ومن ذبح قبل ذلك، أي قبل دخول صلاة العيد، ومضي الزمن الذي يمكن صلاتها فيه. وروى ابن حبان (1008)، عن جبير بن مطعم t قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” وكل أيام التشريق ذبح ” أي وقت للذبح.
ماذا يصنع بالأضحية بعد ذبحها:
إن كانت الأَضحية واجبة: بأن كانت منذورة أو معينة على ما أوضحنا لم يجز للمضحي ولا لأحد من أهله الذين تجب عليه نفقتهم، الأكل منها، فإن أكل أحدهم منها شيئاً غرم بدله أو قيمته.
وإن كانت الأَضحية مسنونة: جاز له أن يأكل قليلاً منها للبركة، ويتصدق بالباقي، وله أن يأكل ثلثها، ويتصدق بثلثها، ويتصدق بثلثها على الفقراء، ويهدي ثلثها لأصحابه وجيرانه وإن كانوا أغنياء. إلا أنّ ما يعطي للغني منها ما يكون على سبيل الهدية للأكل، فليس لهم أن يبيعوها، وما يعطي للفقير يكون على وجه التمليك، يأكلها أو يتصرف بها كما يشاء.
والأصل فيما سبق قوله تعالى: } والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا البائس الفقير{ [الحج:36]
[البدن: جمع بدنة، وهي ما يهدي المحرم من الإبل، وقيس عليها الأضاحي. شعائر الله: علائم دينه. صواف: قائمة على ثلاث قوائم. وجبت جنبوها: سقطت على الأرض. البائس: شديد الحاجة].
هذا، وللمضحي أن يتصدق بجلد أضحيته، أو ينتفع هو به. ولكن ليس له أن يبيعه أو أن يعطيه للجزار أجرة ذبحه، لأن ذلك نقصٌ من الأضحية يفسدها. ولما رواه البيهقي (9/294) عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” من باع جلد أضحيته فلا أضحية له “.
سنن وآداب تتعلق بالأضحية:
أولاً: إذا دخل عشر ذي الحجة، وعزم خلاله على أن يضحي، ندب له أن لا يزيل شيئاً من شعره وأظافره إلى أن يضحين فليمسك عن شعره وأظافره. لما رواه مسلم (1977)، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ” إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره “.
ثانياً: يسن له أن يتولى ذبحها بنفسه، فإن لم يفعل لعذر أو غيره، فليشهد ذبحها، لما رواه الحكام (4/222) بإسناد صحيح: إنه  صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: ” قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك” قالت: يا رسول الله، هذا لنا أهل البيت خاصة، أو لنا المسلمين عامة؟ قال: بل لنا وللمسلمين عامة “.
ثالثاً: يسنّ لحاكم المسلمين أو إمامهم أن يضحي من بيت المال عن المسلمين، فقد روى مسلم(1967) أنه  صلى الله عليه وسلم  ضحى بكبش، وقال عند ذبحه: ” باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد “.
ويذبحه بالمصلى، حيث يجتمع الناس لصلاة العيد، وأن ينحر أو يذبح بنفسه، روى البخاري في صحيحه (5232) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يذبح وينحر بالمصلي.
*****


صََلاََة التـّراويُح
وصلاة التراويح إنما تشرع في رمضان خاصة، وتسن فيها الجماعة وتصح فرادى.
وسميت بهذا الإسم لأنهم كانوا يتروحون عقب كل أربع ركعات، أي يستريحون. وتسمى قيام رمضان.
وهي عشرون ركعة في كل ليلة من ليالي رمضان، يصلي كل ركعتين بتسليمة، ووقتها بين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وتصلى قبل الوتر.
ولو صلى أربعاً بتسليمة واحدة لم تصح، لأنه خلاف المشروع.
هذا ولا بد من النية من تعيين: ركعتين من التراويح، أو من قيام رمضان، ولا تصح بنية النفل المطلق.
والأصل في مشروعيتها على ما سبق:
ما رواه البخاري(37) ومسلم(759) وغيرهما،عن أبي هريرةt قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه “.
[ إيماناً: تصديقاً بأنه حق. احتساباً: إخلاصاً لله تعالى ].
وروى البخاري (882) ومسلم (761) واللفظ له عن عائشة رضي الله عنها:أن النبي  صلى الله عليه وسلم  في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته .
ناسٌ ثم صلّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة- أو الرابعة – فلم يخرج إليهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، فلما أصبح قال: ” رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم”. وذلك في رمضان.
[ الذي صنعتم : أي اجتماعكم للصلاة وانتظاري ].
وروى البخاري(906)، عن عبدالرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر ابن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.
فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ كعب t، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم،فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
[ أوزاع: جماعات. الرهط: ما دون العشرة من الرجال. نعمت البدعة هذه: حسن هذا الفعل. والبدعة: ما استحدث على غير مثالٍ مستحسن فيه، وذميمة مرفوضة إن خالفته، أو اندرجت تحت مستقبح فيه، وإن لم تخالف الشرع ولم تندرج تحت أصل فيه كانت مباحة] .
وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح(2/496): أنهم كانوا يقومون على عهد عمر ابن الخطاب t شهر رمضان بعشرين ركعة. وروى مالك في الموطأ(1/115): كان الناس في زمن عمرt يقومون في رمضان بثلاثٍ وعشرين ركعة. وجمع البيهقي بين الروايتين بأن الثلاث كانت وتراً.
*****


