مناظرة بين يهودي واتحادي

ص: 286 ] سئل الشيخ الإمام الرباني شيخ الإسلام بحر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة علامة الورى وارث الأنبياء . أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رضي الله عنه عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ذكرها عنه جماعة من الناس فيهم من انتسب إلى الدين. فمن ذلك : قال بعض السلف : إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها فسماها خلقا 

وقال الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل أن الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب بها مجازا فمن كان من أهل الحق والجمع : شهدها مظاهر ومجالي ومن كان من أهل المجاز والفرق : شهدها ستورا وحجبا قال : وقال في قصيدة له : – 

لقد حق لي رفض الوجود وأهله وقد علقت كفاي جمعا بموجدي

ص: 287 ] ثم بعد مدة غير البيت بقوله : – 

لقد حق لي عشق الوجود وأهله

فسألته عن ذلك فقال : مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ثم يراها مظاهر ومجالي فيحق له العشق لها كما قال بعضهم : – 

أقبل أرضا سار فيها جمالها     فكيف بدار دار فيها جمالها 

قال : وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس : – 

رق الزجاج وراقت الخمر     وتشاكلا فتشابه الأمر 
فكأنما خمر ولا قدح     وكأنما قدح ولا خمر 

لبس صورة العالم ; فظاهره خلقه وباطنه حقه . 

وقال بعض السلف : عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى الله فقط والكثرة وهم . 

قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك . الله فقط والكثرة وهم . 

وقال الشيخ محيي الدين ابن عربي : – 

يا صورة أنس سرها معنائي     ما خلقك للأمر ترى لولائي 
شئناك فأنشأناك خلقا بشرا     لتشهدنا في أكمل الأشياء 

ص: 288 ] وفيه : طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج فقال له الشيخ : يا بني طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين . 

قال : وقيل عن رابعة العدوية أنها حجت فقالت : هذا الصنم المعبود في الأرض والله ما ولجه الله ولا خلا منه . 

وفيه للحلاج : – 

سبحان من أظهر ناسوته     سر سنا لاهوته الثاقب 
ثم بدا مستترا ظاهرا     في صورة الآكل والشارب 

قال وله : 

عقد الخلائق في الإله عقائدا     وأنا اعتقدت جمع ما اعتقدوه 

وله أيضا : 

بيني وبينك إني تزاحمني     فارفع بحقك إنيي من البين 

قال : وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول : وبهذه الإنية التي طلب الحلاج رفعها تصرفت الأغيار في دمه ولذلك قال السلف : الحلاجنصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة . 

وفيه لمحيي الدين ابن عربي : – 

والله ما هي إلا حيرة ظهرت     وبي حلفت وإن المقسم الله 

وقال فيه : المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال : إن الله – تبارك ص: 289 ] وتعالى – اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة . 

قال ابن الفارض في قصيدته السلوك : 

وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى     بغير مراء في المرآة الصقيلة 
أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر     إليك بها عند انعكاس الأشعة ؟ 

قال : وقال ابن إسرائيل الأمر أمران : أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر الذي بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله والأمر الذي بغير واسطة لا يمكن رده وهو قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } . 

فقال له فقير : إن الله قال لآدم بلا واسطة : لا تقرب الشجرة – فقرب وأكل . فقال : صدقت وذلك أن آدم إنسان كامل ; ولذلك قال شيخنا علي الحريريآدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله لآدم ” لا تقرب الشجرة ” ظاهرا وكان أمره ” كل ” باطنا فأكل فكذلك قوله تعالى . وإبليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد . فغير الله عليه وقال : { اخرج منها } . 

وقال شخص لسيدي يا سيدي حسن إذا كان الله يقول لنبيه : { ليس لك من الأمر شيء أيش نكون نحن ؟ فقال سيدي له : ليس الأمر كما تقول أو تظن فقوله له : { ليس لك من الأمر شيء عين الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم ص: 290 ] كقوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } . 

وفيه لأوحد الدين الكرماني : – 

ما غبت عن القلب ولا عن عيني     ما بينكم وبيننا من بين 

وقال غيره : – 

لا تحسب بالصلاة والصوم تنال     قربا ودنوا من جمال وجلال 
فارق ظلم الطبع وكن متحدا     بالله وإلا كل دعواك محال 

وغيره للحلاج : – 

إذا بلغ الصب الكمال من الهوى     وغاب عن المذكور في سطوة الذكر 
يشاهد حقا حين يشهده الهوى     بأن صلاة العارفين من الكفر 

وللشيخ نجم الدين ابن إسرائيل 

الكون يناديك ألا تسمعني     من ألف أشتاتي ومن فرقني 
انظر لتراني منظرا معتبرا     ما في سوى وجود من أوجدني 

وله أيضا : – 

ذرات وجود الكون للحق شهود     أن ليس لموجود سوى الحق وجود 
والكون وإن تكثرت عدته     منه وإلى علاه يبدو ويعود 

ص: 291 ] وله أيضا : – 

برئت إليك من قولي وفعلي     ومن ذاتي براءة مستقيل 
وما أنا في طراز الكون شيء     لأني مثل ظل مستحيل 

وللعفيف التلمساني : – 

أحن إليه وهو قلبي وهل يرى     سواي أخو وجد يحن لقلبه ؟ 
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري     وما بعده إلا لإفراط قربه 

وقال بعض السلف : التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه . 

