هل أخطأ القرآن في النحو ؟؟

من الشبهات التي يسوقها غير المسلمين, شبهة أن القرآن الكريم أخطأ في قواعد اللغة العربية أو خالفها !, وهذه الشبهة تدل على جهل عميق بالقرآن الكريم وبنشأة علم النحو وطرق وضع قواعده.

وعندما رد بعض العلماء رداً مقتضباً قائلين: إن القرآن هو الذي يحكم علم النحو, وليس علم النحو خاضعاً للقرآن الكريم, استنكر بعض من مروجي الشبهات هذا الرد, معتقدين أن هذا الرد المختصر هو تهرب أو اعتراف بوجود أخطاء نحوية زعموا وجودها في القرآن الكريم.
والرد السابق صحيح مع اختصاره ولكنه يحتاج بعض التفصيل كما يلي:

نشأة علم النحو:
تكلم العرب في الجزيرة العربية اللغة العربية حسب قواعد غير مدونة, منها على سبيل المثال رفع الفاعل ونصب المفعول به, وإن كانت هناك بعض الاختلافات بين القبائل العربية في أمور فرعية من قواعد اللغة, إلا أن أغلب قواعد اللغة كانوا متفقين عليها.
وكانت قريش هي أبلغ العرب وكانت لهجتها ( لغتها ) أكثر اللغات فهماً وانتشاراً في الجزيرة العربية وذلك لأنها كانت مركزاً للتجارة تقصده القوافل, بالإضافة لكونها مركزاً دينياً لقاطني الجزيرة العربية.
تم البدء في وضع قواعد النحو على يد أبو الأسود الدؤلي ( 1 ), وذلك بتكليف من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقت خلافته, أي أنه تم وضع قواعد النحو بعد اكتمال نزول القرآن بما يقرب من عشرين عامًا.
أشهر من قام بتصنيف كامل لعلم النحو هو سيبويه ( 2 ) , حيث وضع كتابه المسمى ” الكتاب ” .

كيف تم وضع قواعد النحو ؟
تم وضع قواعد النحو بالاستقراء, أي بمتابعة طريقة العرب فيما اجتمعوا عليه واستخلاص القاعدة وتدوينها.
كمثال : وجدوا أن العرب يقومون برفع جمع المذكر السالم بالواو مثل ( المؤمنون ), فتم وضع القاعدة أن جمع المذكر السالم علامة رفعه الواو.
وتم استخراج واستنباط هذه القواعد من القرآن الكريم و الشعر بعد الإسلام وقبل الإسلام.
وقد قام علماء النحو بالاستدلال على صحة أي قاعدة نحوية استنبطوها عن طريق ذكر ورودها في أي قراءة متواترة من قراءات القرآن.
أي أن القرآن ـ عند النحاة ـ هو الحاكم على صحة القاعدة النحوية، والقاعدة النحوية عندما تجد شاهداً على صحتها في أي من قراءات القرآن المتواترة يتم الحكم بصحتها.
لذلك القرآن هو الحاكم على النحو وليس العكس.

وقد اتفقت جميع القبائل العربية في كثير من الألفاظ والقواعد, واختلفوا فيما بينهم في عدد يسير من الألفاظ والتراكيب اللغوية, وعندما تم وضع قواعد اللغة العربية, تم وضعها على الغالب والأعم, مع الإبقاء على ما ندر من قواعد لتكون حالات خاصة من ضمن قواعد النحو الصحيحة, وذلك نظراً لاشتهارها عند بعض القبائل وعدم إنكار الآخرين لها.
و القواعد المتعلقة بالحالات الخاصة أو القواعد نادرة الاستخدام لا يتم تدريسهم للمبتدئين في مراحل الدراسة الأولية للغة العربية.
فأن يقوم غير المسلم بمحاكمة القرآن الكريم حسب ما عرفه من قواعد في كتاب المبتدئين في النحو ويقول: اكتشفت خطئاً !, فهذا خبل ناتج عن الجهل بنشأة علم النحو، وبكيفية تدوين العلماء للقواعد النحوية.

