Karakter Linguistik Al-quran : Studi Komparatif Contenst Al-burhan dan Al-ithqon

Pengantar Kepada “Idiosinkretis Gramatikal Al-quran”

 

(Bersama Pembukaan Kajian Pertama)

عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد سابق الدين خن الخضيري الأسيوطي المشهور باسم جلال الدين السيوطي، (القاهرة 849 هـ/1445 م- القاهرة 911 هـ/1505 م) من كبار علماء المسلمين.

ولد السيوطي مساء يوم الأحد غرة شهر رجب من سنة849هـ، المـوافق سبتمبر من عام 1445م، في القاهرة، رحل أبوه من اسيوط لدراسة العلم وهو يعتز بها وبجذوره واسمه عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وكان سليل أسرة أشتهرت بالعلم والتدين، وكان أبوه من العلماء الصالحين ذوي المكانة العلمية الرفيعة التي جعلت بعض أبناء العلماء والوجهاء يتلقون العلم على يديه. وقد توفي والد السيوطي ولابنه من العمر ست سنوات، فنشأ الطفل يتيمًا، وأتجه إلى حفظالقرآن، فأتم حفظه وهو دون الثامنة، ثم حفظ بعض الكتب في تلك السن المبكرة مثل العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، فاتسعت مداركه وزادت معارفه. وكان السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه، وتولى بعضهم أمر الوصاية عليه، ومنهم الكمال بن الهمام الحنفي أحد كبار فقهاء عصره، وتأثر به الفتى تأثرًا كبيرًا خاصة في ابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة.

وقام برحلات علمية عديدة شملت بلاد الحجاز والشام واليمن والهند والمغرب الإسلامي. ثم دَّرس الحديث بالمدرسة الشيخونية. ثم تجرد للعبادة والتأليف عندما بلغ سن الأربعين.

كان السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع.

أعانه على كثرة تأليفه انقطاعه التام للعمل وهو في سن الأربعين حتى وفاته، وثراء مكتبته وغزارة علمه وكثرة شيوخه ورحلاته، وسرعة كتابته، فقد اتسع عمره التأليفي (45) سنة، حيث بدأ التأليف وهو في السابعة عشرة من عمره، وانقطع له (22) عامًا متواصلة، ولو وُزع عمره على الأوراق التي كتبها لأصاب اليوم الواحد (40) ورقة، على أن القسم الأكبر من تأليفه كان جمعًا وتلخيصًا وتذييلا على مؤلفات غيره، أما نصيبه من الإبداع الذاتي فجِدّ قليل.

تمنى السيوطي أن يكون إمام المائة التاسعة من الهجرة لعلمه الغزير، فيقول: “إني ترجيت من نعم الله وفضله أن أكون المبعوث على هذه المائة، لانفرادي عليها بالتبحر في أنواع العلوم”. زادت مؤلفات السيوطي على الثلاثمائة كتاب ورسالة، عدّ له بروكلمان (415) مؤلفا، وأحصى له “حاجي خليفة” في كتابه “كشف الظنون” حوالي (576) مؤلفا، ووصل بها البعض كابن إياس إلى (600) مؤلف. من مؤلفاته في علوم القرآن والتفسير: “الاتقان في علوم التفسير”، و”متشابه القرآن“، و” الإكليل في استنباط التنزيل”، و”مفاتح الغيب في التفسير”، و”طبقات المفسرين”، و”الألفية في القراءات العشر”.

أما الحديث وعلومه، فكان السيوطي يحفظ مائتي ألف حديث كما روى عن نفسه، وكان مغرما بجمع الحديث واستقصائه لذلك ألف عشرات الكتب في هذا المجال، يشتمل الواحد منها على بضعة أجزاء، وفي أحيان أخرى لا يزيد عن بضع صفحات.. ومن كتبه: “إسعاف المبطأ في رجال الموطأ”، و” تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك“، و” جمع الجوامع”، و” الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة”، و” المنتقى من شعب الإيمان للبيهقي”، و”أسماء المدلسين”، و”آداب الفتيا”، و” طبقات الحفاظ”.

في الفقه ألف “الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي“، و”الحاوي في الفتاوي”، و” الجامع في الفرائض” و” تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع” وفي اللغة وعلومها كان له فيها أكثر من مائة كتاب ورسالة منها: “المزهر في اللغة”، و”الأشباه والنظائر فياللغة“، و”الاقتراح في النحو“، و”التوشيح على التوضيح”، و”المهذب فيما ورد في القرآن من المعرب”، و”البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك”. وفي ميدان البديع كان له: “عقود الجمان في علم المعاني والبيان”، و”الجمع والتفريق في شرح النظم البديع”، و”فتح الجليل للعبد الذليل”.

في التاريخ والطبقات ألف أكثر من (55) كتابًا ورسالة يأتي في مقدمتها: “حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة“، و”تاريخ الخلفاء“، و”الشماريخ في علم التاريخ“، و”تاريخ الملك الأشرف قايتباي”، و”عين الإصابة في معرفة الصحابة“، و”بغية الوعاة في طبقات النحاة”، و”نظم العقيان في أعيان الأعيان”، و”در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة”، و”طبقات الأصوليين”. ومن مؤلفاته الأخرى الطريفة: “منهل اللطايف في الكنافة والقطايف”، و”الرحمة في الطب والحكمة”، و”الفارق بين المؤلف والسارق”، و”الفتاش على القشاش”، و”الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض”. شاءت إرادة الله أن تحتفظ المكتبة العربية والإسلامية بأغلب تراث الإمام السيوطي، وأن تطبع غالبية كتبه القيمة وينهل من علمه الكثيرون.

ألف جلال الدين السيوطي عددا كبيرا من الكتب والرسائل إذ يذكر ابن إياس في “تاريخ مصر” أن مصنفات السيوطي بلغت ست مائة مصنف. وقد ألف في طيف واسع من المواضيع تشملالتفسير والفقه والحديث والأصول والنحو والبلاغة والتاريخ والتصوف والأدب وغيرها. ومن هذه المصنفات:

توفي الإمام السيوطي في منزله بروضة المقياس على النيل في القاهرة في 19 جمادى الأولى 911 هـ، الموافق 20 أكتوبر 1505 م، ودفن بجواره والده في اسيوط وله ضريح ومسجد كبير باسيوط. وفي الصفحة 90 من الجزء الثاني من حفي هذه النسخة.
لا اكتب ترجمة مالف البر هان في علوم القران

الإتقان في علوم القرآن» النوع الحادي والأربعون في معرفة إعراب

في معرفة إعرابه 

أفرده بالتصنيف خلائق . 

منهم مكي ، وكتابه في المشكل خاصة . 

والحوفي ; وهو أوضحها . 

وأبو البقاء العكبري ; وهو أشهرها . 

والسمين ; وهو أجلها ، على ما فيه من حشو وتطويل ، ولخصه السفاقسي فحرره . 

وتفسير أبي حيان مشحون بذلك . 

ومن فوائد هذا النوع معرفة المعنى ; لأن الإعراب يميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين . 

أخرج أبو عبيد في فضائله ، عن عمر بن الخطاب ، قال : تعلموا اللحن والفرائض والسنن كما تعلمون القرآن . 

وأخرج عن يحيى بن عتيق ، قال : قلت للحسن : يا أبا سعيد ، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ، ويقيم بها قراءته ؟ 

قال : حسن يا ابن أخي فتعلمها ، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها ، فيهلك فيها . 

وعلى الناظر في كتاب الله تعالى – الكاشف عن أسراره – النظر في الكلمة وصيغتها ومحلها ، ككونها مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا ، أو في مبادئ الكلام أو في جواب ، إلى غير ذلك . 

ويجب عليه مراعاة أمور : 

أحدها : وهو أول واجب عليه : أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفردا أو مركبا قبل [ ص: 544 ] الإعراب ، فإنه فرع المعنى ، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور إذا قلنا بأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه . 

وقالوا في توجيه نصب كلالة في قوله تعالى : وإن كان رجل يورث كلالة [ النساء : 12 ] : إنه يتوقف على المراد بها . 

فإن كان اسما للميت فهو حال ، ( ويورث ) خبر كان أو صفة ، و ( كان ) تامة ، أو ناقصة و ( كلالة ) خبر . 

أو للورثة فهو على تقدير مضاف ، أي : ذا كلالة ; وهو – أيضا – حال أو خبر كما تقدم . أو للقرابة فهو مفعول لأجله . 

وقوله سبعا من المثاني [ الحجر : 87 ] : إن كان المراد بالمثاني القرآن ف ( من ) للتبعيض ، أو الفاتحة : فلبيان الجنس . 

وقوله : إلا أن تتقوا منهم تقاة [ آل عمران : 28 ] . فإن كان بمعنى الاتقاء فهي مصدر ، أو بمعنى متقى – أي : أمرا يجب اتقاؤه – فمفعول به ، أو جمعا – كرماة – فحال . 

وقوله غثاء أحوى [ الأعلى : 5 ] : إن أريد به الأسود من الجفاف واليبس فهو صفة لغثاء ، أو من شدة الخضرة فحال من المرعى . 

قال ابن هشام : وقد زلت أقدام كثير من المعربين راعوا في الإعراب ظاهر اللفظ ، ولم ينظروا في موجب المعنى . 

من ذلك قوله : أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء [ هود : 87 ] ، فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل على أن نترك ، وذلك باطل ; لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون ، وإنما هو عطف على ( ما ) فهو معمول للترك ، والمعنى أن نترك أن نفعل ، وموجب الوهم المذكور : أن المعرب يرى أن والفعل مرتين ، وبينهما حرف العطف . 

الثاني : أن يراعي ما تقتضيه الصناعة ، فربما راعى المعرب وجها صحيحا ، ولا ينظر في صحته في الصناعة فيخطئ . 

من ذلك قول بعضهم ( وثمود فما أبقى ) [ النجم : 51 ] : إن ثمود مفعول مقدم وهذا ممتنع ; لأن ل ( ما ) النافية الصدر ، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، بل هو معطوف على [ ص: 545 ] ( عادا ) أو على تقدير : ( وأهلك ثمود ) . 

وقول بعضهم في : لا عاصم اليوم من أمر الله [ هود : 43 ] ، لا تثريب عليكم اليوم [ يوسف : 92 ] : إن الظرف متعلق باسم ( لا ) وهو باطل ; لأن اسم ( لا ) حينئذ مطول ، فيجب نصبه وتنوينه ، وإنما هو متعلق بمحذوف . 

وقول الحوفي : إن الباء من قوله : فناظرة بم يرجع المرسلون [ النمل : 35 ] متعلقة ب ( ناظرة ) ، وهو باطل ; لأن الاستفهام له الصدر ، بل هو متعلق بما بعده . 

وكذا قول غيره في : ملعونين أينما ثقفوا [ الأحزاب : 61 ] : إنه حال من معمول ثقفوا أو أخذوا باطل ; لأن الشرط له الصدر ، بل هو منصوب على الذم . 

الثالث : أن يكون ملما بالعربية ، لئلا يخرج على ما لم يثبت كقول أبي عبيدة في كما أخرجك ربك [ الأنفال : 5 ] : إن الكاف قسم ، حكاه مكي وسكت عليه ، فشنع ابن الشجري عليه في سكوته . ويبطله : أن الكاف لم تجئ بمعنى واو القسم ، وإطلاق ( ما ) الموصولة على الله وربط الموصول بالظاهر – وهو فاعل أخرجك – وباب ذلك الشعر . 

وأقرب ما قيل في الآية : إنها مع مجرورها خبر محذوف ، أي : هذه الحال من تنفيلك الغزاة – على ما رأيت في كراهتهم لها – كحال إخراجك للحرب في كراهيتهم لها . 

وكقول ابن مهران في قراءة : ( إن البقر تشابهت ) بتشديد التاء : إنه من زيادة التاء في أول الماضي ، ولا حقيقة لهذه القاعدة ، وإنما أصل القراءة ( إن البقرة تشابهت ) بتاء الوحدة ، ثم أدغمت في تاء ( تشابهت ) فهو إدغام من كلمتين . 

الرابع : أن يتجنب الأمور البعيدة ، والأوجه الضعيفة ، واللغات الشاذة . ويخرج على القريب والقوي والفصيح ; فإن لم يظهر فيه إلا الوجه البعيد فله عذر ، وإن ذكر الجميع لقصد الإغراب والتكثير فصعب شديد ، أو لبيان المحتمل وتدريب الطالب فحسن في غير ألفاظ القرآن ، أما التنزيل : فلا يجوز أن يخرج إلا على ما يغلب على الظن إرادته ، فإن لم يغلب شيء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسف . 

