التصريحية والْمَكنيَّة

الأمثلـة:

(1) قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظلُّمَاتِ إلَى النُّور }.

(2) وقال المتنبي وقد قابله مَمْدُوحُهُ وعانقَه:

ولا رَجُلاً قامَتْ تُعانِقُهُ الأُسدُ

فَلَمْ أرَ قَبْلِي مَن مَشَى الْبَحْرُ نَحوَهُ

(3) وقال في مدح خط سيف الدولة:

تَصَافحَتْ فيهِ بيضُ الهِنْدِ واللِّمم [1]

أمَا تَرَى ظَفَرًا حُلْواً سِوَى ظَفَرِ

*  *  *

(1) وقال الحجَّاجُ في إحْدى خُطَبه:

أني لأرَى رُؤوُساً قَدْ أيْنَعَتْ وحَانَ قِطافُهـا وإِنّي لَصَاحِبُهَا [2] .

(2) وقال المتنبي:

إلَى ابن أَبى سُلَيْمَانَ الخُطُوبَا [3]

ولَمَّا قَلّت الإِبلُ امْتَطَيْنا

(3) وقال:

وزالَ عَنْكَ إلَى أعْدَائِكَ الألَمُ

الْمَجْدُ عُوفِي إذ عُوفيتَ وَالكرَمُ

البحث:

في كل مثال من الأمثلة السابقة مجاز لُغويٌّ: أي كلمة استُعْملت في غير معناها الحقيقي فالمثال الأَول من الأمثلة الثلاثة الأُولى يشتمل عل كلمتي الظلمات والنور ولا يُقْصد بالأُولى إلا الضلال، ولا يراد بالثانية إلاَّ الهدى والإيمان، والعلاقة المشابهة والقرينة حالية؛ وبيت المتنبي يحتوي على مجازين هما “البحرُ” الذي يراد به الرجل الكريم لعلاقة المشَابهة، والقرينة “مشى” و “الأُسْد” التي يراد بها الشجعان لعلاقة المشابهة، والقرينة “تعانقه” بالبيت الثالث يحتوى على مجاز هو “تصافحت” الذي يراد منه تلاقت، لعلاقة المشابهة والقرينة “بيض الهند واللمم”.

وإذا تأملت كل مجاز سبق رأيت أنه تضمَّن تشبيهاً حُذِف منه لفظ المشبَّه واستعير بدله لَفْظ المشبَّه به ليقوم مقامه بادعاء أنَّ المشبه به هو عين المشبَّه، وهذا أبعد مدى في البلاغة، وأدخَل ق المبالغة، ويسمَّى هذا المجاز استعارة، ولما كان المشبَّه به مصرّحاً به في هذا المجاز سمّى استعارة تصريحية.

 نرْجع إِذاً إلى الأمثلة الثلاثة الأَخيرة؛ ويكفى أن نوضح لك مثالاً منها لتَقيس عليه ما بعده، وهو قول الحجاج في التهديد: “إِنِّي لأَرى رؤوساً قد أيْنَعت” فإن الذي يفهَم منه أَن يشبه الرؤوس بالثمرات، فأَصل الكلام إِني لأرى رؤوساً كالثمرات قد أينعت، ثم حذف المشبّه به فصار إني لأرى رؤوساً قد أينعت، على تخيُّل أن الرؤوس فد تمثلت في صورة ثمار، ورُمز للمشبه به المحذوف بشيء من لوازمه وهو أينعت، ولما كان المشبه به في هذه الاستعارةُ محْتجباً سميت استعارة مكنية، ومثل ذلك يقال في “امتطينا الخطوبا” وفي كلمة “المجد” في البيت الأخير.

القـاعدة:

(13) الاسْتِعارَةُ مِنَ المجاز اللّغَويَّ، وهيَ تَشْبيهٌ حُذِفَ أحَد طَرفَيْهِ، فَعلاقتها المشابهةُ دائماً، وهي قسمان:

(أ) تَصْريحيّة، وهي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ.

(ب) مَكنِيَّة، وهي  ما حُذِفَ فيها المشَبَّه بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه.

نَمُوذَجٌ

(1) قال المتنبي يَصِفُ دخيل رسول الرّوم على سيف الدولة:

وأقبل يمشى في الْبساطِ فَما دري إلى البحْر يسْعى أمْ إلى البدر يرْتقي

(2) وصف أعرابي أخاً له فقال:

كان أخِي يَقْرى العينَ جَمالا والأُذنَ بياناً [4] .

(3) وقال تعالى علىلسان زكريا:

{رَبِّ إِنِّي وهن العظْمُ مِني واشْتًعل الرَّأْس شَيْباً}.

(4) وقال أعرابي في المدن:

فُلانٌ يَرمي بِطَرْفِهِ حَيْثُ أَشَارَ الكَرم [5] .