طريقة استخراجهم للشبهات:
قام المستشرقون باستخراج الشبهات التي أطلقوا عليها الأخطاء النحوية في القرآن, بالبحث في كتب التفسير عن ما ذكره المفسرون من آيات أو كلمات لا تتبع القواعد العامة للغة, أو تتبع قواعد لم تنل حظها من الشهرة, وما أثير حولها من أقاويل, والرد على هذه الأقاويل.
فوجد المفسرون غايتهم واقتطعوا الشبهة وتركوا الرد عليها, واستمروا في ترديد الشبهات المماثلة هم ومن اتبعهم.
فلا يظن عاقل أن المستشرقين الأعاجم قاموا بإعراب القرآن الكريم كله ووجدوا فيه أخطاءاً لم يجدها أي من العرب القراء والمفسرين, بل أنه بعد أن سطر المسلمون علومهم اللغوية والنحوية في كتبهم، راصدين كل الظواهر بأمانة ونقد، أتي المستشرقون واقتطعوا من كلامهم ما ظنوه يخدمهم للتشكيك في الدين.

اختلافات اللغة والقواعد النحوية بين القبائل العربية :
اختلفت القبائل العربية فيما بينهم في عدد يسير من الألفاظ والقواعد النحوية , نذكر منها أمثلة جاءت في كتاب: “الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها.” ( 3 ):
الاختلاف فِي إبدال الحروف نحو: ” أولئك ” و ” أُولالِكَ ” .
ومنه: الاختلاف فِي التقديم والتأخير نحو ” صاعقة ” و ” صاقعة ” .
ومنها: الاختلاف فِي الحذف والإثبات نحو ” استحيَيْت ” و ” استحْيت “.
ومنها: الاختلاف فِي التذكير والتأنيث فإن من العرب من يقول ” هَذِهِ البقر ” ومنهم من يقول ” هَذَا البقر “.
ومنها: الاختلاف فِي الإدغام نحو ” مهتدون ” و ” مُهَدُّون ” .
ومنها: الاختلاف فِي الإعراب نحو ” مَا زيدٌ قائماً ” و ” مَا زيدٌ قائم ” و ” إنّ هذين ” و ” إنّ هذان ” وهي بالألف لغة لبني الحارث بن كعب يقولون لكلّ ياء ساكنة انفتح مَا قبلها ذَلِكَ. وينشدون:
تزوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أذناه ضربةً … دَعَتْه إِلَى هابي التراب عقيمِ. ( 4 )
وهناك من اللغات ما هو نادر ومذموم, ولكنه لا يزال من لغة العرب مثل ما جاء تحت اسم: اللغات المذمومة :
العَنْعَنة الَّتِي تُذكِر عن تَميم – فقلبهم الهمزة فِي بعض كلامهم عيناً. يقولون: ” سمعتُ عَنَّ
فلاناً قال كذا ” يريدون ” أَنَّ فلاناً قال كذا ” .
وهذه لُغة تميم. قال ذو الرمّة:
أَعَنْ ترسَّمت من خَرقاء مَنْزِلةً … ماءُ الصَّبابة من عَيْنيك مَسْجُومُ
أراد ” أأن ” فجعل مكان الهمزة عيناً.
وأما الكَشْكَشة الَّتِي فِي أسَد – يبدلون الكاف شيناً فيقولون: ” عَلَيْشَ ” بمعني ” عَلَيْكَ ” .
أو يَصِلون بالكاف شيناً، فيقولون: ” عَلَيكِش “. بمعنى ” عليك”. ( 5 )