صَلاَة الكسُوف وَالخسُوف
التعريف بهما وزمن مشروعيتهما:
تطلق كلمة الكسوف لغة على احتجاب ضوء الشمس احتجاباً جزئياً أو كلياً، وتطلق كلمة الخسوف على احتجاب نور القمر جزئياً أو كلياً، ويجوز إطلاق كل من الكلمتين على كل من المعنيين.
وصلاة الكسوف والخسوف من الصلوات المشروعة لسبب، يلتجئ فيها المسلم إلى الله عز وجل أن يكشف البلاء ويعيد الضياء.
وقد شرعت صلاة الكسوف في السنة الثانية للهجرة، أما صلاة خسوف القمر فقد شرعت في السنة الخامسة منها.
حكمها:
هي سنة مؤكدة، لقوله  صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه مسلم (904): ” إن الشمس والقمر من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم ” ولفعله  صلى الله عليه وسلم  لها، كما سيأتي. وإنما لم يفسر الأمر في هذا الحديث على وجه الوجوب، لخبر: إن أعرابياً سأل النبي  صلى الله عليه وسلم  عن الصلوات الخمس فقال: هل عليّ غيرها؟
فقال عليه الصلاة والسلام: ” لا، إلاّ أن تطوع”. (البخاري:46؛ وتسن فيها الجماعة، وينادى لها: ” الصلاة جامعة “.
كيفيتها:
صلاة الكسوف والخسوف ركعتان، ينوي بهما المصلي صلاة الكسوف أو الخسوف، ولها كيفيتان: أدنى ما تصح به، وأكمل الوجوه في أدائها.
·   فأما الكيفية التي تتحقق بها أدنى درجات الصحة: فهي أن يكون في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، كالعادة بدون تطويل. ويصح أن يصلها ركعتين بقيامين وركوعين، كصلاة الجمعة، ويكون تاركاً للفضيلة، لمخالفته لفعل النبي  صلى الله عليه وسلم .
·   وأما الكيفية الكاملة: فهي أن يكون في كل ركعة منهما قيامان يطيل القراءة في كل منهما، بأن يقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة البقرة أو مقدارها من السور الأخرى، وفي القيام الثاني ما يساوي مائتي آية، وفي القيام الأول من الركعة الثانية مقدار مائة وخمسين منها، وفي القيام الثاني منها ما يساوي مائة آية من سورة البقرة.
ثم إذا ركع أطال الركوع بما يساوي مائة آية تقريباً، فإذا ركع الركوع الثاني أطاله بمقدار ثمانين آية، والثالث بمقدار سبعين آية، والرابع بمقدار خمسين.
فإذا أتموا الصلاة خطب الإمام بعد خطبتين – كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط – يحث الناس فيهما على التوبة وفعل الخير، ويحذرهم من الغفلة والاغترار.
روى الترمذي(562) وقال حسن صحيح، عن سمرة بن جندب t قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم  في كسوف لا نسمع له صوتاً.
وروى البخاري(1016) ؛(901)، عن عائشة رضي الله عنها: جهر النبي  صلى الله عليه وسلم  في صلاة الخسوف بقراءاته. فحمل الأول على صلاة كسوف الشمس لأنها نهارية، والثاني على خسوف القمر لأنها ليلية.
دليل ذلك ما رواه البخاري(947)؛ ومسلم(901)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس في حياة النبي  صلى الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى المسجد، فقام فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً، ثمر رفع رأسه فقال:  ” سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد”، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: ” سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد” . ثم سجد – وفي رواية أخرى فأطال السجود – ثم فعل بالركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات… أي أربع ركوعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ” إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة “. وفي رواية: ” فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبـروا وصلوا وتصدقوا “.
[ في حياة … وافق هذا يوم موت ولده إبراهيم عليه السلام، وقد كانوا في الجاهلية إذا خسف القمر أو كسفت الشمس، ظنوا أن عظيماً من العظماء قد مات، فزعموا ذلك لما وافق كسوف الشمس موت إبراهيم عليه السلام، فأبطل لهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  هذا الزعم بقوله: ” لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته “. انجلت: صفت وعاد نورها.
ينصرف: يفزع من الصلاة. أربع ركعات: أي أربع ركوعات .
ثم إن كانت الصلاة لكسوف الشمس أسر القراءة، ويحذرهم من الغفلة والاغترار.
صلاة الكسوف والخسوف لا تقضيان:
إذا فات وقت صلاة الكسوف والخسوف، بأن انجلت الشمس أو انجلى القمر، قبل أن يصلي، لم يشرع قضاؤها، لأنها من الصلوات المقرونة بأسبابه، فإذا ذهب السبب فقد فات موجبها.
الغسل لصلاة الكسوف:
ويسن الاغتسال لصلاة الكسوف والخسوف، فيغتسل قبلهما كما يغتسل لصلاة الجمعة، لأنها في معناها من حيث الاجتماع وندب الجماعة.
 