ومن ثم خطئ من قال في ( وقيله ) [ الزخرف : 88 ] بالجر أو النصب : إنه عطف على لفظ الساعة أو محلها ، لما بينهما من التباعد ، والصواب أنه قسم أو مصدر ( قال ) مقدر . 

[ ص: 546 ] ومن قال في : إن الذين كفروا بالذكر [ فصلت : 41 ] : إن خبره : أولئك ينادون من مكان بعيد [ فصلت : 44 ] والصواب : أنه محذوف . 

ومن قال في : ص والقرآن ذي الذكر [ ص : 1 ] : إن جوابه إن ذلك لحق [ ص : 64 ] . والصواب أنه محذوف ، أي : ما الأمر كما زعموا ، أو : إنه لمعجز أو : إنك لمن المرسلين 

ومن قال في فلا جناح عليه أن يطوف [ البقرة : 158 ] : إن الوقف على جناح وعليه إغراء ; لأن إغراء الغائب ضعيف ، بخلاف القول بمثل ذلك فيعليكم ألا تشركوا [ الأنعام : 151 ] ، فإنه حسن ; لأن إغراء المخاطب فصيح . 

ومن قال في ليذهب عنكم الرجس أهل البيت [ الأحزاب : 33 ] : إنه منصوب على الاختصاص ; لضعفه بعد ضمير المخاطب ، والصواب : أنه منادى . 

ومن قال في : تماما على الذي أحسن [ الأنعام : 154 ] . بالرفع إن أصله أحسنوا ، فحذفت الواو اجتزاء عنها بالضمة ; لأن باب ذلك الشعر ، والصواب تقدير مبتدإ ; أي : هو أحسن . 

ومن قال في : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم [ آل عمران : 120 ] بضم الراء المشددة ، إنه من باب : 

إنك إن يصرع أخوك تصرع

لأن ذلك خاص بالشعر ، والصواب : أنها ضمة إتباع ، وهو مجزوم . 

ومن قال في : وأرجلكم [ المائدة : 6 ] : إنه مجرور على الجوار ; لأن الجر على الجوار في نفسه ضعيف شاذ ، لم يرد منه إلا أحرف يسيرة ، والصواب : أنه معطوف على برءوسكم على أن المراد به مسح الخف . 

قال ابن هشام : وقد يكون الموضع لا يتخرج إلا على وجه مرجوح ، فلا حرج على مخرجه ، كقراءة ( نجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 88 ] قيل : الفعل ماض ، ويضعفه إسكان آخره ، وإنابة ضمير المصدر عن الفاعل مع وجود المفعول به . 

وقيل : مضارع ، أصله ( ننجي ) بسكون ثانيه ، ويضعفه أن النون لا تدغم في الجيم . وقيل : أصله ( ننجي ) بفتح ثانيه وتشديد ثالثه ، فحذفت النون ، ويضعفه أن ذلك لا يجوز إلا في التاء . 

[ ص: 547 ] الخامس : أن يستوفي جميع ما يحتمله اللفظ من الأوجه الظاهرة ، فتقول في نحو : ( سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى : 1 ] : يجوز كون الأعلى صفة للرب وصفة للاسم . وفي نحو : هدى للمتقين الذين [ البقرة : 2 – 3 ] يجوز كون ( الذين ) تابعا ، ومقطوعا إلى النصب بإضمار ( أعني ) أو ( أمدح ) وإلى الرفع بإضمار ( هم ) . 

السادس : أن يراعي الشروط المختلفة بحسب الأبواب ، ومتى لم يتأملها اختلطت عليه الأبواب والشرائط . 

ومن ثم خطئ الزمخشري في قوله تعالى : ملك الناس إله الناس [ الناس : 2 – 3 ] : إنهما عطف بيان ; والصواب : أنهما نعتان ، لاشتراط الاشتقاق في النعت والجمود في عطف البيان . 

وفي قوله في : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ ص : 64 ] بنصب تخاصم : إنه صفة للإشارة ; لأن اسم الإشارة إنما ينعت بذي اللام الجنسية ، والصواب كونه بدلا . 

وفي قوله في : فاستبقوا الصراط : [ يس : 66 ] ، وفي : سنعيدها سيرتها [ طه : 21 ] : إن المنصوب فيهما ظرف ; لأن ظرف المكان شرطه الإبهام ، والصواب : أنه على إسقاط الجار توسعا ، وهو فيهما ( إلى ) . 

وفي قوله : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله [ المائدة : 117 ] : إن ( أن ) مصدرية ، وهي وصلتها عطف بيان على الهاء ، لامتناع عطف البيان على الضمير كنعته . 

وهذا الأمر السادس عده ابن هشام في المغني ، ويحتمل دخوله في الأمر الثاني . 

السابع : أن يراعي في كل تركيب ما يشاكله ، فربما خرج كلاما على شيء ، ويشهد استعمال آخر في نظير ذلك الموضع بخلافه . 

ومن ثم خطئ الزمخشري في قوله في : ومخرج الميت من الحي [ الأنعام : 95 ] إنه عطف على فالق الحب والنوى [ الأنعام : 95 ] ، ولم يجعله معطوفا على يخرج الحي من الميت [ الأنعام : 95 ] ; لأن عطف الاسم على الاسم أولى ، ولكن مجيء قوله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي [ الروم : 19 ] . بالفعل فيهما ، يدل على خلاف ذلك . 

ومن ثم خطئ من قال في : ذلك الكتاب لا ريب فيه [ البقرة : 2 ] إن الوقف على ( ريب ) و ( فيه ) خبر ( هدى ) ، ويدل على خلاف ذلك قوله في سورة السجدة : تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [ السجدة : 2 ] . 

[ ص: 548 ] ومن قال في : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : 43 ] : إن الرابط الإشارة ، وإن الصابر والغافر جعلا من عزم الأمور مبالغة ; والصواب أن الإشارة للصبر والغفران ، بدليل : وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ آل عمران : 186 ] ، ولم يقل : ( إنكم ) . 

ومن قال في نحو : وما ربك بغافل [ الأنعام : 132 ] : إن المجرور في موضع رفع ، والصواب في موضع نصب ; لأن الخبر لم يجئ في التنزيل مجردا من الباء إلا وهو منصوب . 

ومن قال في : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [ الزخرف : 87 ] : إن الاسم الكريم مبتدأ ; والصواب أنه فاعل بدليل : ليقولن خلقهن العزيز العليم [ الزخرف : 9 ] . 

تنبيه : وكذا إذا جاءت قراءة أخرى في ذلك الموضع بعينه تساعد أحد الإعرابين ، فينبغي أن يترجح ، كقوله : ولكن البر من آمن [ البقرة : 177 ] ، قيل : التقدير : ولكن ذا البر . 

وقيل : ولكن البر من آمن ، ويؤيد الأول : أنه قرئ ( ولكن البار ) . 

تنبيه : وقد يوجد ما يرجح كلا من المحتملات ، فينظر في أولاها ، نحو : فاجعل بيننا وبينك موعدا [ طه : 58 ] ف ( موعدا ) محتمل للمصدر ، ويشهد له : لا نخلفه نحن ولا أنت [ طه : 58 ] وللزمان ، ويشهد له : قال : موعدكم يوم الزينة [ طه : 59 ] وللمكان ، ويشهد له : مكانا سوى [ طه : 58 ] . وإذا أعرب ( مكانا ) بدلا منه لا ظرفا ل ( نخلفه ) تعين ذلك . 

الثامن : أن يراعى الرسم . ومن ثم خطئ من قال في : سلسبيلا [ الإنسان : 18 ] : إنها جملة أمرية ، أي : سل طريقا موصلة إليها ; لأنها لو كانت كذلك لكتبت مفصولة . 

ومن قال في : إن هذان لساحران [ طه : 63 ] : ( إنها ) إن واسمها ، أي : إن القصة ، وذان مبتدأ خبره لساحران ، والجملة خبر إن – وهو باطل برسم إن منفصلة ، و ( هذا نصبا ) متصلة . 

ومن قال في : ولا الذين يموتون وهم كفار [ النساء : 18 ] : إن اللام للابتداء ، والذين مبتدأ والجملة بعده خبره . وهو باطل ; فإن الرسم ( ولا ) . 

ومن قال في : أيهم أشد [ مريم : 69 ] : إن ( هم أشد ) مبتدأ وخبر ، وأي مقطوعة عن الإضافة . وهو باطل برسم ( أيهم ) متصلة . 

ومن قال في : وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [ المطففين : 3 ] : إن ( هم ) ضمير رفع مؤكد للواو ، وهو باطل برسم الواو فيهما بلا ألف بعدها ، والصواب : أنه مفعول . 

التاسع : أن يتأمل عند ورود المشتبهات ، ومن ثم خطئ من قال في : أحصى لما لبثوا أمدا [ ص: 549 ] [ الكهف : 12 ] إنه أفعل تفضيل ، والمنصوب تمييز ، وهو باطل ، فإن الأمد ليس محصيا ، بل محصى ، وشرط التمييز المنصوب بعد ( أفعل ) كونه فاعلا في المعنى ، فالصواب أنه فعل ، ( وأمدا ) مفعول ، مثل وأحصى كل شيء عددا [ الجن : 28 ] . 

العاشر : ألا يخرج على خلاف الأصل ، أو خلاف الظاهر لغير مقتض ، ومن ثم خطئ مكي في قوله في : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي [البقرة : 264 ] إن الكاف نعت لمصدر ، أي : إبطالا كإبطال الذي . والوجه كونه حالا من الواو ، أي : لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ، فهذا لا حذف فيه . 

الحادي عشر : أن يبحث عن الأصلي والزائد ، نحو : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [ البقرة : 237 ] ، فإنه قد يتوهم أن الواو في يعفون ضمير الجمع ، فيشكل إثبات النون ، وليس كذلك ; بل هي فيه لام الكلمة ، فهي أصلية والنون ضمير النسوة ، والفعل معها مبني ، ووزنه : ( يفعلن ) بخلاف : وأن تعفوا أقرب [ البقرة : 237 ] فالواو فيه ضمير الجمع ، وليست من أصل الكلمة . 

الثاني عشر : أن يجتنب إطلاق لفظ الزائد في كتاب الله تعالى ، فإن الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له ، وكتاب الله منزه عن ذلك ، ولذا فر بعضهم إلى التعبير بدله بالتأكيد ، والصلة ، والمقحم . 

وقال ابن الخشاب : اختلف في جواز إطلاق لفظ الزائد في القرآن : 

فالأكثرون على جوازه ، نظرا إلى أنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم ، ولأن الزيادة بإزاء الحذف ، هذا للاختصار والتخفيف ، وهذا للتوكيد والتوطئة ، ومنهم من أبى ذلك وقال : هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها ، فلا أقضي عليها بالزيادة . 

قال : والتحقيق أنه إن أريد بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فباطل ، لأنه عبث ، فتعين أن إلينا به حاجة ، لكن الحاجة إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد ، فليست الحاجة إلى اللفظ الذي عده هؤلاء زيادة كالحاجة إلى اللفظ المزيد عليه . انتهى . 

وأقول : بل الحاجة إليه كالحاجة إليه سواء ، بالنظر إلى مقتضى الفصاحة والبلاغة ، وأنه لو ترك كان الكلام دونه – مع إفادته أصل المعنى المقصود – أبتر خاليا عن الرونق البليغي ، لا شبهة في ذلك . ومثل هذا يستشهد عليه بالإسناد البياني الذي خالط كلام الفصحاء ، وعرف مواقع استعمالها وذاق حلاوة ألفاظهم ، وأما النحوي الجافي فعن ذلك بمنقطع الثرى . 

تنبيهات : 

الأول : 

قد يتجاذب المعنى والإعراب الشيء الواحد ، بأن يوجد في الكلام أن المعنى [ ص: 550 ] يدعو إلى أمر والإعراب يمنع منه ، والمتمسك به صحة المعنى ، ويئول لصحة المعنى الإعراب . وذلك كقوله تعالى : إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر [ الطارق : 8 – 9 ] ، فالظرف الذي هو يوم يقتضي المعنى أنه يتعلق بالمصدر وهو ( رجع ) أي : أنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر . لكن الإعراب يمنع منه ، لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله فيجعل العامل فيه فعلا مقدرا دل عليه المصدر . 

وكذا : أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون [ غافر : 10 ] ، فالمعنى يقتضي تعلق ( إن ) بالمقت . والإعراب يمنعه ، للفصل المذكور ، فيقدر له فعل يدل عليه . 

الثاني : قد يقع في كلامهم : هذا تفسير معنى ، وهذا تفسير إعراب ، والفرق بينهما : أن تفسير الإعراب لا بد فيه من ملاحظة الصناعة النحوية ، وتفسير المعنى لا تضره مخالفة ذلك . 