الإجـابة

(1) أ ـ شُبِّه سيفُ الدولة بالبحر بجامع [6]  العطاء ثم استُعير اللفظُ الدال على المشبّه به وهو البحر للمشبه وهو سيف الدولة، على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة “فأَقبل يمشي في البساط”.

ب ـ شُبِّه سيف الدولة بالبدر بجامع الرّفعة، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو البدر للمشبه وهو سيف الدولة، على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة “فأََقبل يمشي في البساط”.

(2) شبِّه إمتاع العين بالجمال و إمتاع الأُذن بالبيان بقرى الضيف، ثم اشتُقَّ من القِرى يَقْرِى بمعنى يُمْتِع عل سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة جمالا وبياناً.

(3) شُبِّه الرأس بالوقود ثم حذِف المشبه به، ورُمزَ إليه بشيءٍ من لوازمه وهو “اشتعل” على سبيل الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الاشتعال للرأس.

(4) شُبِّه الكرم بإنسان ثم حُذِفَ ورُمزَ إليه بشيء من لوازمه وهو “أَشار” على سبيل الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الإشارة للكرم.

تمرينـات

(1)

أجر الاستعارةَ التصريحية التي تحتها خط فيما يأتي:

لَيْل أَهْدى لها سَوادَ الإِهَاب [7]

(1) كل زَنْجيَّة كأَن سوَاد الْـ

(2) وقال في وصف مزيِّنٍ:

أَفاض على الْوجهِ ماءَ النعيم [8]

إذا لمع البرْقُ في كَفِّه

تَمرُّ على الْوجْهِ مرَّ النَّسِيم [9]

لَه راحةٌ سيْرُها راحةٌ

(3) وقال ابن المعتز:

قتَل البُخْلَ وَأَحْيا الًّسماحا

جُمِعَ الْحقُّ لَنا في إِمام

(2)

أَجرِ الاستعارة المكنية التي تحتها خط فيما يأْتي:

(1) مدح أَعرابي رجلاً فقال:

تَطَلَّعتْ عيونُ الفضل لكَ، وأَصغتْ آذانُ المجدِ إليك.

(2) ومدح آخر قوماً بالشجاعة فقال: أَقْسمتْ سيوفُهمْ ألا تُضيع حقًّا لهم.

(3) وقال السريُّ الرَّفاء:

وكم للِعَوَالي بَيْنهَا مِن مَساحبِ [10]

مَوَاطنُ لمْ يَسْحَبْ بِها الْغَيُّ ذيْلَهُ

(3)

عيِّن التصريحية والمكنية من الاستعارات التي تحتها خط مع بيان السبب:

(1) قال دعبِل الخزاعِيّ [11] :

ضحِك المَشيبُ برَأْسِه فبَكى [12]

لا تَعجَبي يا سَلمُ مِن رَجُلٍ

(2) ذمَّ أعرابي قوماً فقال: أُولئك قومٌ يصومون عن المعروف، ويُفْطرون على الفحشاء.

(3) وذمَّ آخر رجلاً فقال: إِنه سمين المال مهزول المعروف.

(4) وقال البحتري يرثي المتوكل [13]  وقد قتِل غِيلة:

ولا دافعتْ أَمْلاكُه وذَخائرُه [14]

فما قاتلَت عنهُ المَنايا جُنودُهُ

نَمْ فالمخاوِف كلُّهُنَّ أَمانُ

(5) وإِذا العِنايةُ لاحظتْك عيونُها

(6) وقال أَبو العتَاهِية يهنِّىءُ المهدي [15]  بالخلافة:

إِليْهِ تُجرِّرُ أَذْيالها

أَتـتْه الخِلافةُ منقادة

(4)

ضع الأسماءَ الآتية في جمل بحيث يكُون كلُّ منها استعارةً تصريحية مرة ومكنيةً أخرى:

الشمس – البلبل – البحر – الأَزهار – البرق

(5)

حوِّل الاستعارات الآتية إلى تشبيهات:

(1) قال أبو تمام في وصف سحابة:

مُسْتغِيثٌ بِها الثرى المكروبُ [16]

دِيمَةٌ سمْحَة القِيادِ سَكوبُ

(2) وقال السَّرِيّ في وصف الثلج وقد سقطَ على الجبال:

مُلِمَّ الشيبِ في لمم الجِبال [17]

ألَمَّ برَبعِها صُبْحًا فألْفى

(3) وقال في وصف قلم:

نُ أمْطر في الطَّرس ليْلاً أحم [18]

وأَهبف إِنْ زعْزعته البَنا

(6)

حوِّل التشبيهات الآتية إلى استعارات:

(1) إنَّ الرسول لنورٌ يُسْتضاءُ به.

وفَرعٌ من فروع دوْحَتِك [19]

(2) أنا غُصْنُ من غصونِ سَرْحتِك،

ومِثْلِيَ لا تَنْبُو علَيْكَ مضاربُهْ [20]

(3) أَنا السَّيْفُ إِلا أِنَّ لِلسَّيْفِ نبْوةً

(4) {ثمَّ قسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهيَ كالحجارةِ أَوْ أَشَدُّ قسْوةً}.