*****


صَلاَة الاسْتِسقَاء
التعريف بها:
هي صلاة تشرع عند احتباس مطر أو جفاف نبع، وهي مسنونة عند ظهور سببها، وتفوت بزوال السبب، كأن تنزل الأمطار، أو يجري النبع.
كيفيتها:
للاستسقاء المندوب ثلاث كيفيات:
أدناها: مطلق الدعاء في أي الأوقات أحب.
أوسطها: الدعاء بعد ركوع الركعة الأخيرة من الصلوات المكتوبة، وخلف الصلوات .
وأكملها: – وهو ما عقد باب صلاة الاستسقاء لبيانه- أن تتم على الكيفية التالية:
أولاً:
يبدأ الإمام أو نائبه فيأمر الناس بما يلي:
( أ ) التوبة الصادقة.
( ب ) الصدقة على الفقراء، والخروج عن المظالم، وإصلاح ذات البين.
( ج ) صيام أربعة أيام متتابعة.
واستحبت هذه الأمور لما لها من أثر في استجابة الدعاء، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
ثانياً:
يخرج الإمام بهم في اليوم الرابع من أيام صيامهم، وهم صائمون في ثياب بذلة وخشوع واستكانة، على الفلاة، فيصلي بهم الإمام أو نائبه ركعتين كركعتي صلاة العيد تماماً.
روى ابن ماجه (1266) وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
[ متضرعاً: مظهراً للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة ].
ثالثاً:
إذا أتموا الصلاة خطب الإمام فيهم خطبتين، كخطبتي العيد، غير أن ينبغي أن يفتحهما بالاستغفار تسعاً في الأولى، وسبعاً في الثانية، بدلاً عن التكبير.
لقوله تعالى: } استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً { [ نوح:10,11] أي كثيرة الدر، والمراد المطر الكثير.
فإذا بدأ الخطبة الثانية، ومضى نحو ثلثها، استقبل الخطيب القبلة واستدبر المصلين، وحول رداءه بأن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، والأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، إظهاراً للمزيد من التذلل لله عز وجل.
روى ابن ماجه (1268)، عن أبي هريرة t قال: خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه: فجعل الأيمن على ا لأيسر والأيسر على الأيمن.
ويسن أن يفعل الناس مثله.
ويسن للخطيب أن يكثر من الاستغفار والدعاء والتوبة والتضرع، وأن يتوسلوا بأهل الصلاح والتقوى.
وروى البخاري (964) عن أنس t. أن عمر بن الخطاب t كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلبt فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون.
رابعاً: يسن أن يخرجوا معهم إلى المصلى الأولاد الصغار والشيوخ والبهائم لأن المصيبة التي يخرجون من أجلها تعمهم جميعاً، ولا ينبغي أن يمنع أهل الذمة من حضورها.
بعض الأدعية الواردة في الاستسقاء:
اللهم اجعلها سقياً رحمة، ولا تجعلها سقياً عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هدم ولا غرق. اللهم على الظراب والآكام، ومنابت الشجر وبطون الأودية، اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مريعاً، سحاً عاماً غدقاً طبقاً مجللاً، دائماً إلى يوم الدين.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من الجهد والجوع والضنك، ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع وأدرّ لنا الضرع، وأنزل علينا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
[ الظراب: جمع ظرب وهو الجبل الصغير أو الرابية الصغيرة. الآكام: جمع أكمة وهي التراب المجتمع، أو الهضبة الضخمة. غيثاً: مطراً. مغيثاً: منقذاً من الشدة. هنيئاً: طيباً لا ينغصه شئ. مريئاً: محمود العاقبة منمياً. مريعاً: مخصباً فيه الريع وهو الزيادة. سحاً شديد الوقع على الأرض. غدقاً: كثيراً. طبقاً: مستوعباً لنواحي الأرض.
مجللاً: يجلل الأرض ويعمها. دائماً: مستمراً نفعه إلى انتهاء الحاجة إليه. القانطين: الآيسين بتأخير المطر. الجهد: المشقة. الضنك: الضيق والشدة، أدر: من الإدرار وهو الإكثار. الضرع: أضرعت الشاه أي نزل لبنها قبل النتاج، أي قبل وضعها حملها].
( رواه البخاري:967؛ ومسلم : 897؛ وأبو داود 1169؛ والشافعي:” الأم 1/222″ ، وغيرهم).
*****