الثالث : قال أبو عبيد في ” فضائل القرآن ” : حدثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى : إن هذان لساحران [ طه : 63 ] وعن قوله تعالى : والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة [ النساء : 162 ] . وعن قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون [ المائدة : 69 ] . فقالت : يا ابن أخي ، هذا عمل الكتاب ، أخطئوا في الكتاب . هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين .

وقال حدثنا حجاج ، عن هارون بن موسى ، أخبرني الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، قال : لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن ، فقال : لا تغيروها ; فإن العرب ستغيرها – أو قال : ستعربها – بألسنتها ، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف . أخرجه ابن الأنباري في كتاب ” الرد على من خالف مصحف عثمان ” وابن أشتة في كتاب ” المصاحف ” . 

ثم أخرج ابن الأنباري نحوه ، من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ، وابن أشتة نحوه ، من طريق يحيى بن يعمر 

وأخرج من طريق أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : أنه كان يقرأ : والمقيمين الصلاة ويقول : هو لحن من الكاتب . 

[ ص: 551 ] وهذه الآثار مشكلة جدا ، وكيف يظن بالصحابة . 

أولا : أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللد ، ثم كيف يظن بهم . . 

ثانيا : في القرآن الذي تلقوه من النبي – صلى الله عليه وسلم – كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه ؟ ثم كيف يظن بهم . 

ثالثا : اجتماعهم كلهم على الخطإ وكتابته ؟ ثم كيف يظن بهم . 

رابعا : عدم تنبههم ورجوعهم عنه ؟ ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهى عن تغييره ؟ ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطإ ؟ وهو مروي بالتواتر خلفا عن سلف ؟ هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة . 

وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة : 

أحدها : أن ذلك لا يصح عن عثمان ; فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع . ولأن عثمان جعل للناس إماما يقتدون به ، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها ؟ فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار ، فكيف يقيمه غيرهم ! وأيضا فإنه لم يكتب مصحفا واحدا ، بل كتب عدة مصاحف . 

فإن قيل : إن اللحن وقع في جميعها ، فبعيد اتفاقها على ذلك ، أو في بعضها فهو اعتراف بصحة البعض ، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف ، ولم تأت المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة ، وليس ذلك بلحن . 

الثاني : على تقدير صحة الرواية ، إن ذلك محمول على الرمز والإشارة ومواضع الحذف ، نحو : ( الكتاب ) ، ( والصابرين ) وما أشبه ذلك . 

الثالث : أنه مئول على أشياء خالف لفظها رسمها ، كما كتبوا ( ولا أوضعوا ) و ( لا أذبحنه ) [ النمل : 21 ] بألف بعد لا . و ( جزاء الظالمين ) [المائدة : 29 ] بواو وألف . و ( بأيد ) [ الذاريات : 47 ] بياءين ، فلو قرئ بظاهر الخط لكان لحنا ، وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشتة في كتاب ” المصاحف ” . 

وقال ابن الأنباري في كتاب ” الرد على من خالف مصحف عثمان ” في الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك : لا تقوم بها حجة لأنها منقطعة غير متصلة ، وما يشهد عقل بأن عثمان وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته ، وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين فيه خللا ، ويشاهد في خطه زللا فلا يصلحه ، كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز ، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده . وسبيل الجائين من [ ص: 552 ] بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه . 

ومن زعم أن عثمان أراد بقوله : ( أرى فيه لحنا ) أرى في خطه لحنا ، إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب ، فقد أبطل ولم يصب ; لأن الخط منبئ عن النطق ، فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه ، ولم يكن عثمان ليؤخر فسادا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق . ومعلوم أنه كان مواصلا لدرس القرآن ، متقنا لألفاظه ، موافقا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي . 

ثم أيد ذلك بما أخرجه أبو عبيد ، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد الله بن مبارك ، حدثنا أبو وائل – شيخ من أهل اليمن – عن هانئ البربري – مولى عثمان – قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب ، فيها : ( لم يتسن ) [ البقرة : 259 ] وفيها ( لا تبديل للخلق ) [ الروم : 30 ] ، وفيها ( فمهل الكافرين ) [ الطارق : 17 ] قال : فدعا بالدواة – فمحا أحد اللامين ، فكتب لخلق الله ومحى ( فأمهل ) ، وكتب ( فمهل ) وكتب ( لم يتسنه ) ألحق فيها الهاء . 

قال ابن الأنباري : فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادا فأمضاه ، وهو يوقف على ما كتب ويرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين ، ليحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده . انتهى . 

قلت : ويؤيد هذا أيضا ما أخرجه ابن أشتة في ” المصاحف ” قال : حدثنا الحسن بن عثمان أنبأنا الربيع بن بدر ، عن سوار بن شبيب قال : سألتابن الزبير عن المصاحف ، فقال : قام رجل إلى عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس قد اختلفوا في القرآن ، فكان عمر قد هم أن يجمع القرآن على قراءة واحدة ، فطعن طعنته التي مات بها ، فلما كان في خلافة عثمان قام ذلك الرجل ، فذكر له فجمع عثمان المصاحف ثم بعثني إلى عائشةفجئت بالصحف ، فعرضناها عليها حتى قومناها ، ثم أمر بسائرها فشققت . فهذا يدل على أنهم ضبطوها وأتقنوها ، ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم . 

ثم قال ابن أشتة : أنبأنا محمد بن يعقوب ، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، أنبأنا أحمد بن مسعدة ، أنبأنا إسماعيل أخبرني الحارث بن عبد الرحمنعن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ، قال : لما فرغ من المصحف أتي به عثمان ، فنظر فيه ، فقال : أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا . 

[ ص: 553 ] فهذا الأثر لا إشكال فيه ، وبه يتضح معنى ما تقدم ، فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته ، فرأى فيه شيئا كتب على غير لسانقريش ، كما وقع لهم في ( التابوة ) و ( التابوت ) فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش ، ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم ، ولم يترك فيه شيئا . ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرفها ، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان ، فلزم منه ما لزم من الإشكال ; فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك ، ولله الحمد . 

وبعد ; فهذه الأجوبة لا يصلح منها شيء عن حديث عائشة . : 

أما الجواب بالتضعيف فلأن إسناده صحيح كما ترى . 

وأما الجواب بالرمز وما بعده ، فلأن سؤال عروة عن الأحرف المذكورة لا يطابقه ، فقد أجاب عنه ابن أشتة ، وتبعه ابن جبارة في شرح الرائية ، بأن معنى قولها ( أخطئوا ) أي : في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه . لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز . 

قال : والدليل على ذلك مالا يجوز مردود بإجماع من كل شيء ، وإن طالت مدة وقوعه . 

قال : وأما قول سعيد بن جبير : لحن من الكاتب ، فيعني : باللحن القراءة واللغة ، يعني أنها لغة الذي كتبها وقراءته ، وفيها قراءة أخرى . 

ثم أخرج عن إبراهيم النخعي ، أنه قال : إن هذان لساحران [ طه : 63 ] ، ( إن هذين لساحران ) سواء ، لعلهم كتبوا الألف مكان الياء ، والواو في قوله ( والصابئون ) مكان الياء ، قال ابن أشتة : يعني أنه من إبدال حرف في الكتاب بحرف ، مثل ” الصلوة ” و ” الزكوة و ” الحيوة ” . 

وأقول : هذا الجواب إنما يحسن لو كانت القراءة بالياء فيها والكتابة بخلافها ، وأما القراءة على مقتضى الرسم فلا ، وقد تكلم أهل العربية على هذه الأحرف ووجهوها على أحسن توجيه . 

أما قوله : ( إن هذان لساحران ) ففيه أوجه : 

أحدها : أنه جار على لغة من يجري المثنى بالألف في أحواله الثلاثة ، وهي لغة مشهورة لكنانة ، وقيل : لبني الحارث . 

الثاني : أن اسم ( إن ) ضمير الشأن محذوفا ، والجملة مبتدأ وخبر ، خبر إن . 

الثالث : كذلك ، إلا أن ( ساحران ) خبر مبتدإ محذوف ، والتقدير : لهما ساحران . 

[ ص: 554 ] الرابع : أن ( إن ) هنا بمعنى : نعم . 

الخامس : أن ( ها ) ضمير القصة اسم إن ، و ( ذان لساحران ) مبتدأ وخبر ، وتقدم رد هذا الوجه بانفصال ( إن ) واتصالها في الرسم . 

قلت : وظهر لي وجه آخر ، وهو أن الإتيان بالألف لمناسبة ( ساحران ) يريدان كما نون ( سلاسلا ) لمناسبة ( وأغلالا ) [ الإنسان : 4 ] و من سبإلمناسبة بنبإ [ النمل : 22 ] . 

وأما قوله والمقيمين الصلاة [ النساء : 162 ] ففيه أيضا أوجه : 

أحدها : أنه مقطوع إلى المدح بتقدير : ( أمدح ) ، لأنه أبلغ . 

الثاني : أنه معطوف على المجرور في ( يؤمنون بما أنزل إليك ) أي : ويؤمنون بالمقيمين الصلاة ، وهم الأنبياء . وقيل : الملائكة ، وقيل : التقدير : يؤمنون بدين المقيمين ، فيكون المراد بهم المسلمين ، وقيل : بإجابة المقيمين . 

الثالث : أنه معطوف على ( قبل ) أي : ومن قبل المقيمين ، فحذفت ( قبل ) وأقيم المضاف إليه مقامه . 

الرابع : أنه معطوف على الكاف في ( قبلكم ) . 

الخامس : أنه معطوف على الكاف في ( إليك ) . 

السادس : أنه معطوف على الضمير في منهما . 

حكى هذه الأوجه أبو البقاء . 

وأما قوله : ( والصابئون ) [ المائدة : 69 ] . ففيه أيضا أوجه : 

أحدها : أنه مبتدأ حذف خبره ، أي : والصابئون كذلك . 

الثاني : أنه معطوف على محل ( إن ) مع اسمها ، فإن محلهما رفع بالابتداء . 

الثالث : أنه معطوف على الفاعل في هادوا . 

الرابع : أن ( إن ) بمعنى نعم ف ( الذين آمنوا ) وما بعده ، في موضع رفع ، والصابئون عطف عليه . 

[ ص: 555 ] الخامس : أنه على إجراء صيغة الجمع مجرى المفرد ، والنون حرف الإعراب . حكى هذه الأوجه أبو البقاء . 

تذنيب : يقرب مما تقدم عن عائشة ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، وابن أشتة في المصاحف ، من طريق إسماعيل المكي ، عن أبي خلف مولىبني جمح : أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ، فقال : جئت أسألك عن آية في كتاب الله تعالى ، كيف كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقرؤها ؟ 

قالت : أية آية ؟ 

قال : والذين يؤتون ما آتوا [ المؤمنون : 60 ] أو ( والذين يأتون ما أتوا ) . 

فقالت : أيتهما أحب إليك ؟ 

قلت : والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلي من الدنيا جميعا . 

قالت : أيهما ؟ 

قلت : ( والذين يأتون ما أتوا ) 

فقالت : أشهد أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كذلك كان يقرؤها ، وكذلك أنزلت ، ولكن الهجاء حرف . 

وما أخرجه ابن جرير ، وسعيد بن منصور في سننه : من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله حتى تستأنسوا وتسلموا [ النور : 27 ] قال : إنما هي خطأ من الكاتب ( حتى تستأذنوا وتسلموا ) أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ ( هو ) – فيما أحسب – مما أخطأت به الكتاب . 

وما أخرجه ابن الأنباري ، من طريق عكرمة ، عن ابن عباس : أنه قرأ ( أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) ، فقيل : له : إنها في المصحف أفلم ييأس [ الرعد : 31 ] فقال أظن الكاتب كتبها وهو ناعس . 

وما أخرجه سعيد بن منصور ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه كان يقول [ ص: 556 ] في قوله تعالى : وقضى ربك [ الإسراء : 23 ] : إنما هي ( ووصى ربك ) التزقت الواو بالصاد . 

وأخرجه ابن أشتة ، بلفظ : ( استمد مدادا كثيرا فالتزقت الواو بالصاد ) وأخرجه من طريق أخرى عن الضحاك أنه قال : كيف تقرأ هذا الحرف ؟ قال :وقضى ربك [ الإسراء : 23 ] قال : ليس كذلك نقرؤها نحن ، ولا ابن عباس إنما هي ( ووصى ربك ) وكذلك كانت تقرأ وتكتب ، فاستمد كاتبكم ، فاحتمل القلم مدادا كثيرا ، فالتصقت الواو بالصاد ; ثم قرأ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله [ النساء : 131 ] ، ولو كانت ( قضى ) من الرب ، لم يستطع أحد رد قضاء الرب ، ولكنه وصية أوصى بها العباد . 