ومن ذلك أيضا : التوحيد لا يعرفه إلا الواحد ولا تصح العبارة عن الواحد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له . 

قال : وسمعت الشيخ محمد بن بشر النواوي يقول : ورد سيدنا الشيخ علي الحريري إلى جامع نوى قال الشيخ محمد فجئت إليه فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال : يا بني وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود ; لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ثم وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك ; لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا . 

وفيه : سمعت من الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من ص: 292 ] شيخنا الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال يانجم رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرضين ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة . 

فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي الشيخ حسن بن علي الحريري يا سيدي حسن ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله مثلفرعون ونمروذ وأمثالهما فقال : إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله فقلت له : صدقت ; وذلك أنه قد سمعت جدك يقول : رأيت كذا وكذا ; فذكر ما ذكره الشيخ نجم الدين عن الشيخ . 

وفيه قال بعض السلف : من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب . 

فالمطلوب من السادة العلماء : – 

أن يبينوا هذه الأقوال وهل هي حق أو باطل ؟ وما يعرف به معناها ؟ وما يبين أنها حق أو باطل ؟ وهل الواجب إنكارها أو إقرارها أو التسليم لمن قالها ؟ وهل لها وجه سائغ ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها إما مع المعرفة بحقيقتها ؟ وإما مع التسليم المجمل لمن قالها . 

ص: 293 ] والمتكلمون بها هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل ؟ وهل يمكن تأويل ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى ؟ وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها ؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها ؟ بينوا ذلك مأجورين . 

ص: 294 ] فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين هذه الأقوال المذكورة : تشتمل على أصلين باطلين مخالفين لدين المسلمين واليهودوالنصارى مع مخالفتهما للمنقول والمعقول . 

أحدهما ) الحلول والاتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة الوجود كالذين يقولون : إن الوجود واحد فالوجود الواجب للخالق : هو الوجود الممكن للمخلوق كما يقول ذلك أهل الوحدة كابن عربي وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض صاحب القصيدة التائية – نظم السلوك – وعامر البصري السيواسي الذي له قصيدة تناظر قصيدة ابن الفارض والتلمساني الذي شرح ( مواقف النفري وله شرح الأسماء الحسنى على طريقة هؤلاء وسعيد الفرغاني الذي شرح قصيدة ابن الفارض والششتري صاحب الأزجال الذي هو تلميذ ابن سبعين وعبد الله البلياني وابن أبي المنصور المتصوف المصري صاحب فك الأزرار عن أعناق الأسرار وأمثالهم . 

ثم من هؤلاء من يفرق بين الوجود والثبوت – كما يقوله ابن عربي – ويزعم ص: 295 ] أن الأعيان ثابتة في العدم غنية عن الله في أنفسها ووجود الحق هو وجودها والخالق مفتقر إلى الأعيان في ظهور وجوده بها وهى مفتقرة إليه في حصول وجودها الذي هو نفس وجوده . وقوله مركب من قول من قال المعدوم شيء وقول من يقول : وجود الخالق هو وجود المخلوق ويقول : فالوجود المخلوق هو الوجود الخالق والوجود الخالق هو الوجود المخلوق كما هو مبسوط في موضع آخر . 

ومنهم من يفرق بين الإطلاق والتعيين كما يقول القونوي ونحوه فيقولون : إن الواجب هو الوجود المطلق لا بشرط وهذا لا يوجد مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان فما هو كلي في الأذهان لا يكون في الأعيان إلا معينا وإن قيل : إن المطلق جزء من المعين لزم أن يكون وجود الخالق جزءا من وجود المخلوق والجزء لا يبدع الجميع ويخلقه فلا يكون الخالق موجودا . 

ومنهم من قال : إن البارئ هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما يقول ابن سينا وأتباعه فقوله أشد فسادا . فإن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان ; فقول هؤلاء بموافقة من هؤلاء – الذين يلزمهم التعطيل – شر من قول الذين يشبهون أهل الحلول والاتحاد . 

وآخرون يجعلون الوجود الواجب والوجود الممكن بمنزلة المادة ص: 296 ] والصورة التي تقولها المتفلسفة أو قريب من ذلك كما يقوله ابن سبعين وأمثاله . 

وهؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد وهي لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو الاتحاد وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق ; بخلاف من يقول بالمعين كالنصارى والغالية ( من الشيعة الذين يقولون بإلهية علي أو الحاكم أو الحلاج أو يونس القنيني أو غير هؤلاء ممن ادعيت فيه الإلهية . 

فإن هؤلاء : قد يقولون بالحلول المقيد الخاص وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم . 

ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص وكذلك يقولون في المشركين عباد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقا على وجه الإطلاق والعموم . 

ولا ريب أن في قول هؤلاء من الكفر والضلال : ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى 

وهذا المذهب شائع في كثير من المتأخرين وكان طوائف من الجهمية يقولون به وكلام ابن عربي في فصوص الحكم وغيره وكلام ابن سبعين ص:297 ] وصاحبه الششتري وقصيدة ابن الفارض نظم السلوك وقصيدة عامر البصري وكلام العفيف التلمساني وعبد الله البلياني والصدر القونويوكثير من شعر ابن إسرائيل وما ينقل من ذلك عن شيخه الحريري وكذلك نحو منه يوجد في كلام كثير من الناس غير هؤلاء هو مبني على هذا المذهب – مذهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود – . 

وكثير من أهل السلوك الذين لا يعتقدون هذا المذهب : يسمعون شعر ابن الفارض وغيره فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب فإن هذا الباب وقع فيه من الاشتباه والضلال ما حير كثيرا من الرجال . 

وأصل ضلال هؤلاء : أنهم لم يعرفوا مباينة الله لمخلوقاته وعلوه عليها وعلموا أنه موجود فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها . 

ولما ظهرت الجهمية – المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه – افترق الناس في هذا الباب على أربعة أقوال : – فالسلف والأئمة يقولون : إن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وكما علم المباينة والعلو بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح وكما فطر الله على ذلك خلقه ; من إقرارهم به وقصدهم إياه سبحانه وتعالى . 

ص: 298 ] والقول الثاني ) قول معطلة الجهمية ونفتهم وهم الذين يقولون . لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايث له ; فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم . 

والقول الثالث ) قول حلولية الجهمية الذين يقولون : إنه بذاته في كل مكان كما يقول ذلك النجارية – أتباع حسين النجار – وغيرهم من الجهميةوهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد : من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل : متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء . 

وذلك لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم فإن القلب يطلب موجودا فإذا لم يطلب ما فوق العالم : طلب ما هو فيه . 

وأما الكلام والعلم والنظر : فيتعلق بموجود ومعدوم فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفي – التي لا يوصف بها إلا المعدوم لم يكن مجرد العلم والكلام ينافي عدم المعبود المذكور بخلاف القصد والإرادة والعبادة فإنه ينافي عدم المعبود . 

ولهذا تجد الواحد من هؤلاء – عند نظره وبحثه – يميل إلى النفي وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول ; وإذا قيل له هذا ينافي ذلك قال : هذا مقتضىص: 299 ] عقلي ونظري وذاك مقتضى ذوقي ومعرفتي ومعلوم أن الذوق والوجد إن لم يكن موافقا للعقل والنظر وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما . 

والقول الرابع ) قول من يقول إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله وقد ذكرالأشعري في المقالات هذا عن طوائف ويوجد في كلام – السالمية – كأبي طالب المكي وأتباعه : كأبي الحكم بن برجان وأمثاله – ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا . 

وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه : وقع فيه كثير من متأخري الصوفية ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه : كما في قول الجنيد – لما سئل عن التوحيد – فقال : التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم والمحدث . 

وقد أنكر ذلك عليه ابن عربي – صاحب الفصوص – وادعى أن الجنيد وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد لما أثبتوا الفرق بين الرب والعبد بناء على دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد وزعم أنه لا يميز بين القديم والمحدث إلا من ليس بقديم ولا محدث وهذا جهل فإن المعرفة بأن هذا ليس ذاك والتمييز بين هذا وذاك : لا يفتقر إلى أن يكون العارف المميز بين الشيئين ليس هو أحد الشيئين ; بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذلك الإنسان الآخر مع أنه أحدهما فكيف لا يعلم أنه غير ربه ; وإن كان هو أحدهما ؟ . 

ص: 300 ] الأصل الثاني ) الاحتجاج بالقدر على المعاصي وعلى ترك المأمور وفعل المحظور فإن القدر يجب الإيمان به ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر الله ونهيه ووعده ووعيده . 

والناس – الذين ضلوا في القدر – على ثلاثة أصناف : 

قوم آمنوا بالأمر والنهي والوعد والوعيد ; وكذبوا بالقدر وزعموا أن من الحوادث ما لا يخلقه الله كالمعتزلة ونحوهم . 

وقوم آمنوا بالقضاء والقدر ووافقوا أهل السنة والجماعة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ; لكن عارضوا هذا بالأمر والنهي وسموا هذا حقيقة وجعلوا ذلك معارضا للشريعة . 