أحْكَام الجَنَازَة
تذكر الموت:
اعلم أنه يسن لكل إنسان أن يكثر من ذكر الموت، لحديث ” أكثروا من ذكر هاذم اللذات ” أي الذي يقطعها بسرعة وهو الموت .
(رواه ابن حبان: 2559، وغيره)، وأن يستعد له بالتوبة والاستقامة مع الله تعالى، سواء كان شاباً أو كهلاً أو شيخاً مسناً، وسواء كان صحيحاً أو مريضاً، فإن الأجل محجوز في غيب الله تعالى، وليس الموت أقرب إلى الشيخ الكبير من الشاب الصغير، كما أنه ليس أقرب إلى المريض من الصحيح، فرب شاب اختطفه الموت بين يوم وآخر.
فإذا نزل المرض بالإنسان، كان تذكر الموت له آكد، وأخذ الاستعداد له ألزم وأهم.
ما يطلب فعله بالمسلم حين احتضاره:
الاحتضار: هو ظهور دلائل الموت على المريض، وبدء السكرات أي نزع الروح من جسده.
1- فإذا وصل المريض إلى درجة الاحتضار،ندب لأله أن يضجعونه على جنبه الأيمن متجهاً بوجهه إلى القبلة، فإن صعب ذلك أضجعوه على قفاه وجعلوا وجهه مرفوعاً قليلاً بحيث يوجه إلى القبلة، وكذا أخمصاه، وهما أسفل الرجل، يسن توجيهها إلى القبلة.
2- يسن أن يلقن الشهادة وهي كلمة ” لا إله إلا الله ” بشكل رفيق وبدون إلحاح، وذلك بأن يردد على سمعه كلمة لا إله إلا الله، دون أن يأمره بقولها، لخير مسلم (916، 917) ” لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله “.
3- يسن أن يقرأ عنده سورة يس لحديث: ” اقرءوا على موتاكم يس” (رواه أبو داود: 3121؛ وابن حبان: 720، وصححه)، والمقصود بموتاكم من قد حصره الموت.
4- يسن للمريض الذي شعر بنذير الموت وسكراته ن يحسن ظنه بالله تعالى، وأن يلقي صور آثامه ومعاصيه وراء ظهره، متصوراً أنه يقبل على رب كريم يغفر له الذنوب كلها، ما دام محافظاً على إيمانه وتوحيده، له، للحديث الصحيح:” أنا عند ظن عبدي بي” (رواه البخاري:6870؛ ومسلم: 2675).
ما يطلبه فعله بالمسلم عقب موته:
إذا مات وفاضت روحه ، ندب تنفيذ الأمور التالية:
1- تغميض عينيه، وشد لحييه بعصابة، ولئلا يبقى فمه مفتوحاً.
ولأن النبي  صلى الله عليه وسلم  دخل على أبي سلمة t عنه وقد شق بصره – أي شخص فأغمضه. (رواه مسلم:920).
2- تليين مفاصله، ورد كل منها إلى مكانه،بأن يلين ساعده ثم يمده إلى عضده وكذلك رجليه وبقية أعضائه.
3- وضع شئ ثقيل على بطنه، كي لا ينتفخ ، فيقبح منظره، كما يندب ستر جميع بدنه بثوب خفيف.
4- يسن نزع جميع ثيابه منه، ووضعه على سريره ونحوه مما هو مرتفع عن الأرض، وتوجيهه للقبلة كساعة الاحتضار، وليتول فعل ذلك أرفق محارمه به.
ما يجب فعله إذا فارق الإنسان الحياة وتحقق موته:
يندب المبادرة فوراً إلى تجهيزه، أي إلى غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه. وهذه الأربعة أجمع المسلمون على أنها فروض كفاية، تتعلق بجميع المسلمين من أهل البلدة، إذا لم يقم أحد منهم بها أثم الجميع.
1- غسل الميت:
وأول أعمال التجهيز هو الغسل وله كيفيتان:
الكيفية الأولى:
وهي أقل ما يتحقق به معنى الغسل ويرتفع به الإثم، هي: أن يزال ما قد يكون على جسمه من النجاسة، ثم يعمم سائر بدنه بالماء.
الكيفية الثانية:
وهي أكمل ما تتحقق به السنة، أن يتبع غاسله ما يلي:
أولاً: يوضع الميت في مكان خال على مرتفع كلوح ونحوه، وتستر عورته بقميص أو نحوه.
ثانياً: يجلسه الغاسل على المغتسل مائلاً إلى الوراء، ويسند رأسه بيده اليمنى، ويمر بيده اليسرى على بطنه بتحامل وشده ليخرج ما قد يكون فيه ، ثم يلف يده اليسرى بخرقة أو قفاز ويغسل سوأتيه، ثم يتعهد فمه ومنخريه فينظفها،ثم يوضئه كما يتوضأ الحي.
ثالثاً: يغسل رأسه ووجهه بصابون ونحوه من المنظفات، ويسرح شعره إن كان له شعر، فإن نتف منه شئ أعاده إليه ليدفنه معه.
رابعاً: يغسل كامل شقه الأيمن مما يلي وجهه، ثم شقه الأيسر مما يلي وجهه أيضاً، ثم يغسل شقه الأيمن مما يلي القفا ثم شقه الأيسر مما يلي القفا أيضاً، وبذلك يعمم جسمه كله بالماء. فهذه غسلة أولى، ويسن أن يكرر مثل هذه الغسلة مرتين أخريين، وبذلك يتم غسله ثلاث مرات، وليمزج بالماء شيئاً من الكافور في الغسلة الأخيرة، إذا كان الميت غير محرم.
والدليل على ما سبق: ما رواه البخاري(156)؛ ومسلم(939)، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله  صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال:” اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، و شيئاً من كافور، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها”.
[ صدر: ورق مدقوق لنوع من الشجر يستعمل في التنظيف.
كافور: كمام النخل وهو زهره] .
فإن كان محرماً، غسل كغيره، دون أن يمس كافوراً أو غيره مما له رائحة طيبة.
روى البخاري(1208)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً وقصه بعيره، ونحن مع النبي  صلى الله عليه وسلم  وهو محرم، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولاتمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبداً وفي رواية ملبياً “.
[ وقصه : رواه على الأرض وداس عنقه. تخمروا: تغطوا. ملبداً: من التلبيد، والتلبيد: هو أن يجعل في شعره شيئاً من صمغ ونحوه عند الإحرام، ليلتصق بعض ببعض، فلا يتساقط منه شئ، ولا ينشأ فيه شئ من الحشرات كالقمل ونحوه. ملبياً: أي وهو يلبي كما كان عند موته].
ويجب أن يغسل الرجل والمرأة، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة، إلا أن الرجل أن يغسل زوجته، وللزوجة أن تغسل الرجل إلا امرأة أجنبيه سقط الغسل، واستعيض عنه بالتيمم.
واعلم أن غسل الميت إنما شرع تكريماً له وتنظيفاً، فهو واجب بالنسبة لكل ميت مسلم، إلا شهيد المعركة كما ستعلم.
2- التكفين:
أقل التكفين المطلوب أن يلفّ الميت بثوب يستر جميع بدنه، ورأسه إن كان غير محرم، والواجب ثوب يستر العورة على الأصح.
وأكمله أن يُنْظر: فإن كان ذكراً، كفن في ثلاثة أثواب بيض، وتكون كلها لفائف طويلة على قدر طوله: عراضاً بحيث تلتف كل واحدة منها على جميع بدنه. فيكره أن يكفَّن بغير الأبيض كما يكره أن يكفن بما يشبه القميص، أو أن يستر رأْسه بما يشبه العمامة. لما رواه البخاري(1214)؛ ومسلم(941)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُفِّنَ رسول الله في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