وما أخرجه سعيد بن منصور وغيره ، من طريق عمرو بن دينار ، عن عكرمة عن ابن عباس : أنه كان يقرأ : ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء ) ويقول : خذوا هذه الواو واجعلوها هنا : ( والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) الآية . 

وأخرجه ابن أبي حاتم ، من طريق الزبير بن خريت ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : انزعوا هذه الواو فاجعلوها في الذين يحملون العرش ومن حوله [ غافر : 7 ] . 

وما أخرجه ابن أشتة وابن أبي حاتم ، من طريق عطاء ، عن ابن عباس في قوله تعالى : مثل نوره كمشكاة [ النور : 35 ] قال : هي خطأ من الكاتب ، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ; إنما هي : ( مثل نور المؤمن كمشكاة ) . 

وقد أجاب ابن أشتة عن هذه الآثار كلها بأن المراد أخطئوا في الاختيار ، وما هو الأولى لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة ، لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن . 

قال : فمعنى قول عائشة : حرف الهجاء ، ألقي إلى الكاتب هجاء غير ما كان الأولى أن يلقى إليه من الأحرف السبعة . 

قال : وكذا معنى قول ابن عباس : ( كتبها وهو ناعس ) يعني فلم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر ، وكذا سائرها . 

وأما ابن الأنباري فإنه جنح إلى تضعيف الروايات ، ومعارضتها بروايات أخر عن ابن عباس وغيره ، بثبوت هذه الأحرف في القراءة ، والجواب الأول أولى وأقعد . 

ثم قال ابن أشتة : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا ابن الأسود ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه عن خارجة بن زيد [ ص: 557 ] قال : قالوا لزيد : يا أبا سعيد ، أوهمت ! إنما هي : ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين اثنين ومن المعز اثنين اثنين ومن الإبل اثنين اثنين ومن البقر اثنين اثنين ) فقال : ; لأن الله تعالى يقول : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى [ القيامة : 39 ] فهما زوجان . كل واحد منهما زوج : الذكر زوج ، والأنثى زوج . 

قال ابن أشتة : فهذا الخبر يدل على أن القوم يتخيرون أجمع الحروف للمعاني وأسلسها على الألسنة ، وأقربها في المأخذ ، وأشهرها عند العرب للكتابة في المصاحف ، وأن الأخرى كانت قراءة معروفة عند كلهم ، وكذا ما أشبه ذلك . انتهى . 

فائدة : فيما قرئ بثلاثة أوجه : الإعراب ، أو البناء ، أو نحو ذلك . 

قد رأيت تأليفا لطيفا لأحمد بن يوسف بن مالك الرعيني ، سماه ” تحفة الأقران فيما قرئ بالتثليث من حروف القرآن ” . 

الحمد لله [ الفاتحة : 2 ] قرئ بالرفع على الابتداء ، والنصب على المصدر ، والكسر على إتباع الدال اللام في حركتها . 

رب العالمين [ الفاتحة : 2 ] قرئ بالجر على أنه نعت ، وبالرفع على القطع بإضمار مبتدإ ، وبالنصب عليه بإضمار فعل ، أو على النداء . 

الرحمن الرحيم [ الفاتحة : 3 ] قرئ بالثلاثة . 

اثنتا عشرة عينا [ البقرة : 60 ] قرئ بسكون الشين وهي لغة تميم ، وكسرها وهي لغة الحجاز ، وفتحها وهي لغة بلي . 

بين المرء [ الأنفال : 24 ] قرئ بتثليث الميم ، لغات فيه . 

فبهت الذي كفر [ البقرة : 258 ] قراءة الجماعة بالبناء للمفعول ، وقرئ بالبناء للفاعل ، بوزن ضرب وعلم وحسن . 

ذرية بعضها من بعض [ آل عمران : 34 ] قرئ بتثليث الذال . 

واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام [ النساء : 1 ] قرئ بالنصب عطفا على لفظ الجلالة ، وبالجر عطفا على ضمير به ، وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف ، أي : والأرحام مما يجب أن تتقوه وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه . 

[ ص: 558 ] لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر [ النساء : 95 ] قرئ بالرفع صفة ل ( القاعدون ) وبالجر صفة ل ( المؤمنين ) وبالنصب على الاستثناء . 

وامسحوا برءوسكم وأرجلكم [ المائدة : 6 ] ، قرئ بالنصب عطفا على الأيدي ، وبالجر على الجوار أو غيره ، وبالرفع على الابتداء ، والخبر محذوف دل عليه ما قبله . 

فجزاء مثل ما قتل من النعم [ المائدة : 95 ] قرئ بجر ( مثل ) بإضافة ( جزاء ) إليه ، وبرفعه وتنوين ( مثل ) صفة له ، وبنصبه مفعول ب ( جزاء ) .

والله ربنا [ الأنعام : 23 ] قرئ بجر ربنا نعتا أو بدلا ، وبنصبه على النداء أو بإضمار أمدح ، وبرفعه ورفع لفظ الجلالة مبتدأ وخبر . 

ويذرك وآلهتك [ الأعراف : 127 ] . قرئ برفع ( يذرك ) ونصبه وجزمه للخفة . 

فأجمعوا أمركم وشركاءكم [ يونس : 71 ] . قرئ بنصب ( شركاءكم ) مفعولا معه ، أو معطوفا ، أو بتقدير ( وادعوا ) وبرفعه عطفا على ضمير ( فأجمعوا ) أو مبتدأ خبره محذوف ، وبجره عطفا على ( كم ) في ( أمركم ) . 

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها [ يوسف : 105 ] قرئ بجر ( والأرض ) عطفا على ما قبله ، وبنصبها من باب الاشتغال . وبرفعها على الابتداء ، والخبر ما بعدها ( موعدك بملكنا ) [ طه : 87 ] قرئ بتثليث الميم . 

وحرام على قرية [ الأنبياء : 95 ] قرئ بلفظ الماضي بفتح الراء وكسرها وضمها ، وبلفظ الوصف بكسر الراء وسكونها مع فتح الحاء ، وبسكونها مع كسر الحاء ( وحرام ) بالفتح وألف ، فهذه سبع قراءات . 

كوكب دري [ النور : 35 ] قرئ بتثليث الدال . 

يس [ يس : 1 ] القراءة المشهورة بسكون النون ، وقرئ شاذا بالفتح للخفة ، والكسر لالتقاء الساكنين ، وبالضم على النداء . 

[ ص: 559 ] سواء للسائلين [ فصلت : 10 ] ، قرئ بالنصب على الحال ، وشاذا بالرفع ، أي : هو ، وبالجر حملا على ( الأيام ) . 

ولات حين مناص [ ص : 3 ] قرئ بنصب ( حين ) ورفعه وجره . 

وقيله يارب [ الزخرف : 88 ] . قرئ بالنصب على المصدر ، وبالجر ، وتقدم توجيهه ، وشاذا بالرفع عطفا على علم الساعة [ الزخرف : 85 ] . 

ق [ ق : 1 ] القراءة المشهورة بالسكون ، وقرئ شاذا بالفتح والكسر لما مر أي : للخفة ولالتقاء الساكنين . 

الحبك [ الذاريات : 7 ] فيه سبع قراءات : ضم الحاء والباء ، وكسرهما وفتحهما ، وضم الحاء وسكون الباء ، وضمها وفتح الباء ، وكسرها وسكون الباء ، وكسرها وضم الباء . 

والحب ذو العصف والريحان [ الرحمن : 12 ] قرئ برفع الثلاثة ونصبها وجرها . 

وحور عين كأمثال اللؤلؤ [ الواقعة : 22 – 23 ] قرئ برفعهما وجرهما ، ونصبهما بفعل مضمر ، أي : ويزوجون . 

فائدة : قال بعضهم : ليس في القرآن على كثرة منصوباته مفعول معه . 

قلت : في القرآن عدة مواضع أعرب كل منها مفعولا معه : 

أحدها : – وهو أشهرها – قوله تعالى : فأجمعوا أمركم وشركاءكم [ يونس : 71 ] أي : أجمعوا أنتم مع شركائكم أمركم ؛ ذكره جماعة منهم . 

الثاني : قوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا [ التحريم : 6 ] قال : الكرماني في غرائب التفسير : هو مفعول معه ، أي : مع أهليكم . 

الثالث : قوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين [ البينة : 1 ] قال الكرماني : يحتمل أن يكون قوله : ( والمشركين ) مفعولا معه من ( الذين ) أو من الواو في كفروا . 

كتاب البرهان في علوم القرآن : فصل في أنواع علوم القرآن : النوع السادس عشر معرفة ما وقع من غير لغة أهل الحجاز من قبائل العرب

معرفة ما وقع من غير لغة أهل الحجاز 

من قبائل العرب 

قد تقدم في النوع الحادي عشر الإشارة إلى الخلاف في ذلك ، والمعروف أنه بلغة قريش ، وحكي عن أبي الأسود الديلي أنه نزل بلسان الكعبين : كعب بن لؤي جد قريش ، [ ص: 379 ] وكعب بن عمرو ، جد خزاعة فقال له خالد بن سلمة : إنما نزل بلسان قريش ، وقال ابن عباس : نزل بلسان قريشولسان خزاعة ، وذلك أن الدار كانت واحدة . 

وقال أبو عبيد في كتاب ” فضائل القرآن ” عن ابن عباس – رضي الله عنهما – نزل بلغة الكعبين : كعب قريش ، وكعب خزاعة . قيل : وكيف ذاك ؟ قال : لأن الدار واحدة . 

قال أبو عبيد : يعني أن خزاعة جيران قريش ، فأخذوا بلغتهم . 

وأما الكلبي فإنه روى عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزل القرآن على سبع لغات ، منها خمس بلغة العجز من هوازن . قال أبو عبيد : العجز هم سعد بن بكر ، وجشم ، ونصر بن معاوية ، وثقيف ، وهذه القبائل هي التي يقال لها عليا هوازن ، وهم الذين [ ص: 380 ] قال فيهم أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم . فهذه عليا هوازن ، وأما سفلى تميم فبنو دارم . 

وقال أبو ميسرة : بكل لسان ، وقيل : إن فيه من كل لغات العرب . ولهذا قال الشافعي في الرسالة : لا نعلمه يحيط باللغة إلا نبي . 

قال الصيرفي : يريد من بعث بلسان جماعة العرب حتى يخاطبها به . 

قال : وقد فضل الفراء لغة قريش على سائر اللغات ، وزعم أنهم يسمعون كلام العرب فيختارون من كل لغة أحسنها ، فصفا كلامهم ، وذكر قبح عنعنةتميم ، وكشكشة ربيعة ، وعجرفة قيس . 

وذكر أن عمر – رضي الله عنه – قال : يا رسول الله ، إنك تأتينا بكلام من كلام العرب وما نعرفه ، ولنحن العرب حقا . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إن ربي علمني فتعلمت ، وأدبني فتأدبت . 

قال الصيرفي : ولست أعرف إسناد هذا الحديث ، وإن صح فقد دل على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد عرف ألسنة العرب . 

وقال أبو عمر بن عبد البر في ” التمهيد ” : قول من قال : نزل بلغة قريش ، معناه عندي في الأغلب لأن غير لغة قريش موجودة في جميع القراءات من تحقيق الهمزة ونحوها ، وقريش لا تهمز ، وقد روى الأعمش ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف ; صار في عجز هوازن منها خمسة . 

وقال أبو حاتم : خص هؤلاء دون ربيعة [ ص: 381 ] وسائر العرب ، لقرب جوارهم من مولد النبي – صلى الله عليه وسلم – ومنزل الوحي ، وإنماربيعة ومضر أخوان ، قال : وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن تقرأ بها لغات قريش ، ثم أدناهم من بطون مضر . 

وقال الشيخ جمال الدين بن مالك : أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين ; فمن القليل إدغام ومن يشاق الله ( الآية : 4 ) في ” الحشر ” ، ومن يرتدد منكم عن دينه ( البقرة : 217 ) ، في قراءة غير نافع وابن عامر ، فإن الإدغام في المجزوم والاسم المضاعف لغة بني تميم ، ولهذا قل ، والفك لغة أهل الحجاز ; ولهذا كثر ; نحو : ومن يرتدد منكم عن دينه ( البقرة : 217 ) ، فليملل وليه ( البقرة : 282 ) ، و يحببكم الله ( آل عمران : 31 ) ، ويمددكم ( نوح : 12 ) ، ومن يشاقق في ” النساء ” ( الآية : 115 ) ، و ” الأنفال ” ( الآية : 13 ) ، من يحادد الله (التوبة : 63 ) ، فليمدد ( الحج : 15 ) ، واحلل عقدة ( طه : 27 ) ، و اشدد به أزري ( طه : 31 ) ، ومن يحلل عليه غضبي ( طه : 81 ) . 