وفيهم من يقول : إن مشاهدة القدر تنفي الملام والعقاب وإن العارف يستوي عنده هذا وهذا . 

وهم في ذلك متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق والوجد ; فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر والعاجز ولا بين الطيب والخبيث ولا بين العادل والظالم ; بل يفرقون بينهما ويفرقون أيضا بموجب أهوائهم وأغراضهم لا بموجب الأمر والنهي ولا يقفون لا مع القدر ولا مع الأمر ; بل كما ص: 301 ] قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب يوافق هواك تمذهبت به . 

ولا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم : إلا وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقا ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا لله فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته : بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده لا بحسب أمر الله ونهيه ومحبته وبغضه وولايته وعداوته . 

إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد . فإن هذا مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه والشر الذي لا خير فيه ; إذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من ظالم باغ ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه ولفعل كل أحد ما يشتهيه من غير معارض يعارضه فيه وهذا فيه من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد . 

فمن المعلوم بالضرورة : أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد وإلى ما يضرهم والله قد بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤمنين بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فمن لم يتبع شرع الله ودينه : تبع ضده من الأهواء والبدع وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل ليدحض به الحق لا من باب الاعتماد عليه ولزمه أن يجعل كل من جرت عليه المقادير من أهل المعاذير . 

ص: 302 ] وإن قال : أنا أعذر بالقدر من شهده وعلم أن الله خالق فعله ومحركه لا من غاب عن هذا الشهود أو كان من أهل الجحود . قيل له : فيقال لك وشهود هذا وجحود هذا من القدر ؟ فالقدر متناول لشهود هذا وجحود هذا ؟ فإن كان هذا موجبا للفرق مع شمول القدر لهما : فقد جعلت بعض الناس محمودا وبعضهم مذموما مع شمول القدر لهما ؟ وهذا رجوع إلى الفرق واعتصام بالأمر والنهي وحينئذ فقد نقضت أصلك وتناقضت فيه وهذا لازم لكل من دخل معك فيه . 

ثم مع فساد هذا الأصل وتناقضه : فهو قول باطل وبدعة مضلة . 

فمن جعل الإيمان بالقدر وشهوده عذرا في ترك الواجبات وفعل المحظورات ؟ بل الإيمان بالقدر حسنة من الحسنات وهذه لا تنهض بدفع جميع السيئات فلو أشرك مشرك بالله وكذب رسوله ناظرا إلى أن ذلك مقدر عليه : لم يكن ذلك غافرا لتكذيبه ولا مانعا من تعذيبه فإن الله لا يغفر أن يشرك به سواء كان المشرك مقرا بالقدر وناظرا إليه أو مكذبا به أو غافلا عنه فقد قال إبليس : { بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين فأصر واحتج بالقدر فكان ذلك زيادة في كفره وسببا لمزيد عذابه . 

وأما آدم عليه السلام فإنه قال : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال تعالى : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فمن استغفر وتاب كان آدميا سعيدا ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا شقيا ; وقد قال تعالى لإبليس { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } . 

وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين في الحقائق فإنهم يسلكون أنواعا من الحقائق التي يجدونها ويذوقونها ويحتجون بالقدر فيما خالفوا فيه الأمر فيضاهئون المشركين الذين كانوا يبتدعون دينا لم يشرعه الله ويحتجون بالقدر على مخالفة أمر الله . 

والصنف الثالث ) من الضالين في القدر : من خاصم الرب في جمعه بين القضاء والقدر والأمر والنهي – كما يذكرون ذلك على لسان إبليس – وهؤلاء خصماء الله وأعداؤه . 

وأما أهل الإيمان : فيؤمنون بالقضاء والقدر والأمر والنهي ويفعلون المأمور ويتركون المحظور ويصبرون على المقدور كما قال تعالى : { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فالتقوى تتناول فعل المأمور وترك المحظور والصبر يتضمن الصبر على المقدور . 

وهؤلاء إذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم فسلموا الأمر لله وصبروا على ما ابتلاهم به . 

وأما إذا جاء أمر الله فإنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إلى ص: 304 ] الطاعات ويدعون ربهم رغبا ورهبا ويجتنبون محارمه ويحفظون حدوده ويستغفرون الله ويتوبون إليه من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده ; علما منهم بأن التوبة فرض على العباد دائما واقتداء بنبيهم حيث يقول في الحديث الصحيح : { أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة وفي رواية { أكثر من سبعين مرة وآخر سورة نزلت عليه : { إذا جاء نصر الله والفتح } { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } . 

وإذا عرف هذان الأصلان : فعليهما ينبني جواب ما في هذا السؤال من الكلمات ويعرف ما دخل في هذه الأمور من الضلالات .

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s