[ سحولية: ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن، وقيل: منسوبة إلى بلد في اليمن].
ولما رواه الترمذي(994) وغيره: أنه e قال: ” البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم “.
وإن كانت أنثى: ندب أن تكفن في خمسة أثواب بيض هي: إزار يستر من سرتها إلى أدنى جسمها، وخمار يستر رأسها، وقميص يستر أعلى جسمها إلى ما دون الإزار، ولفافتان تحتوي كل منهما على جميع جسدها.
لما رواه أبو داود (3157) وغيره: أن النبي e أمر أن تكفن ابنته أم كلثوم رضي الله عنها في ذلك.
وهذا في غير المحرم كما علمت، فإن كان الميت محرماً وجب كشف رأْسه، لما مرّ من حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم، ووجه المرأة المحرمة في هذا كرأْس الرجل.
ويجب أن يكون قماش الكفن من جنس ما يجوز للميت لبسه لو كان حياً، فلا يجوز أن يكفن الذكر بالحرير البلدي. وينبغي أن يجعل على منافذ جسمه وأعضاء سجوده قطن عليه حنوط أو كافور، وتشد خرق على اللفائف، ثم تحلّ في القبر.
3- الصلاة على الميت:
ودل على مشروعيتها: ما رواه البخاري (1188)؛ ومسلم (951)، عن أبي هريرة t: أن رسول الله e نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعاً.
ولا تصح إلا بعد غسله، وكيفيتها كما يلي:
1- يكبر تكبيرة الإحرام ناوياً الصلاة على الميت، وكيفية النية أن يخطر في باله: أن يصلي أربع تكبيرات على هذا الميت فرض كفاية.
2- فإذا كبر، وضع يديه على صدره مثل الصلاة العادية، وقرأ الفاتحة.
3- وإذا أتمّ الفاتحة كبر تكبيرة ثانية، رافعاً يديه إلى شحمة أذنيه، ثم وضع يديه مرة أخرى على صدره، وقرأ أي صيغة من صيغ الصلاة على النبيe، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية التي مرت معك في أحكام الصلاة.
4- ثم يكبر التكبيرة الثالثة، ويدعو للميت بعدها، وهو المقصود الأعظم من الصلاة على الميت. روى البخاري(1270)، عن طلحة بن عبدالله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازةٍ، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة.
وروى النسائي (4/57)) بإسناد صحيح عن أبي أمامة بن سهل t أنه أخبره رجل من اًصحاب النبيe: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي e ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شئ منهن، ثم يسلم سراً في نفسه. 
وأقل الدعاء أن يقول: اللهم ارحمه أو اغفر له.
وأكمله أن يدعو له بالدعاء المأثور عن النبي e: فيدعو أولاً بهذا الدعاء: ” اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان”( رواه الترمذي:1024؛ وأبو داود:3201).
ثم يقول :” اللهم هذا عبدك وابن عبديك.. وإن كانت أنثى قال: اللهم هذه أمتك وابنة أمتك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به منَّا. اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين”.
فإن كان الميت طفلاً قال بدلاً من هذا الدعاء الثاني:” اللهم اجعله فرطاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً وشفيعاً. وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره”.
وهذه الأدعية التقطها الشافعي رحمه الله تعالى من مجموع الأخبار، وربما ذكرها بالمعنى، واستحسنها أصحابه, وأصح حديث في الباب ما رواه مسلم(963) عن عوف بن مالك t قال : صلى رسول الله e على جنازة، فسمعته يقول: ” اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، وأبدل له داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار”. قال عوف: فتمنين أن لو كنت أنا الميت، لدعاء الرسول e على هذا الميت.
[ عافه : خلصه مما يكره].
5- ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويقول بعدها: ” اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله” . ( رواه أبو داود: 3201؛ عن النبيe ).
6- ثم يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره كل تسليمة كتسليمة الصلوات الأخرى.
روى البيهقي(4/43) بإسناد جيد، عبدالله بن مسعود t قال : كان النبي e يفعل التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة.
وأنت تلاحظ مما ذكرنا أن الصلاة على الميت كلها من قيام، فلا ركوع فيها ولا سجود ولا جلوس.
4- دفن الميت:
أقل ما يجب في دفن الميت أن يدفن في حفرة تمنع انتشار رائحته وتمنع تسلط السباع عليه، مستقبلاً فيها القبلة.
وأكمل ذلك أن يتبع فيه ما يلي:
1-   أن يدفعن في قبر بعمق قدر قامة الرجل المعتدل وبسطة يديه إلى الأعلى، وأن يوسع قدر زراع وشبر.
روى أبو داود (3215) والترمذي(1713)وقال: حسن صحيح، عن هشام بن عامرt، عن رسول الله e قال في قتلى أحد: ” احفروا وأوسعوا وأحسنوا ” .
2-   يجب أن يضجع على يمينه وأن يوجه إلى القبلة، بحيث لو لم يوجه إلى القبلة وردم عليه التراب، وجب نبش القبر وتوجيهه إلى القبلة، إن لم يقدر أنه قد تغير. ويندب أن يلصق خده بالأرض.
3-   يسن أن يكون القبر لحدا إن كانت الأرض صلبة لخبر مسلم (966) عن سعد بن أبي وقاص t أنه قال: في مرض موته: ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله e.
واللحد تجويف يفتح في الجدار القبلي للقبر، بمقدار ما يسع الميت، فيوضع الميت فيه، ثم يسدّ فم هذا التجويف بحجارة رقاق كي لا ينهال عليه التراب.
فإن كانت الأرض رخوة ندب أن يكون القبر شقًاَ. والمقصود به شقِّ في أسفل أرض القبر بمقدار ما يسع الميت، ويبني طرفاه بلبنٍ أو نحوه، فيوضع الميت فيه، ثم يسقف الشق من فوقه بحجارة رقاق، ثم يهال فوقه التراب.
4- يسنّ أن يسلّ الميت من قبل رأسه، بعد أ، يوضع عند أسفل القبر، ويمدد برفق في القبر.
5- روى أبو داود(3211) بإسناد صحيح أن عبدالله بن يزيد الخطميّ الصحابيّ t ، ادخل الحارث القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة.
ويسن أن يدخل القبر لتسويته أقرب الناس إليه من الذكور، وأن يقول الذي يلحده: ” بسم الله وعلى سنَّة رسول الله ” للإتباع. روى أبو داود(3213) والترمذي(1046) وحسَّنه: عن ابن عمر رضي عنهما: أن النبي e كان إذا وضع الميت في القبر قال:” بسم الله، وعلى سنة رسول الله”.