قال : وأجمع القراء على نصب : إلا اتباع الظن ( النساء : 157 ) ; لأن لغة الحجازيين التزام النصب في المنقطع ، وإن كان بنو تميم يتبعون كما أجمعوا على نصب ما هذا بشرا ( يوسف : 31 ) ; لأن القرآن نزل بلغة الحجازيين . 

وزعم الزمخشري أن قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ( النمل : 65 ) أنه استثناء منقطع ، جاء على لغة بني تميم ،ثم نازعه في ذلك .

 كتاب البرهان في علوم القرآن » فصل في أنواع علوم القرآن » النوع العشرون إعراب القرآن ومعرفة الأحكام من جهة إفرادها وتركيبها

إعراب القرآن 

ومعرفة الأحكام من جهة إفرادها وتركيبها . 

ويؤخذ ذلك من علم النحو ; وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن ، ومن أوضحها كتاب [ ص: 406 ] [ ص: 407 ] [ ص: 408 ] [ ص: 409 ]” الحوفي ” ، ومن أحسنها كتاب ” المشكل ” ، وكتاب أبي البقاء العكبري ، [ ص: 410 ] وكتاب المنتجب الهمذاني ، وكتاب الزمخشري ، وابن عطية ، وتلاهم الشيخ أبو حيان . 

قالوا : والإعراب يبين المعنى ، وهو الذي يميز المعاني ، ويوقف على أغراض المتكلمين ; بدليل قولك : ” ما أحسن زيدا ، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن ، وكذلك فرقوا بالحركات وغيرها بين المعاني فقالوا : ” مفتح ” للآلة التي يفتح بها ، و ” مفتح ” لموضع الفتح ، و ” مقص ” للآلة ، و ” مقص ” للموضع الذي يكون فيه القص ، ويقولون : امرأة طاهر من الحيض ; لأن الرجل يشاركها في الطهارة . 

وعلى الناظر في كتاب الله الكاشف عن أسراره النظر في هيئة الكلمة وصيغتها ومحلها ; ككونها مبتدأ أو خبرا أو فاعلة أو مفعولة ، أو في مبادئ الكلام أو في جواب ، إلى غير ذلك من تعريف أو تنكير أو جمع قلة أو كثرة إلى غير ذلك . 

ويجب عليه مراعاة أمور : 

أحدها – وهو أول واجب عليه – : أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفردا كان أو مركبا قبل الإعراب ; فإنه فرع المعنى ، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور إذا قلنا بأنها من المتشابه الذي استأثره الله بعلمه ; ولهذا قالوا في توجيه النصب في كلالة في قوله تعالى : وإن كان رجل يورث كلالة [ ص:411 ] ( النساء : 12 ) أنه يتوقف على المراد بالكلالة ، هل هو اسم للميت أو للورثة أو للمال ، فإن كان اسما للميت فهي منصوبة على الحال ، وإن ” كان ” تامة لا خبر لها بمعنى وجد . ويجوز أن تكون ناقصة ، والكلالة خبرها ، وجاز أن يخبر عن النكرة ; لأنها قد وصفت بقوله : يورث ، والأول أوجه ، وإن كانت اسما للورثة فهي منصوبة على الحال من ضمير يورث لكن على حذف مضاف ، أي : ذا كلالة ، وعلى هذا فـ ” كان ” ناقصة ، ويورث خبر ، ويجوز أن تكون تامة ، فـ ” يورث ” صفة ، ويجوز أن يكون خبرا ، فتكون صفته ، وإن كانت اسما للمال فهي مفعول ثان لـ ” يورث ” كما تقول : ورثت زيدا مالا . وقيل : تمييز وليس بشيء ، ومن جعل الـ ( كلالة ) الوارثة فهي نعت لمصدر محذوف ; أي : وارثه كلالة ، أي : يورث بالوراثة التي يقال لها الكلالة ، هذا كله على قراءة يورث بفتح الراء ، فأما من قرأ يورث بكسرها مخففة أو مشددة ، فالكلالة هي الورثة أو المال . 

ومن ذلك تقاة في قوله تعالى : إلا أن تتقوا منهم تقاة ( آل عمران : 28 ) في نصبها ثلاثة أوجه مبنية على تفسيرها ، فإن كانت بمعنى الاتقاء فهي مصدر كقوله تعالى : أنبتكم من الأرض نباتا ( نوح : 17 ) ، وإن كانت بمعنى المفعول أي : أمرا يجب اتقاؤه فهي نصب على المفعول به ، وإن كانت جمعا لـ ” رام ” و ” رماة ” فهي نصب على الحال . 

ومن ذلك إعراب أحوى من قوله تعالى : غثاء أحوى ( الأعلى : 5 ) ، وفيه قولان متضادان : أحدهما : أنه الأسود من الجفاف واليبس ، والثاني : أنه الأسود من شدة الخضرة ، كما فسر : مدهامتان ( الرحمن : 64 ) فعلى الأول هو صفة لـ غثاء ، وعلى الثاني هو حال من المرعى ، وأخر لتناسب الفواصل . 

ومنه قوله تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ‎وأمواتا ( المرسلات : 25 و 26 ) ، فإنه قيل : الكفات الأوعية ، ومفردها ” كفت ” ، والأحياء والأموات كناية عما نبت وما لا ينبت ، وقيل : الكفات مصدر كفته إذا ضمه وجمعه ، فعلى الأول أحياء وأمواتا صفة لكفاتا ، كأنه قيل : أوعية حية وميتة ، أو حالان ; وعلى الثاني فهما مفعولان لمحذوف ، ودل عليه ” كفاتا ” أي : يجمع ” أحياء وأمواتا ” . 

[ ص: 412 ] ومنه قوله : سبعا من المثاني ( الحجر : 87 ) ، فإنه إن كان المراد به القرآن فـ ” من ” للتبعيض ، و ( القرآن ) حينئذ من عطف العام على الخاص ; وإن كانت الفاتحة فـ ( من ) لبيان الجنس ، أي : سبعا هي المثاني . 

تنبيه 

قد يقع في كلامهم : ” هذا تفسير معنى ” ، و ” هذا تفسير إعراب ” ، والفرق بينها أن تفسير الإعراب لا بد فيه من ملاحظة الصناعة النحوية ، وتفسير المعنى لا يضر مخالفة ذلك ، وقد قال سيبويه في قوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ( 171 ) ” تقديره : مثلك يا محمد ، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به ” . 

واختلف الشارحون في فهم كلام سيبويهفقيل : هو تفسير معنى ، وقيل : تفسير إعراب ، فيكون في الكلام حذفان : حذف من الأول ، وهو حذف داعيهم ، وقد أثبت نظيره في الثاني ، وحذف من الثاني ، وهو حذف المنعوق ، وقد أثبت نظيره في الأول ; فعلى هذا يجوز مثل ذلك في الكلام .

والثاني : تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة ، فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش ، قال الزمخشري في ” كشافه القديم ” : القرآن لا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب ، دون الشاذ النادر الذي لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين . 

وبهذا يتبين غلط جماعة من الفقهاء والمعربين حين جعلوا من العطف على الجوار قوله تعالى : وأرجلكم ( المائدة : 6 ) في قراءة الجر ; وإنما ذلك ضرورة فلا يحمل عليه الفصيح ، ولأنه إنما يصار إليه إذا أمن اللبس ، والآية محتملة ، ولأنه إنما يجيء مع عدم حرف العطف ، وهو هاهنا موجود ، وأيضا فنحن في غنية عن ذلك ، كما قاله سيبويه : إن العرب يقرب [ ص: 413 ] عندها المسح مع الغسل ; لأنهما أساس الماء ، فلما تقاربا في المعنى حصل العطف كقوله : 

متقلدا سيفا ورمحا

ومهما أمكن المشاركة في المعنى حسن العطف وإلا امتنع ; فظهر أنه ليس على المجاورة بل على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر ، وهذا بخلاف صرف ما لا ينصرف في قوله تعالى : سلاسلا وأغلالا ( الإنسان : 4 ) فإنما أجيز في الكلام ; لأنه رد إلى الأصل ، والعطف على الجوار خروج عن الأصل ، فافترقا

الثالث : تجنب لفظ الزائد في كتاب الله تعالى ، أو التكرار ، ولا يجوز إطلاقه إلا بتأويل ; كقولهم : الباء زائدة ونحوه ، مرادهم أن الكلام لا يختل معناه بحذفها لا أنه لا فائدة فيه أصلا فإن ذلك لا يحتمل من متكلم فضلا عن كلام الحكيم . 

وقال ابن الخشاب في ” المعتمد ” : اختلف في هذه المسألة ، فذهب الأكثرون إلى جواز إطلاق الزائد في القرآن ، نظرا إلى أنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم ، وهو كثير ; لأن الزيادة بإزاء الحذف ، هذا للاختصار والتخفيف ، وهذا للتوكيد والتوطئة ، ومنهم من لا يرى الزيادة في شيء من الكلام ، ويقول : هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها ، فلا أقضي عليها بالزيادة ، ونقله عن ابن درستويه قال : والتحقيق أنه إن أريد بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فباطل ; لأنه عبث ، فتعين أن إلينا به حاجة ، لكن الحاجات إلى [ ص: 414 ] الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد ، فليست الحاجة إلى اللفظ الذي عده هؤلاء زيادة كالحاجة إلى اللفظ المزيد عليه ، وبه يرتفع الخلاف . 

وكثير من القدماء يسمون الزائد صلة ، وبعضهم يسميه مقحما ، ويقع ذلك في عبارة سيبويه .

الرابع : تجنب الأعاريب التي هي خلاف الظاهر ، والمنافية لنظم الكلام ، كتجويز الزمخشري في ( للفقراء ) في سورة ” الحشر ” ( الآية : 8 ) أن يكون بدلا من قوله : ولذي القربى ( الآية : 7 ) ، وهذا فصل كبير ، وإنما حمله عليه لأن أبا حنيفة يقول : إنه لا يستحق القريب بقرابته بل لكونه فقيرا ، والشافعي يخالفه ، ونظيره إعراب بعضهم : الذين ظلموا ( الأنبياء : 3 ) بدلا من المجرور في قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم ( الأنبياء : 1 ) . 

الخامس : تجنب التقادير البعيدة والمجازات المعقدة ، ولا يجوز فيه جميع ما يجوزه النحاة في شعر امرئ القيس وغيره من ذلك ، وأن تقول في نحو : اغفر لنا ، واهدنا فعلي دعاء أو سؤال ، ولا تقول : فعلي أمر ; تأدبا من جهة أن الأمر يستلزم العلو والاستعلاء على الخلاف فيه . 

وقال أبو حيان التوحيدي في البصائر : سألت السيرافي عن قوله تعالى : قائما بالقسط [ ص: 415 ] ( آل عمران : 18 ) بم انتصب ؟ قال : بالحال . قلت : لمن الحال ؟ قال : لله تعالى . قلت : فيقال : لله حال ؟ قال : إن الحال في اللفظ لا لمن يلفظ بالحال عنه . ولكن الترجمة لا تستوفي حقيقة المعنى في النفس إلا بعد أن يصوغ الوهم هذه الأشياء صياغة تسكن إليها النفس ، وينتفع بها القلب ، ثم تكون حقائق الألفاظ في مفادها غير معلومة ولا منقوضة باعتقاد ، وكما أن المعنى على بعد من اللفظ ، كذلك الحقيقة على بعد من الوهم . 

السادس : البحث عن الأصلي والزائد ، ومن هذا قوله تعالى : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ( البقرة : 237 ) فإنه قد نتوهم الواو في الأولى ضمير الجمع ، فيشكل ثبوت النون مع ” أن ” وليس كذلك ; بل الواو هنا لام الكلمة ، والنون ضمير جمع المؤنث ، فبنى الفعل معها على السكون ; فإذا وصل الناصب أو الجازم لا تحذف النون ، ومثله : ” النساء يرجون ” بخلاف ” الرجال يرجون ” ; فإن الواو فيه ضمير الجمع ، والنون حرف علامة للرفع ، وأصله ” يرجوون ” أعلت لام الكلمة بما يقتضيه التصريف ، فإذا دخل الجازم حذف النون ، وهذا مما اتفق فيه اللفظ واختلف في التقدير . 

وكذلك يبحث عما تقتضيه الصناعة في التقدير ، ولا يؤخذ بالظاهر ، ففي نحو قوله تعالى : لا مرحبا بهم ( ص : 59 ) يتبادر إلى الذهن أن مرحبا نصب اسم ” لا ” ، وهو فاسد ; لأن شرط عملها في الاسم ألا يكون معمولا لغيرها ; وإنما نصب بفعل مضمر يجب إضماره و ( لا ) دعاء ، و ( بهم ) بيان للمدعو عليهم ، وأجاز أبو البقاء أن ينصب على المفعول به ، أي : لا يسمعون مرحبا ، وأجاز في جملة : لا مرحبا أن تكون مستأنفة ، وأن تكون حالا ، أي : هذا فوج مقولا له : لا مرحبا وفيه نظر ; لأنه قدر ” مقولا ” فمقولا هو الحال ، و لا مرحبا محكية بالقول في موضع نصب . 