كأَنَّه علمٌ في رأسِه نارُ [21]

(5) وإنَّ صَخْرًا لتَأْتمُّ الهُداةُ بِه

(6) أَنا غَرْسُ يديك.

ربْداءُ تَجْفِلُ منْ صَفِيرِ الصَّافِر! [22]

(7) أَسَدٌ علىَّ وفي الحُرُوبِ نَعامة

(7)

اشرح قول ابن سِنان الخفاجِى [23]  في وصف حمامة، ثم بيِّن ما فيه من البيان:

عليْنا وتتْلُو مِنْ صبابَتِها صُحْفَا [24]

وهاتِفَةٍ في الْبان تُمْلى غَرامَها

لما لَبسَتْ طَوْقاً وما خضَبَتْ كَفَّا [25]

ولوْ صَدَقَتْ فِيما تقُولُ من الأَسى

[1] بيض الهند: السيوف، واللمم جمع لمة: وهي الشعر المجاور شحمة الأذن، والمراد بها هنا الرموس. يقول: لا ترى الانتصار لذيذاً إلا بعد معركة تتلاقي فيها السيوف بالرؤوس.
[2] أينعت من أينع الثمر إذا أدرك ونضج، وحان قطافها: آن وقت قطعها، يريد أنه يصير بحال القوم من الشقاق والخلاف في بيعة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فهو يحذرهم عاقبة ذلك.
[3] امتطينا: ركبنا، والخطوب: الأمور الشديدة، يقول: لما عزت الإِبل عليه لفقره حملته الخطوب على قصد هذا الممدوح فكانت له بمنزلة مطية يركبها.
[4] القرى: إكرام الضيف وإطعامه.
[5] الطرف: البصر.
[6] الجامع في الاستعارة هو ما يعبر عنه في التشبيه بوجه الشبه.
[7] الإهاب: الجلد، يقول: إن القار الذي طليت به السفن لشدة سواده كأنه جزء من الليل أهداه الليل إليها.
[8] ماء النعيم: وونقه ونضارته.
[9] الراحة الأولى: باطن الكف، والراحة الثانية: ضد التعب، يصف اليد باللطف والخفة.
[10] العوالي: جمع عالية وهي الرماح، يقول: إن هذه الأماكن طاهرة من أدران الغواية وإنها منازل شجعان طالما جرت فيها الرماح.
[11] كان شاعراً هجاء، ولد بالكوفة وأقام ببغداد، وشعره جيد؛ وقد أولع بالهجو والحط من أقدار الناس فهجا الخلفاء ومن دونهم، وتوفي سنة 246.
[12] يا سلم: يا سلمى.
[13] هو المتوكل العباسي، بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الواثق سنة 232هـ، وكان جواداً محباً للعمران، وقد نقل مقر الخلافة من بغداد إلى دمشق، وقتل غيلة سنة 247هـ.
[14] يقول: إن جيشه لم ينفعه حين هجم عليه الأعداء في قصره فلم يقاتل دونه، وإن أملاكه وأمواله لم تغن عنه شيئاً.
[15] هو من خلفاء الدولة العباسية في العراق، أقام في الخلافة عشر سنين محمود العهد والسيرة محبباً إلى الرعية وكان جواداً، توفي سنة 169هـ.
[16] الديمة: السحابة الممطرة. وسمحة القياد أي أن الريح تقودها وهي لينة لا تمانع، وسكوب: كثيرة سكب المطر وصبه، والثرى: التراب.
[17] ألم: نزل. والضمير يعود على الثلج، بربعها: بمنزلها والمقصود بمكانها، والضمير يعود إلى البقعة، واللمم جمع لمة وهي شعر الرأس.
[18] الهيف في الأصل: رقة الحصر، وزعزعته: هزته،  والبنان: الأصابع أو أطرافها، الطرس: القرطاس، والأحم: الأسود،
[19] السرحة: الشجرة العظيمة وكذلك الدوحة.
[20] نبوة السيف: عدم قطعه، يقول: أنا سيف لا ينبو عند مقاتلتك وإن نبا السيف الحقيقي.
[21] العلم: الجبل، وكان العرب يوقدون ناراً بأعلى الجبال لهداية  السارين.
[22] ربداء: أي ذات لون مغبر، تجفل: أي تسرع في الهرب.
[23] شاعر، أديب كان يرى رأى الشيعة، وقد ولى قلعة من قلاع حلب من قبل الملك محمود بن صالح فشق عصا الطاعة بها؛ فاحتال عليه الملك حتى سمه فمات سنة 466هـ.
[24] هتفت الحمامة: مدت صوتها، والبان: ضرب من الشجر، وفي قوله (تتلو من صبابتها صحفا) حسن وإبداع.
[25] الأسى: الحزن.

About Falah

Keepsmile and .... and... and....
This entry was posted in Keagamaan. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s