تشييع الجنازة ( آدابها وبدعها )
حكم تشييع الجنازة للرجال والنساء:
اتباع الجنازة وتشييعها إلى القبر مستحب للرجال، لما رواه البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله e باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعــي، ونصرة المظلوم.( رواه البخاري: 1182). ويستحب أن لا ينصرف عائداً إلا بعد أن يدفن الميت، روى البخاري(1261) ومسلم (945) عن أبي هريرة t قال: قال رسول اللهe:” من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان”. قبل: وما القيراطان؟
قال: ” مثل الجبلين العظيمين”. أي من الأجر.
أما النساء فلا يستحب لهن ذلك، بل هو خلاف السنة، وخلاف وصية رسول الله e .
لما رواه البخاري (1219) ومسلم (938) عن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. أي لم يشدد علينا في النهي ولم يحرم علينا الاتباع. ولما رواه ابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال: خرج رسول الله e ، فإذا نسوة جلوس، فقال: ” ما يجلسكن”؟
قلن: ننتظر الجنازة. قال: ” هل تغسلن ” ؟ قلن: لا. قال: ” هل تحملن”؟ قلن: لا. قال:  ” هل تدلين فيمن يدلي ؟” – أي هل تنزلن الميت في القبر؟ – فلن : لا . قال: ” فارجعن مأزورات غير مأجورات” أي عليكن إثم، وليس لكن أجر، في اتباعكنّ الجنازة وحضور الدفن.
ومن آداب تشييع الجنازة الأمور التالية:
1- أن يشيعها ماشياً، فإن أحبَ أن يركب في العودة فلا بأس.
روى البخاري(3177)عن ثوبان t: أن رسول الله e أتى بدابة، وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها. فلما انصرف أتى بدابة فركب، فقيل له، فقال:” إن الملائكة كانت تمشي ، فلما أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت”.
وحمل هذا على الندب، لما ثبت عنه e أنه ركب في بعض أحيانه.
روى مسلم (965) عن جابر بن سمرة t قال:” صلى رسول الله e على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عري، فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبعه، نسعى خلفه.
[ عري: لا سرج له. فعقله: أمسكه له. يتوقص: يتوثب. نسعى: نمشي بسرعة].
2- يحرم حمل الجنازة على هيئة مزرية أو يخاف منها السقوط، ويسن ان تحمل في تابوت، لا سيما إذا كانت امرأة، رعاية لتكريم الله تعالى للإنسان.
3- يكره اللغط اثناء تشييع الجنازة، بل يسنّ أن لا يرفع صوته بقراءة ولا بذكر ولا غيرهما، وليستعض عن ذلك بالتفكر في الموت والتأمل في عاقبة أمره. لحديث أبي داود(3171) عن أبي هريرة t ، عن النبي e قال: ” لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار”.
4- الأفضل أن يمشي المشيعون أمام الجنازة على مقربة منها، لأنهم شفعاء لها عند الله عز وجل، فناسب أن يكونوا في مقدمتها. روى أبو داود(3179) وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي e وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وروى أيضاً (3180) عن النبي e: الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي خلفها وأمامها، وعن يمينها وعن يسارها، قريباً منها.
5- لا مانع من أن يشيع المسلم جنازة قريبه الكافر، ولا كراهة في ذلك.
6- تسن تعزية أهل الميت خلال ثلاث أيام من الموت، لما رواه ابن ماجه (1601) عن النبي e قال:” ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا مساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة”.
[ يعزي أخاه: يحثه على الصبر ويواسيه بمثل قوله: أعظم الله أجرك].
وتكره بعد ثلاثة أيام إلا لمسافر، لأن الحزن ينتهي بها غالباً فلا يستحسن تجديده.
كما يكره تكرارها، والأولى أن تكون بعد الدفن لاشتغال أهل الميت بتجهيزه، إلا إن اشتد حزنهم فتقديمها أولى، مواساة لهم.
وصيغتها المندوبة: ” أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وعوضك الله عن مصيبتك خيراً “.
بدع الجنائز:
1- كل ما يخالف آداب التشييع التي ذكرناها فهي بدعّ ينبغي التحرز منها، كتشييع الجنازة راكباً، وكرفع الأصوات معها.
2- حمل الأكاليل ونحوها مع الجنازة، فهي بدعةٌ محرمةٌ، تسللت إلى المسلمين تقليداً لعادات الكافرين في مراسيم جنائزهم، وفيها ما فيها من إضاعة المال دون فائدة، والمفاخرة والمباهاة.
3- القبور التي تحفر وتبني بطريقة مخالفة لما ذكرناه من ضابط عمق القبر واتساعه، وأفضلية اللحد ثم الشقّ .
4- يكره تشييد القبور، داخلها أو ظاهرها، بكل ما دخل فيه النار كالإسمنت والجص ونحوهما.
روى مسلم (970)، عن جابر t قال: نهى رسول الله e أن يجصص القبر. وهو أن يوضع عليه الجص، وهو ما يسمى بالجبصين، فإن بني الرخام ونحوه كان حراماً، لمخالفته الشديدة لنهي رسول الله e، ولما في ذلك من إضاعة المال المنهي عنه شرعاً، وما فيه من المباهاة والمفاخرة المقيتة في دين الله عز وجل .
5- يكره كراهية تحريم تسنيم القبور والبناء عليها، على النحو الذي يفعله كثير من الناس اليوم، والسنَّة أن لا يرفع القبر عن الأرض أكثر من شبر واحد، للنهي عن كل ذلك.
روى مسلم (969) وغيره، أن على بن أبي طاليt  قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله e: ” أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
[ تمثالاً: صورة، والمراد هنا ما كان لذي روح. طمسته: محوته أو درسته. مشرفاً: مرتفعاً. سويته: مع الأرض بارتفاع قليل].
6- الندب على الميت بتعديل شمائله- كأن يقول: واكهفاه واعظيماه – والنياحة، وهي كل فعل أو قول يتضمن إظهار الجزع، كضرب الصدر وشق الجيب ونحو ذلك. فذلك كله حرام، نهى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عنه بأحاديث صحيحة وعبارات حاسمة، لما فيه من منافاة للانقياد والاستسلام لقضاء الله تعالى وقدره.
روى مسلم (935) عن أبي مالك الأشعري t أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:” النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب “. أي يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع وهو القميص. وفي معناه السربال. والقطران نوع من صمغ الأشجار، تطلي به الإبل إذا جربت.
وروى البخاري(1232) عن عبدالله بن مسعود t قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم : ” ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى ا لجاهلية “.
[ لطم: ضرب. الجيوب: جمع جيب، وهو فتحة الثوب من جهة العنق، أي شق ثيابه من ناحية الجيب. بدعوى الجاهلية: قال ما كان يقوله أهل الجاهلية، مثل: واعضداه، يا سند البيت، ونحوها].
ولا بأس في البكاء الطبيعي الناشئ عن العاطفة ورقة القلب.
روى البخاري(1241) ومسلم (2315،2316): أنه  صلى الله عليه وسلم  بكى على ولده إبراهيم قبل موته، لما رآه يجود بنفسه، وقال: ” إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون”.
وروى مسلم (976) عن أبي هريرة t قال: زار النبي  صلى الله عليه وسلم  قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله.
7- انشغال أهل الميت بصنع الطعام وجمع الناس عليه، كما هو المعتاد في هذا العصر، بدعة تناقض السنة وتخالفها مخالفة شديدة.
وإنما السنة عكس ذلك، أي أن يقوم بعض المشيعين بتحضير الطعام وإرساله إلى أهل الميت، أو جمعهم عليه في بيت الداعي، ويستحب أن يكون كثيراً بحيث يكفي أهل الميت يومهم وليلتهم. وذلك لقوله  صلى الله عليه وسلم  لما جاء خبر قتل جعفر بن أبي طالب: ” اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم “. ( رواه الترمذي:998؛وأبو داود: 3132 وغيرهما). ويحرم تهيئة الطعام للنائحات وأمثالهن، سواء كان ذلك من أهل الميت أم غيرهم، ذلك لأنه إعانة على معصية، وتحميس على الاستمرار فيها.
ومن البدع ما يفعله أهل الميت من جمع الناس على الطعام بمناسبة ما يسمونه بمرور الأربعين ونحوه. وإذا كانت نفقة هذه الأطعمة من مال الورثة وفيهم قاصرون – أي غير بالغين – كان هذا الفعل من أشد المحرمات؛ لأنه أكل لمال اليتيم وإضاعة له في غير مصلحته.
ويشترك في ارتكاب الحرمة كل من الداعي والآكل.
8- قراءة القرآن في محافل رسمية للتعزية، على النحو الذي يتم اليوم، فهي أيضاً بدعة. وإنما تسن تعزية أهل الميت خلال ثلاثة أيام من موته اتفاقاً، أي دون أن يعد أقارب الميت العدة لها.
حكم السقط والشهيد:
والسقط: هو الولد النازل قبل تمامه.
والشهيد: هو الذي يقتل في معركة تدار دفاعاً عن الإسلام، ولرفع لوائه.
* فأما السقط فله حالتان:
الحالة الأولى: أن لا يصيح عند الولادة، فإن لم يكن قد بلغ حمله أربعة أشهر بعد، لم يجب غسله ولا تكفيه ولا الصلاة عليه، ولكن يستحب تكفينه بخرقة والدفن دون الصلاة.
الحالة الثانية: أن يصيح عند الولادة، أو يتيقن حياته باختلاج ونحوه، فيجب في حقه الصلاة مع جميع ما ذكر، لا فرق بينه وبين الكبير.
روى الترمذي(1032) وغيره، عن جابرt عن النبي  صلى الله عليه وسلم : ” إذا استهل السقط صلى عليه وورث “.
[ استهل: من الاستهلال وهو الصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياته].
* وأما الشهيد:
فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويسن تكفينه في ثيابه التي قتل بها.
لما روه البخاري(1278)،عن جابر t: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  أمر في قتلى أحد بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.
فإن جرح في المعركة، وبقيت فيه حياة مستقرة بعد انتهاء القتال، ثم ما لم يعتبر شهيداً من حيث المعاملة الدنيوية، وغسل وصلى عليه كالعادة، ولو كان موته بالسراية من الجرح.
والحكمة من أن التشهد لا يغسل ولا يصلى عليه: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء الناس لهم. قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء كهيئته حين كلم: اللون لون الدم والريح ريح مسك” (رواه البخاري: 235؛ ومسلم::1876) واللفظ له.
[ كلم: جرح. كهيئته: كحالته].
زيارة القبور:
زيارة القبور التي دفن فيها مسلمون، مندوبة للرجال بالإجماع، لقوله  صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح: ” كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها”. ( رواه مسلم:977)، وعند الترمذي (1054): ” فإنها تذكر الآخرة”. وقد مر معك حديث زيارته  صلى الله عليه وسلم  قبر أمه. ولا يندب لها وقت محدد.
أما النساء فيكره لهنّ زيارتها، لأنها مظنَّةٌ للتبرج والنواح ورفع الأصوات، روى أبو داود(3236) وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لعن الله زائرات القبور). ولكن يسن لهم زيارة قبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن يلحق بذلك قبور بقية الأنبياء والصالحين، شريطة أن لا يكون تبرج واختلاط وازدحام والتصاق بالرجال، ورفع أصوات، مما هو مظنة الفتنة، وما أكثره في زيارتهن!! .
من آداب زيارة القبور:
إذا دخل الزائر المقبرة، ندب له أن يسلم على الموتى قائلاً: ” السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون”.( رواه مسلم:249). وليقرأ عندهم ما تيسر من القرآن، فإن الرحمة تنزل حيث يُقرأ القرآن،ثم ليدع لهم عقب القراءة، وليهدِ مثل ثواب تلاوته لأرواحهم، فإن الدعاء مرجو الإِجابة، وإذا استجيب الدعاء استفاد الميت من ثواب القراءة. والله اعلم.
تم بحمد الله
**********
الفهرس
 