وهذه نجدها في بعض المناطق في الخليج العربي ” الكويت خاصة “, حيث ينهون الكلمة بحرف الشين.
هذا بالإضافة إلى احتواء اللغة العربية على قواعد نحوية غير معروفة أو نادرة الاستخدام مثل:
( نصب الفاعل لاختصاص المدح أو الذم), فالفاعل مرفوع في كتب النحو للمبتدئين, ولا يوجد بها أن الفاعل يتم نصبه لاختصاص المدح أو الذم.
وعن قول الله تعالى: ” لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً “[النساء : 162], ادعى بعض الجهلاء أن القرآن أخطأ ونصب الفاعل فقال : (المقيمين) وكان يجب أن يقول ( المقيمون )!.
ولم يعلموا أن هذه قاعدة معروفة, بوب له سيبويه باسم: باب ما ينتصب على التعظيم والمدح
وقدم لذلك عدة أمثلة من شأقوال الشعراء فقال: ونظير هذا النصب من الشعر قول الخِرنِق:
لا يبعَدَنْ قومي الذي همُ … سمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ
النازلين بكل مُعترَكٍ … والطيبون معاقدَ الأزر
فرفعُ الطيبين كرفع المؤتين.
ومثل هذا في هذا الابتداء قول ابن خياط العُكلي:
وكل قوم أطاعوا أمرَ مُرشدهم … إلا نُمَيراً أمرَ غاويها
الظاعنين ولما يُظعنوا أحداً … والقائلون لمنْ دارٌ نُخلّيها ( 6)

فقول الشاعر الأول ( النازلين ) , جاء على النصب لاختصاص المدح بدلاً من قوله ( النازلون ).
وقول الشاعر الثاني ( الظاعنين ) , جاء على النصب لاختصاص الم بدلاً من القول ( الظاعنون ).

قصة نشأة علم النحو, كما أوردها ابن خلدون في مقدمته :
اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ، عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان. وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم. وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد، لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني. مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول من المجرور أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى.
فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك، الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين من العجم. فسدت بما ألقي إليها مما يغايرها. وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأساً ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم ، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة، شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه. مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع. ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعراباً، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً وأمثال ذلك. وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة، ويقال بإشارة علي رضي الله عنه، لأنه رأى تغير الملكة، فأشار عليه بحفظها، ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة، ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد، أحوج ما كان الناس إليها، لذهاب تلك الملكة من العرب. فهذب الصناعة وكمل أبوابها. وأخذها عنه سيبويه، فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور، الذي صار إماماً لكل ما كتب فيها من بعده. (7)

الخلاصة :
علم النحو تم استخراج قواعده من القرآن الكريم, ومن الشعر العربي قبل وبعد الإسلام, لذلك من الجهل أن يأتي بعد ألف وأربعمائة عام من يقول إن القرآن مخالف لعلم النحو !.


الرد المفصل على المزاعم بوجود أخطاء نحوية في القرآن الكريم
:

((( فكرة مقدمة الرد على هذه الشبهات , للأستاذ متعلم ...)).

يتبع ……………..

——————————————————————
(1) ظالم بن عمرو بن سفيان. من كبار التابعين- الوفاة : 69 هـ.
( 2 )أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ، سيبويه (المتوفى : 180هـ).
( 3 ) للمزيد حول تاريخ وضع علم النحو يرجى مراجعة : (سبب وضع علم العربية ) السيوطي – مقدمة بن خلدون/ باب قصة نشأة علم النحو – (عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين ) إبراهيم عوض/مكتبة زهراء الشرق- (البداية والنهاية )ابن كثير.
للرد على أي شبهة من هذه النوعية ينصح بالرجوع إلى تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن ), أو الرجوع إلى أي كتاب لإعراب القرآن الكريم مثل (مُشكِل إعراب القرآن ) إعداد أ.د. أحمد بن محمد الخراط , أو الرجوع لكتاب سيبويه (الكتاب).
( 4 ) أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفى : 395هـ).
( 5 ) الصاحبي في فقه اللغة- أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا-باب اختلاف لغات العرب- بتصرف يسير.
( 6)المصدر السابق- باب اللغات المذمومة- بتصرف يسير.
( 7 )مقدمة تاريخ ابن خلدون – ج 1 – ص 152/153- بتصرف يسير.

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s