[ ص: 416 ] ومنه قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله ( الحجرات : 7 ) يتبادر إلى الذهن أن الظرف قبله خبر ” أن ” على التقديم ، وهو فاسد ; لأنه ليس المراد الإخبار بأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيهم ، وإنما الغرض أنه لو أطاعكم في كثير من الأمر لعنتم ، وإنما فيكم حال ، والمعنى : واعلموا أن رسول الله في حال كونه فيكم لو أطاعكم لكان كذا . 

ومنه قوله تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا ( فاطر : 36 ) ، وقوله : ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( المرسلات : 36 ) فإن الجواب وقع فيهما بعد النفي مقرونا بالفاء ، وفي الأولى حذفت النون ، وفي الثانية أثبتها ، فما الفرق بينهما ؟ وجوابه أن حذف النون جوابا للنفي هو على أحد معنيي نصب ” ما تأتينا فتحدثنا ” أي : ما يكون إتيان ولا حديث ، والمعنى الثاني إثبات الإتيان ونفي الحديث ، أي : ما تأتينا محدثا ، أي : تأتينا غير محدث وهذا لا يجوز في الآية . وأما إثبات النون فعلى العطف . 

وقريب من ذلك قوله تعالى : أبشرا منا واحدا نتبعه ( القمر : 24 ) ، وقوله : أبشر يهدوننا ( التغابن : 6 ) حيث انتصب بشرا في الأول ، وارتفع في الثاني ، فيقال : ما الفرق بينهما ؟ والجواب : أن نصب بشرا على الاشتغال ، والشاغل للعامل منصوب ، فصح لعامله أن يفسر ناصبا ، وأما في الثانية فالشاغل مرفوع مفسر رافعا ، وهذا كما تقول : أزيد قام ؟ فزيد مرفوع على الفاعلية ; لطلب أداة الفعل ، فهذا في الاشتغال ، والشاغل مرفوع ، وتقول فيما الشاغل فيه منصوب :أزيدا ضربته ؟ 

وقريب منه إجماع القراء على نصب ” قليل ” في : فشربوا منه إلا قليلا ( البقرة : 49 ) اختلفوا في ما فعلوه إلا قليل ( النساء : 66 ) ، وإنما كان كذلك لأن قليلا الأول استثناء من موجب ، والثاني استثناء من منفي . 

فإن قيل : فلم أجمعوا على النصب في فلا يؤمنون إلا قليلا ( النساء : 46 ) مع أنه استثناء من غير موجب ؟ قيل : لأن هذا استثناء مفرغ ، وهو نعت لمصدر محذوف ، فالتقدير : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا . 

ومثله : وكلا وعد الله الحسنى في سورة ” الحديد ” ( الآية : 10 ) قرأها ابن عامر برفع [ ص: 417 ] كل ووافق الجماعة على النصب في ” النساء ” ( الآية : 95 ) ، والفرق أن الذي في سورة ” الحديد ” شغل الخبر بهاء مضمرة ، وليس قبل هذه الجملة جملة فعلية ، فيختار لأجلها النصب ، فرفع بالابتداء ، وأما التي في سورة ” النساء ” فإنما اختير فيها النصب ; لأن قبله جملة فعلية ، وهي قول الله تعالى : وفضل الله المجاهدين .

تنبيه 

قد يتجاذب الإعراب والمعنى الشيء الواحد ، وكان أبو علي الفارسي يلم به كثيرا ، وذلك أنه يوجد في الكلام أن المعنى يدعو إلى أمر ، والإعراب يمنع منه ، قالوا : والتمسك بصحة المعنى يئول لصحة الإعراب ، وذلك كقوله تعالى : إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر ( الطارق : 8 و 9 ) فالظرف الذي هو يوم يقتضي المعنى أن يتعلق بالمصدر الذي هو ” رجع ” ، أي : أنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر ، لكن الإعراب يمنع منه ; لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي ، يجعل العامل فيه فعلا مقدرا دل عليه المصدر . 

وكذا قوله سبحانه : لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ( المؤمن : 10 ) فالمعنى يقتضي تعلق إذ بالمقت ، والإعراب يمنعه ; للفصل بين المصدر ومعموله بالخبر ، فيقدر له فعل يدل عليه المقت . 

وكذلك قوله تعالى : أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير ( العاديات : 9 و 10 و 11 ) فالمعنى : أن العامل في إذ ( خبير ) والإعراب يمنعه ; لأن ما بعده إن لا يعمل فيما قبلها ، فاقتضى أن يقدر له العامل . 

على النحوي بيان مراتب الكلام ; فإن مرتبة العمدة قبل مرتبة الفضلة ، ومرتبة المبتدأ [ ص: 418 ] قبل مرتبة الخبر ، ومرتبة ما يصل إليه بنفسه قبل مرتبة ما يصل إليه بحرف الجر ، وإن كانا فضلتين ومرتبة المفعول الأول قبل مرتبة المفعول الثاني ، وإذا اتصل الضمير بما مرتبته التقديم وهو يعود على ما مرتبته التأخير ، فلا يجوز أن يتقدم ; لأنه يكون متقدما لفظا ومرتبة ، وإذا اتصل الضمير بما مرتبته التأخير وهو يعود على ما مرتبته التقديم ، فلا يجوز أن يتقدم ; لأنه يكون مقدما لفظا مؤخرا رتبة ، فعلى هذا يجوز : ” في داره زيد ” ; لاتصال الضمير بالخبر ومرتبته التأخير ، ولا يجوز : ” صاحبها في الدار ” ; لاتصال الضمير بالمبتدأ ، ومرتبته التقديم . 

النوع الثاني والخمسون في حقيقته ومجازه 

لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن وهي كل لفظ بقي على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير وهذا أكثر الكلام . 

وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه ، وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية ، وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على الله تعالى . 

وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن ، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها . 

وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين ابن عبد السلام ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته : مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن وهو قسمان . 

الأول : المجاز في التركيب ، ويسمى مجاز الإسناد ، والمجاز العقلي وعلاقته الملابسة وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لملابسته له كقوله تعالى : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الأنفال : 2 ] ، نسبت الزيادة – وهي فعل الله – إلى الآيات لكونها سببا لها يذبح أبناءهم القصص : 4 ] . ياهامان ابن لي غافر : 36 ] . نسب الذبح وهو فعل الأعوان إلى فرعون والبناء وهو فعل العملة إلى ص: 30 ]هامان لكونهما آمرين به . 

وكذا قوله : وأحلوا قومهم دار البوار إبراهيم : 28 ] ، نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به . 

ومنه قوله تعالى : يوما يجعل الولدان شيبا المزمل : 17 ] ، نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه . عيشة راضية الحاقة : 21 ] ؛ أي : مرضيةفإذا عزم الأمر محمد : 21 ] ؛ أي : عزم عليه ، بدليل : فإذا عزمت آل عمران : 159 ] . 

وهذا القسم أربعة أنواع : 

أحدها : ما طرفاه حقيقيان كالآية المصدر بها ، وكقوله : وأخرجت الأرض أثقالها الزلزلة : 2 ] . 

ثانيها : مجازيان ، نحو : فما ربحت تجارتهم البقرة : 16 ] ؛ أي : ما ربحوا فيها ، وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز . 

ثالثها ورابعها : ما أحد طرفيه حقيقي دون الآخر . 

أما الأول والثاني ، فكقوله : أم أنزلنا عليهم سلطانا الروم : 35 ] ؛ أي : برهانا كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا المعارج : 15 ، 16 ، 17 ] ، فإن الدعاء من النار مجاز . 

وقوله : حتى تضع الحرب أوزارها محمد : 4 ] . تؤتي أكلها كل حين إبراهيم : 25 ] ، فأمه هاوية القارعة : 9 ] ، واسم الأم الهاوية مجاز ، أي : كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له ، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع . 

القسم الثاني : المجاز في المفرد ، ويسمى المجاز اللغوي ، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا ، وأنواعه كثيرة . 

أحدها : الحذف ، وسيأتي مبسوطا في نوع الإيجاز ، فهو به أجدر خصوصا إذا قلنا إنه ليس من أنواع المجاز . 

الثاني : الزيادة وسبق تحرير القول فيها في نوع الإعراب . 

ص: 31 ] الثالث : إطلاق اسم الكل على الجزء ، نحو : يجعلون أصابعهم في آذانهم البقرة : 19 ] ؛ أي : أناملهم . ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار ، فكأنهم جعلوا الأصابع ، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم المنافقون : 4 ] ؛ أي : وجوههم ؛ لأنه لم ير جملتهم . فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة : 158 ] أطلق الشهر وهو اسم الثلاثين ليلة ، وأراد جزءا منه ، كذا أجاب به الإمام فخر الدين عن استشكال أن الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط ، والشرط أن يشهد الشهر وهو اسم لكله حقيقة ، فكأنه أمر بالصوم بعد مضي الشهر وليس كذلك ، وقد فسره علي وابن عباس وابن عمر على أن المعنى : من شهد أول الشهر فليصم جميعه ، وإن سافر في أثنائه . 

أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما ، وهو أيضا من هذا النوع ويصلح أن يكون من نوع الحذف . 

الرابع : عكسه ، نحو : ويبقى وجه ربك الرحمن : 27 ] ؛ أي : ذاته فولوا وجوهكم شطره البقرة : 144 ] ؛ أي : ذواتكم إذ الاستقبال يجب بالصدر وجوه يومئذ ناعمة الغاشية : 8 ] ، وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة الغاشية : 2 ، 3 ] ، عبر بالوجوه عن جميع الأجساد ؛ لأن التنعم والنصب حاصل بكلها ذلك بما قدمت يداك الحج : 10 ] ، فبما كسبت أيديكم الشورى : 30 ] ؛ أي : قدمت وكسبتم ، ونسب ذلك إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها قم الليل المزمل : 2 ] ، وقرآن الفجر الإسراء : 78 ] ، واركعوا مع الراكعين البقرة : 43 ] ، ومن الليل فاسجد له [الإنسان : 26 ] ، أطلق كلا من القيام والقراءة والركوع والسجود على الصلاة وهو بعضها هديا بالغ الكعبة المائدة : 95 ] ؛ أي : الحرم كله ، بدليل أنه لا يذبح فيها . 

تنبيه : ألحق بهذين النوعين شيئان . 

أحدهما : وصف البعض بصفة الكل كقوله : ناصية كاذبة خاطئة العلق : 16 ] ، فالخطأ صفة الكل وصف به الناصية ، وعكسه كقوله : إنا منكم وجلون الحجر : 52 ] ، والوجل صفة القلب ولملئت منهم رعبا الكهف : 18 ] ، والرعب إنما يكون في القلب . 

ص: 32 ] والثاني : إطلاق لفظ بعض مرادا به الكل ، ذكره أبو عبيدة وخرج عليه قوله ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه الزخرف : 63 ] ؛ أي : كله وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم غافر : 28 ] ، وتعقب بأنه لا يجب على النبي بيان كل ما اختلف فيه ، بدليل الساعة والروح ونحوهما ، وبأن موسى كان وعدهم بعذاب في الدنيا وفي الآخرة فقال : يصبكم هذا العذاب في الدنيا ، وهو بعض الوعيد من غير نفي عذاب الآخرة . ذكره ثعلب . 

قال الزركشي ويحتمل أيضا أن يقال : إن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه ، فكيف بعضه ، ويؤيد ما قاله ثعلب قوله فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون يونس : 46 ] . 

الخامس : إطلاق اسم الخاص على العام ، نحو : إنا رسول رب العالمين الشعراء : 16 ] ؛ أي : رسله . 

السادس : عكسه ، نحو : ويستغفرون لمن في الأرض الشورى : 5 ] ؛ أي : المؤمنين ، بدليل قوله : ويستغفرون للذين آمنوا غافر : 7 ] . 

السابع : إطلاق اسم الملزوم على اللازم 

الثامن : عكسه ، نحو : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء المائدة : 112 ] ؛ أي : هل يفعل ؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له . 

التاسع : إطلاق المسبب على السبب ، نحو : وينزل لكم من السماء رزقا غافر : 13 ] ، قد أنزلنا عليكم لباسا الأعراف : 26 ] ؛ أي : مطرا يتسبب عنه الرزق واللباس ، لا يجدون نكاحا النور : 33 ] ؛ أي : مؤنة من مهر ونفقة وما لا بد للمتزوج منه . 