الموضوع
الصفحة
الموضوع
الصفحة
المقدمة
2
الأوانـي
24
مدخـل
4
حكم استعمال أواني الذهب والفضة
24
معنى الفقه
4
أنواع الطهارة
26
ارتباط الفقه بالعقيدة الإسلامية
5
الطهارة من النجس
26
شمول الفقه الإسلامي لكل ما يحتاج إليه الناس
7
ما سيتثنى من نجاسة الميتة
26
مراعاة الفقه الإسلامي اليسر ورفع الحرج
8
النجاسة العينية والنجاسة الحكمية
27
مصادر الفقه الإسلامي
9
النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة
27
القرآن الكريم
9
كيفية التطير من النجاسات
28
السنة الشريفة
10
تطهير جلود الميتة
29
الإجماع
11
بعض ما يعفى عنه من النجاسات
29
القياس
12
الاسْتنجاء وآدابُه
31
ضرورة التزام الفقه الإسلامي، والتمسك بأحكامه
13
ما يستنجي به
31
التعريف ببعض المصطلحات الفقهية
14
ما لا يستنجي به
32
أحكَام الطهَارَة
18
آداب الاستنجاء وقضاء الحاجة
33
معنى الطهارة
18
الطهارة من الحدث
35
حكمة تشريع الطهارة
19
أقسام الحدث
35
أقسـام الميــاه
21
الوضوء
36
معناه
36
الاستحاضة
54
فروض الوضوء
36
ما يحرم بالحيض
54
سنن الوضوء
38
الـولادة
57
مكروهات الوضوء
41
النَّفـاس
57
نواقص الوضوء
41
رؤية الدم حال الحمل
57
الأمور التي يشترط لها الوضوء
42
مدة الحمل
58
المسَحُ عَلَى الخٌفَّين
44
المـوت
58
حكم المسح عليهما
44
الغسل المندوب
59
شروط المسح عليهما
44
غسل الجمعة
59
مدة المسح عليهما
44
غسل العيدين
59
كيفية المسح عليهما
45
غسل الكسوفين
60
مبطلات المسح
45
غسل الاستسقاء
60
الجبائر والعصائب
46
الغسل من غسل الميت
60
دليل مشروعية المسح على الجبائر
46
الأغسال المتعلقة بالحج
60
مدة المسح على الجيرة والعصبة
47
مكروهات الغسل
63
الغُسل وَأحْكامُه وَأنوَاعُه
48
التـيَمّم
64
مشروعيته
48
أسباب التيمم
64
حكمة مشروعيته
48
شرائط التيمم
65
أقسام الغسل
49
أركانه
65
الجنـــابة
49
سنن التيمم
66
أسبابها
50
التيمم بعد دخول الوقت
66
ما يحرم بالجنابة الأمور
50
التيمم لكل فريضة
67
الحيـــض
53
مبطلاته
67
سن البلوغ
53
الصَّـــلاَة
69
مدة الحيض
53
الصلوات المكتوبة
70
دليل مشروعيتها
71
الهيئات
104
حكم تارك الصلاة
72
السنن التي تؤدي عقب كل صلاة
111
أوقات الصلوات المفروضة
73