العاشر : عكسه ، نحو : ما كانوا يستطيعون السمع هود : 20 ] ؛ أي : القبول والعمل به لأنه مسبب عن السمع . 

تنبيه : من ذلك نسبة الفعل إلى سبب السبب كقوله : فأخرجهما مما كانا فيه البقرة : 36 ] ، كما أخرج أبويكم من الجنة الأعراف : 27 ] ، فإن المخرج في الحقيقة هو الله ص: 33 ] تعالى وسبب ذلك أكل الشجرة ، وسبب الأكل وسوسة الشيطان . 

الحادي عشر : تسمية الشيء باسم ما كان عليه ، نحو : وآتوا اليتامى أموالهم النساء : 2 ] ؛ أي : الذين كانوا يتامى إذ لا يتم بعد البلوغ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن البقرة : 232 ] ؛ أي : الذين كانوا أزواجهن : من يأت ربه مجرما طه : 74 ] ، سماه مجرما باعتبار ما كان في الدنيا من الإجرام . 

الثاني عشر : تسميته باسم ما يؤول إليه ، نحو : إني أراني أعصر خمرا يوسف : 36 ] ؛ أي : عنبا يؤول إلى الخمرية ولا يلدوا إلا فاجرا كفارارب نوح : 27 ] ؛ أي : صائرا إلى الكفر والفجور حتى تنكح زوجا غيره البقرة : 230 ] ، سماه زوجا لأن العقد يؤول إلى زوجية ; لأنها لا تنكح إلا في حال كونه زوجا فبشرناه بغلام حليم الصافات : 101 ] ، نبشرك بغلام عليم الحجر : 53 ] ، وصفه في حال البشارة بما يؤول إليه من العلم والحلم . 

الثالث عشر : إطلاق اسم الحال على المحل ، نحو : ففي رحمة الله هم فيها خالدون آل عمران : 107 ] ؛ أي : في الجنة لأنها محل الرحمة بل مكر الليل سبإ : 33 ] ؛ أي : في الليل إذ يريكهم الله في منامك الأنفال : 33 ] ؛ أي : في عينيك على قول الحسن 

الرابع عشر : عكسه ، نحو : فليدع ناديه العلق : 17 ] ؛ أي : أهل ناديه ، أي : مجلسه ، ومنه التعبير باليد عن القدرة ، نحو : بيده الملك الملك : 1 ] ، وبالقلب عن العقل ، نحو : لهم قلوب لا يفقهون بها الأعراف : 179 ] ؛ أي : عقول . وبالأفواه عن الألسن ، نحو : يقولون بأفواههم آل عمران : 167 ] ، وبالقرية عن ساكنيها ، نحو : واسأل القرية يوسف : 82 ] ، وقد اجتمع هذا النوع وما قبله في قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد الأعراف : 31 ] ، فإن أخذ الزينة غير ممكن لأنها مصدر ، فالمراد محلها ، فأطلق عليه اسم ص: 34 ] الحال ، وأخذها للمسجد نفسه لا يجب ، فالمراد به الصلاة فأطلق اسم المحل على الحال . 

الخامس عشر : تسمية الشيء باسم آلته ، نحو : واجعل لي لسان صدق في الآخرين الشعراء : 84 ] ؛ أي : ثناء حسنا ؛ لأن اللسان آلته وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إبراهيم : 4 ] ؛ أي : بلغة قومه . 

السادس عشر : تسمية الشيء باسم ضده ، نحو : فبشرهم بعذاب أليم آل عمران : 21 ] ، والبشارة حقيقة في الخبر السار . 

ومنه تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه ذكره السكاكي ، وخرج عليه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد الأعراف : 12 ] ، يعني : ما دعاك إلى ألا تسجد ؟ وسلم بذلك من دعوى زيادة ( لا ) . 

السابع عشر : إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيها ، نحو : جدارا يريد أن ينقض فأقامه الكهف : 77 ] ، وصفه بالإرادة ، وهي من صفات الحي تشبيها لميله للوقوع بإرادته . 

الثامن عشر : إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته ، نحو : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن الطلاق : 2 ] ؛ أي : قاربن بلوغ الأجل : أي : انقضاء العدة لأن الإمساك لا يكون بعده وهو في قوله : فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن البقرة : 232 ] ، حقيقة . 

فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون الأعراف : 34 ] ؛ أي : فإذا قرب مجيئه ، وبه يندفع السؤال المشهور فيها أن عند مجيء الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير . وليخش الذين لو تركوا من خلفهم الآية [ النساء : 9 ] ؛ أي : لو قاربوا أن يتركوا خافوا ؛ لأن الخطاب للأوصياء ، وإنما يتوجه عليهم قبل الترك لأنهم بعده أموات إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا المائدة : 6 ] ؛ أي : أردتم القيام فإذا قرأت القرآن فاستعذ النحل : 98 ] ؛ أي : أردت القراءة لتكون الاستعاذة قبلها وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا الأعراف : 4 ] ؛ أي : أردنا إهلاكها ، وإلا لم يصح العطف بالفاء [ص: 35 ] وجعل منه بعضهم قوله : من يهد الله فهو المهتدي الكهف : 17 ] ؛ أي : من يرد الله هدايته وهو حسن جدا لئلا يتحد الشرط والجزاء . 

التاسع عشر : القلب إما قلب إسناد ، نحو : ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة القصص : 76 ] ؛ أي : لتنوء العصبة بها لكل أجل كتاب الرعد : 38 ] ؛ أي : لكل كتاب أجل وحرمنا عليه المراضع القصص : 12 ] ؛ أي : حرمناه على المراضع ويوم يعرض الذين كفروا على النار الأحقاف : 20 ] ؛ أي : تعرض النار عليهم لأن المعروض عليه هو الذي له الاختيار وإنه لحب الخير لشديد العاديات : 8 ] ؛ أي : وإن حبه للخير وإن يردك بخير [يونس : 107 ] ؛ أي : يرد بك الخير فتلقى آدم من ربه كلمات البقرة : 37 ] ؛ لأن المتلقي حقيقة هو آدم كما قرئ بذلك أيضا . 

أو قلب عطف ، نحو : ثم تول عنهم فانظر النمل : 28 ] ؛ أي : فانظر ثم تول ثم دنا فتدلى النجم : 8 ] ؛ أي : تدلى فدنا لأنه بالتدلي مال إلى الدنو . 

أو قلب تشبيه وسيأتي في نوعه . 

العشرون : إقامة صيغة مقام أخرى وتحته أنواع كثيرة . 

منها : إطلاق المصدر على الفاعل ، نحو : فإنهم عدو لي الشعراء : 77 ] ، ولهذا أفرده ، وعلى المفعول ، نحو : ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة : 255 ] ؛ أي : من معلومه ، صنع الله النمل : 88 ] ؛ أي : مصنوعه وجاءوا على قميصه بدم كذب يوسف : 18 ] ؛ أي : مكذوب فيه ؛ لأن الكذب من صفات الأقوال لا الأجسام . 

ومنها : إطلاق البشرى على المبشر به ، والهوى على المهوي ، والقول على المقول . 

ومنها : إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر ، نحو : ليس لوقعتها كاذبة الواقعة : 2 ] ؛ أي : تكذيب بأييكم المفتون القلم : 6 ] ؛ أي : الفتنة ، على أن الباء غير زائدة . 

ومنها : إطلاق فاعل على مفعول ، نحو : ماء دافق الطارق : 6 ] ؛ أي : مدفوق ، لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم هود : 43 ] ؛ أي : لا معصوم جعلنا حرما آمنا العنكبوت : 67 ] ؛ أي : مأمونا فيه . 

ص: 36 ] وعكسه ، نحو : إنه كان وعده مأتيا مريم : 61 ] ؛ أي : آتيا حجابا مستورا الإسراء : 45 ] ؛ أي : ساترا . 

وقيل : هو على بابه ؛ أي : مستورا عن العيون لا يحس به أحد . 

ومنها : إطلاق ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) ، نحو : وكان الكافر على ربه ظهيرا الفرقان : 55 ] ، ومنها : إطلاق واحد من المفرد والمثنى والجمع على آخر منها . 

منها : مثال إطلاق المفرد على المثنى والله ورسوله أحق أن يرضوه التوبة : 62 ] ؛ أي : يرضوهما فأفرد لتلازم الرضاءين . 

وعلى الجمع ، نحو : إن الإنسان لفي خسر العصر : 2 ] ؛ أي : الأناسي ، بدليل الاستثناء منه إن الإنسان خلق هلوعا المعارج : 19 ] ، بدليل :إلا المصلين المعارج : 22 ] . 

ومثال إطلاق المثنى على المفرد : ألقيا في جهنم ق : 24 ] ؛ أي : ألق . 

ومنه كل فعل نسب إلى شيئين وهو لأحدهما فقط ، نحو : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن : 22 ] ، وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب ، ونظيره ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها فاطر : 12 ] ، وإنما تخرج الحلية من الملح وجعل القمر فيهن نورا نوح : 16 ] ؛ أي : في إحداهن : نسيا حوتهما الكهف : 61 ] ، والناسي يوشع ، بدليل قوله لموسى فإني نسيت الحوت الكهف : 63 ] ، وإنما أضيف النسيان إليهما معا لسكوت موسى عنه فمن تعجل في يومين البقرة : 203 ] ، والتعجيل في اليوم الثاني على رجل من القريتين عظيم الزخرف : 31 ] ، قال الفارسي ؛ أي : من إحدى القريتين . 

وليس منه ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن : 46 ] ، وأن المعنى جنة واحدة ، خلافا للفراء ، وفي كتاب ” ذا القد ” لابن جني : أن منه : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين المائدة : 116 ] ، وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم 

ومثال إطلاقه على الجمع : ثم ارجع البصر كرتين الملك : 4 ] ؛ أي : كرات ؛ لأن البصر لا يحسر إلا بها ، وجعل منه بعضهم قوله : الطلاق مرتانالبقرة : 229 ] . 

ص: 37 ] ومثال إطلاق الجمع على المفرد قال رب ارجعون المؤمنون : 99 ] ؛ أي : أرجعني . 

وجعل منه ابن فارس فناظرة بم يرجع المرسلون النمل : 35 ] ، والرسول واحد بدليل : ارجع إليهم النمل : 37 ] ، وفيه نظر ؛ لأنه يحتمل أنه خاطب رئيسهم لاسيما وعادة الملوك جارية أن لا يرسلوا واحدا . وجعل منه فنادته الملائكة آل عمران : 39 ] ، ينزل الملائكة بالروح النحل : 2 ] ؛ أي : جبريل وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها البقرة : 72 ] والقاتل واحد . 

ومثال إطلاقه على المثنى : قالتا أتينا طائعين فصلت : 11 ] ، قالوا لا تخف خصمان ص : 32 ] ، فإن كان له إخوة فلأمه السدس النساء : 11 ] ؛ أي : أخوان فقد صغت قلوبكما التحريم : 4 ] ؛ أي : قلباكما وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله : وكنا لحكمهم شاهدين الأنبياء : 78 ] . 

ومنها : إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه ، نحو : أتى أمر الله النحل : 1 ] ؛ أي : الساعة ، بدليل : فلا تستعجلوه النحل : 1 ] ، ونفخ في الصور فصعق من في السماوات الزمر : 68 ] ، وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس الآية [ المائدة : 116 ] ، وبرزوا لله جميعا [إبراهيم : 21 ] ، ونادى أصحاب الأعراف الأعراف : 48 ] . 

وعكسه لإفادة الدوام والاستمرار ، فكأنه وقع واستمر ، نحو : أتأمرون الناس بالبر وتنسون البقرة : 44 ] . 

واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان البقرة : 102 ] ؛ أي : تلت ، ولقد نعلم النحل : 103 ] ؛ أي : علمنا ، قد يعلم ما أنتم عليه النور : 64 ] ؛ أي : علم فلم تقتلون أنبياء الله البقرة : 91 ] ؛ أي : قتلتم وكذا ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون البقرة : 87 ] ، ويقول الذين كفروا لست مرسلا الرعد : 43 ] ؛ أي : قالوا . 

ومن لواحق ذلك : التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو المفعول ؛ لأنه حقيقة في الحال لا في الاستقبال ، نحو : وإن الدين لواقع الذاريات : 6 ] ،ذلك يوم مجموع له الناس هود : 103 ] ، ومنها : إطلاق الخبر على الطلب أمرا أو نهيا أو دعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع وأخبر عنه ، قال الزمخشري ورود الخبر ، والمراد الأمر أو النهي أبلغ من صريح الأمر أو النهي كأنه سورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه ، نحو : والوالدات يرضعن البقرة : 233 ] ، والمطلقات يتربصن البقرة : 228 ] ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج البقرة : 197 ] ، ص: 38 ] على قراءة الرفع وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله البقرة : 272 ] ؛ أي : لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله لا يمسه إلا المطهرون الواقعة : 79 ] ؛ أي : لا يمسه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله البقرة : 83 ] ؛ أي : لا تعبدوا ، بدليل : وقولوا للناس حسنا البقرة : 83 ] ، لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم يوسف : 92 ] ؛ أي : اللهم اغفر لهم . 

وعكسه ، نحو : فليمدد له الرحمن مدا مريم : 75 ] ؛ أي : يمد اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم العنكبوت : 12 ] ؛ أي : ونحن حاملون بدليل : إنهم لكاذبون العنكبوت : 12 ] ، والكذب إنما يرد على الخبر فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا التوبة : 82 ] . 

قال الكواشي في الآية الأولى الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمنه اللزوم ، نحو : إن زرتنا فلنكرمك ، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم . 

وقال ابن عبد السلام لأن الأمر للإيجاب ، فشبه الخبر به في إيجابه . 

ومنها : وضع النداء موضع التعجب ، نحو : ياحسرة على العباد يس : 30 ] ، قال الفراء معناها فيا لها حسرة . وقال ابن خالويه هذه من أصعب مسألة في القرآن لأن الحسرة لا تنادى ، وإنما ينادى الأشخاص ; لأن فائدته التنبيه ، ولكن المعنى على التعجب . 

ومنها : وضع جمع القلة موضع الكثرة ، نحو : وهم في الغرفات آمنون سبإ : 37 ] ، وغرف الجنة لا تحصى لهم درجات عند ربهم الأنفال : 4 ] ، ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا محالة . الله يتوفى الأنفس الزمر : 42 ] ، أياما معدودات البقرة : 184 ] ، ونكتة التقليل في هذه الآية التسهيل على المكلفين . 

وعكسه ، نحو : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة : 228 ] . 

ومنها : تذكير المؤنث على تأويله بمذكر ، نحو : فمن جاءه موعظة من ربه ص: 39 ] البقرة : 275 ] ؛ أي : وعظ ، وأحيينا به بلدة ميتا ق : 11 ] ، على تأويل البلدة بالمكان فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي الأنعام : 78 ] ؛ أي : الشمس أو الطالع إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف : 56 ] ، قال الجوهري ذكرت على معنى الإحسان . 

وقال الشريف المرتضى في قوله : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم هود : 118 ، 119 ] ، إن الإشارة للرحمة ؛ وإنما لم يقل ( ولتلك ) ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي ، ولأنه يجوز أن يكون في تأويل ( أن يرحم ) . 

ومنها : تأنيث المذكر ، نحو : الذين يرثون الفردوس هم فيها المؤمنون : 11 ] ، أنث الفردوس وهو مذكر حملا على معنى الجنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام : 160 ] ، أنث عشرا حيث حذف الهاء مع إضافتها إلى الأمثال وواحدها مذكر فقيل لإضافة الأمثال إلى مؤنث وهو ضمير الحسنات فاكتسب منه التأنيث . 

وقيل : هو من باب مراعاة المعنى ؛ لأن الأمثال في المعنى مؤنثة لأن مثل الحسنة حسنة ، والتقدير : فله عشر حسنات أمثالها ، وقد قدمنا في القواعد المهمة قاعدة في التذكير والتأنيث . 

ومنها : التغليب وهو إعطاء الشيء حكم غيره . 

وقيل : ترجيح أحد المغلوبين على الآخر ، وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين ، نحو : وكانت من القانتين التحريم : 12 ] ، إلا امرأته كانت من الغابرين الأعراف : 83 ] ، والأصل : من ( القانتات ) و ( الغابرات ) ، فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب . بل أنتم قوم تجهلونالنمل : 55 ] ، أتى بتاء الخطاب تغليبا لجانب ( أنتم ) على جانب ( قوم ) . 

والقياس أن يؤتى بياء الغيبة لأنه صفة ل ( قوم ) ، وحسن العدول عنه وقوع الموصوف خبرا عن ضمير المخاطبين قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم الإسراء : 63 ] ، غلب في الضمير المخاطب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة ، وحسنه أنه لما كان الغائب تبعا للمخاطب في المعصية والعقوبة جعل تبعا له في اللفظ أيضا وهو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى ص: 40 ] ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض النحل : 49 ] ، غلب غير العاقل حيث أتى ب ( ما ) لكثرته . وفي آية أخرى ب ( من ) ، فغلب العاقل لشرفه . 

لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا الأعراف : 88 ] ، أدخل شعيب في ( لتعودن ) بحكم التغليب إذ لم يكن في ملتهم أصلا حتى يعود فيها . 

وكذا قوله إن عدنا في ملتكم الأعراف : 89 ] ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس الحجر : 30 ، 31 ] ، عد منهم بالاستثناء تغليبا لكونه كان بينهم ياليت بيني وبينك بعد المشرقين الزخرف : 38 ] ؛ أي : المشرق والمغرب . 

قال ابن الشجري وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين . مرج البحرين الرحمن : 19 ] ؛ أي : الملح والعذب . والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم . ولكل درجات الأنعام : 132 ] أي : من المؤمنين والكفار ، والدرجات للعلو والدركات للسفل فاستعمل الدرجات في القسمين تغليبا للأشرف .

قال في البرهان : وإنما كان التغليب من باب المجاز ؛ لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ، ألا ترى أن ( القانتين ) موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف ، فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له ، وكذا باقي الأمثلة . 

ومنها : استعمال حروف الجر في غير معانيها الحقيقية كما تقدم في النوع الأربعين . 

ومنها : استعمال صيغة ( افعل ) لغير الوجوب وصيغة ( لا تفعل ) لغير التحريم ، وأدوات الاستفهام لغير طلب التصور والتصديق وأداة التمني والترجي والنداء لغيرها كما سيأتي كل ذلك في الإنشاء . 

ص: 41 ] ومنها : التضمين وهو إعطاء الشيء معنى الشيء ، ويكون في الحروف والأفعال والأسماء . أما الحروف فتقدم في حروف الجر وغيرها . وأما الأفعال : فأن يضمن فعل معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معا ، وذلك بأن يأتي الفعل متعديا بحرف ليس من عادته التعدي به ، فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصح التعدي به ، والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف . 

واختلفوا أيهما أولى ، فقال أهل اللغة وقوم من النحاة : التوسع في الحرف . 

وقال المحققون : التوسع في الفعل لأنه في الأفعال أكثر مثاله : عينا يشرب بها عباد الله الإنسان : 6 ] ، فيشرب إنما يتعدى بمن فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى ( يروى ) أو ( يلتذ ) أو تضمين الباء معنى ( من ) . أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم البقرة : 187 ] ، فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمن معنى الإفضاء هل لك إلى أن تزكى النازعات : 18 ] ، والأصل في ” أن ” ضمن معنى ( أدعوك ) . 

وهو الذي يقبل التوبة عن عباده الشورى : 25 ] ، عديت بعن لتضمنها معنى العفو والصفح . 

وأما في الأسماء ، فأن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معا ، نحو : حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق الأعراف : 105 ] ، ضمن ( حقيق ) معنى ( حريص ) ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه ؛ وإنما كان التضمين مجازا لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا ، فالجمع بينهما مجاز . 

في أنواع مختلف في عدها من المجاز وهي ستة : 

أحدها : الحذف ، فالمشهور أنه من المجاز ، وأنكره بعضهم لأن المجاز استعمال ص: 42 ] اللفظ في غير موضوعه ، والحذف ليس كذلك . وقالابن عطية حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه ، وليس كل حذف مجازا . 

وقال القرافي الحذف أربعة أقسام : 

قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد ، نحو : واسأل القرية يوسف : 82 ] ؛ أي : أهلها ؛ إذ لا يصح إسناد السؤال إليها . 

وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعا كقوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر البقرة : 184 ] ؛ أي : فأفطر فعدة . 

وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعا ، نحو : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق الشعراء : 63 ] ؛ أي : فضربه . 

وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة ، نحو : فقبضت قبضة من أثر الرسول طه : 96 ] ، دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول ، وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول . 

وقال الزنجاني في المعيار : إنما يكون مجازا إذا تغير حكم ، فأما إذا لم يتغير كحذف خبر المبتدإ المعطوف على جملة فليس مجازا ، إذ لم يتغير حكم ما بقي من الكلام . 

وقال القزويني في الإيضاح : متى تغير إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهي مجاز ، نحو : واسأل القرية يوسف : 82 ] ، ليس كمثله شيء الشورى : 110 ] ، فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغير الإعراب ، نحو : أو كصيب البقرة : 19 ] ، فبما رحمة آل عمران : 159 ] ، فلا توصف الكلمة بالمجاز . 

الثاني : التأكيد ، زعم قوم أنه مجاز لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول ، والصحيح أنه حقيقة . 

قال الطرطوشي في العمدة : ومن سماه مجازا قلنا له : إذا كان التأكيد بلفظ الأول ، نحو : ( عجل عجل ) ونحوه ، فإن جاز أن يكون الثاني مجازا جاز في الأول ؛ لأنهما في لفظ واحد . وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه لأنه مثل الأول . 

ص: 43 ] الثالث : التشبيه ، زعم قوم أنه مجاز والصحيح أنه حقيقة . 

قال الزنجاني في المعيار : لأنه معنى من المعاني ، وله ألفاظ تدل عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه . 

وقال الشيخ عز الدين إن كان بحرف فهو حقيقة أو بحذفه فمجاز بناء على أن الحذف من باب المجاز . 

الرابع : الكناية ، وفيها أربعة مذاهب . 

أحدها : أنها حقيقة ، قال ابن عبد السلام وهو الظاهر لأنها استعملت فيما وضعت له ، وأريد بها الدلالة على غيره . 

الثاني : أنها مجاز . 

الثالث : أنها لا حقيقة ولا مجاز ، وإليه ذهب صاحب التلخيص لمنعه في المجاز أن يراد المعنى الحقيقي مع المجازي وتجويزه ذلك فيها . 

الرابع : وهو اختيار الشيخ تقي الدين السبكي أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز ، فإن استعملت اللفظ في معناه مرادا منه لازم المعنى أيضا فهو حقيقة ، وإن لم يرد المعنى بل عبر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز لاستعماله في غير ما وضع له . 

والحاصل أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له ، والمجاز منها : أن يريد به غير موضوعه استعمالا وإفادة . 

الخامس : التقديم والتأخير ، عده قوم من المجاز; لأن تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقل لكل واحد منهما عن مرتبته وحقه . 

قال في البرهان : والصحيح أنه ليس منه ، فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له . 

ص: 44 ] السادس : الالتفات : قال الشيخ بهاء الدين السبكي لم أر من ذكر هل هو حقيقة أو مجاز ؟ قال : وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد . 

فصل فيما يوصف بأنه حقيقة ومجاز باعتبارين . 

هو الموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، فإنها حقائق بالنظر إلى الشرع مجازات بالنظر إلى اللغة . 

فصل في الواسطة بين الحقيقة والمجاز 

قيل بها في ثلاثة أشياء : 

أحدها : اللفظ قبل الاستعمال ، وهذا القسم مفقود في القرآن ، ويمكن أن يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها الكلام . 

ثانيا : الأعلام . 

ثالثها : اللفظ المستعمل في المشاكلة ، نحو : ومكروا ومكر الله آل عمران : 54 ] ، وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى : 40 ] ، ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز . 

قال : لأنه لم يوضع لما استعمل فيه ، فليس حقيقة ، ولا علاقة معتبرة فليس مجازا ، كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه . 

قلت : والذي يظهر أنها مجاز والعلاقة المصاحبة . 

خاتمة : لهم مجاز المجاز ، وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر ، فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما كقوله تعالى : ولكن لا تواعدوهن سرا البقرة : 235 ] ، فإنه مجاز عن مجاز ، فإن الوطء تجوز عنه بالسر لكونه لا يقع غالبا إلا في السر ، وتجوز به عن العقد لأنه مسبب عنه ، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة ، والثاني السببية ، والمعنى : لا تواعدوهن عقد نكاح . 

وكذا قوله ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله المائدة : 5 ] ، فإن قوله لا إله إلا الله الصافات : 35 ] مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ ، والعلاقة السببية ؛ لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان ، والتعبير ب ( لا إله إلا الله ) عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه . 

وجعل منه ابن السيد قوله : أنزلنا عليكم لباسا الأعراف : 26 ] ، فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس ، بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس . 

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s