مَكروهَات الصَّــلاَة
113
الأوقات التي تكره فيها الصلاة
76

مُبطلاَت الصَّــلاَة
118
إعادة الصلاة المكتوبة وقضاءها
77

سُجوُد السَّـهُو
121
من تجب عليه الصلاة
78
أسباب سجود السهو
121

الأذَانُ وَالإِقـامَة
80
كيفية السجود ومحله
122
حكم الأذان
80

سَجـدَاتُ التِّـلاَوَة
123
شروط صحة الأذان
81
عدد سجدات التلاوة
123
الإقامة
84

صَلاَة الجَمَاعَة
124
سنن الإقامة
84
حكمة مشروعيتها
124
النداء للصلوات غير المفروضة
84
شروط من يقتدى به
125

شرُوط صِحَّةِ الصَّـــلاَة
86
كيفية الاقتداء
126
كيفية معرفة دخول الوقت
87
صـلاة المـسافر
129
ستر العورة
87
القصر والجمع
129
حالات جواز كشف العورة
89
كيفية تكون صلاة المسافر
129
استقبال القبلة
90
القصر
129
كيفية الاستدلال على القبلة
90
الجمع
131
كيفية الصلاة
90
صَـلاَة الخَـوف
134
عدد ركعاتها
90
حالاتها
134
أركَان الصَّـــلاَة
92
حكمة مشروعية صلاة الخوف
137

سـُنَن الصَّــلاَة
102
صَلاَة الجمُعَة
138
السنن التي تؤدي قبل الصلاة
102
شروط وجوبها
139
السنن التي تؤدى أثناء الصلاة
103
شرائط صحتها
140
الأبعاض
103
فرائض الجمعة
142
آداب الجمعة وهيئاتها
145

صََلاََة التـّراويُح
164

صلاة النّفْـل
147
الأصل في مشروعيتها
164
الذي لا يسن فيه الجماعة
147

صَلاَة الكسُوف وَالخسُوف
166
النوافل المسماة ذات الأوقات المعينة
149
كيفيتها
166
النوافل المطلقة عن التسمية والوقت
152

صَلاَة الاسْتِسقَاء
169
الذي يسن فيه الجماعة
152
بعض الأدعية الواردة في الاستسقاء
170

صَلاَة العيــدَيْن
153
أحْكَام الجَنَازَة
172
زمن مشروعيتها والدليل عليها
153
غسل الميت
173
حكم صلاة العيد
153
التكفين
175
وقت صلاة العيد
154
الصلاة على الميت
176
كيفيتها
154
دفن الميت
177
الخطبة في العيد
155
تشييع الجنازة
179
أين تقام صلاة العيد
156
آداب تشييع الجنازة
179
التكبير في العيد
156
بدع الجنائز
180
من آداب العيد
157
حكم السقط والشهيد
183

زَكاةُ الفِّـطْر
158
زيارة القبور
183
شروط وجوبها
158
آداب زيارة القبور
184
زكاة الفطر جنساً وقدراً
159
وقت إخراج زكاة الفطر
159
الأضـحية
160
حكم الأضحية
160
شروطها
161
وقت الأَضحية
162
ماذا يصنع بالأضحية بعد ذبحها
162
سنن وآداب تتعلق بالأضحية
163


[1] – رحالكم : جمع رحل وهو ما يوضع على ظهر البعير ونحوه للركوب عليه، وكل شئ يعدَ للرحيل من وعاء للمتاع وغيره.
 شاملة : هي علامة في البدن يخالف لونها لون باقيه. والمراد : حتى تكونوا ظاهرين ومتميزين عن غيركم.
الفحش: القبيح من القول أو الفعل، والتفحش: تكلف الفحش والمبالغة فيه.
(1)  رطوبة تتعلق بشعر المعزى ولحاها إذا رعت نباتاً يعرف بقلسوس يستعمل للنزلات والسعال ووجع الأذن.
(1) روى أبو داود (162) بإسناد صحصح عن علي بن أبي طالب t وكرم الله وجهه أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولي بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يمسح على ظاهر خفيه.
(1)  رواه الشافعي في مسنده (الأم: 6/ 107).
(1)  ودليله ما روته أم سلمة قالت:
كنت عند رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : ” احتجبا منه ” ، فقلنا : يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  :” أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ ” (رواه أبو داود: 4112، والترمذي:2778، وقال حسن صحيح).
(1) بذراع الرجل المعتاد ، ويساوي 50 سم تقريباً .
 (2)هذا إن رأي أنه يوافقه، وإلا فلا يجره بل يمتنع لخوف الفتنة.

الفقه المنهجي ج (4)

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s